افتتاحيات

الشفافية المطلقة هي السبيل إلى تعزيز الثقة في اللقاحات

على ضوء تَراجُع ثقة الأفراد في لقاح "كوفيد -19" المُزمع طرحه، يجب على شركات الأدوية وشركائها من المؤسسات الأكاديمية الالتزام بالإفصاح عن البروتوكولات والنتائج.   

  • Published online:

في الوقت الذي نشهد فيه أنَّ التجارب الإكلينيكية على لقاحات "كوفيد -19" Covid-19 تجري على قدمٍ وساق، ترتفع أصوات الكثيرين حول العالم -وبأعداد مثيرة للقلق- مُعلِنين اعتزامهم الامتناع عن أخذ اللقاح؛ الأمر الذي يجعلهم عُرضة للإصابة بالفيروس، فضلًا عن أنَّه يُعوِّق جهود احتواء هذه الجائحة.

وثمَّة مخاوف من التعجُّل في إجازة اللقاحات قبل اكتمال الاختبارات، تُضاف إلى الشكوك التي تحُوم حول صناعة الأدوية، وسيل المعلومات المغلوطة حول اللقاحات. وكلُّ هذه العوامل مجتمِعة تزعزع ثقة الأفراد في مدى مصداقية إجراءات الموافَقة على اللقاح.

وهناك أيضًا المخاوف من التدخلات السياسية، التي تَزيدُ الطين بَلَّة. ففي الولايات المتحدة، صرح الرئيس دونالد ترامب أكثر من مرّة بأن اللقاح قد يكون جاهزًا بحلول الانتخابات الرئاسية في شهر نوفمبر، وهو ما يتناقض مع تصريحات خبراء الصحة العامة؛ الأمر الذي أثار المخاوف من احتمال أن تمارس إدارته ضغوطًا على القائمين على عمليات تطوير اللقاح، من أجل إقراره قبل أن تؤكد البيانات المُجمَّعة أنه فعَّال وآمِن. وقد أحاطت مخاوف مشابِهة بالموافَقات السريعة على اعتماد اللقاحات للاستخدام الإكلينيكي في كلٍّ من الصين وروسيا.  

ويتحتم على صناعة الأدوية، على وجه التحديد، بذل المزيد من الجهد لتعزيز الثقة في اللقاحات، والحفاظ على هذه الثقة. والحقُّ أن الشركات العاملة في المجال قد التفتت إلى مناقشة هذه النقطة بالتحديد، حسبما وَرَد في تقرير إخباري نُشر مؤخرًا على صفحات دورية Nature. ويتعيَّن على مُصنِّعي الأدوية أن يتفقوا مع شركائهم مِن المؤسسات الأكاديمية على التحلِّي بدرجةٍ أعلى من الشفافية فيما يُطلِقون من تصريحات عن إجراءات التجارب الإكلينيكية، وما يَصدُر عنها من نتائج. 

ففي أوائل شهر سبتمبر الماضي، تم تعليق التجربة الإكلينيكية المُجراة في عدة بلدان على لقاحٍ محتمل واعِد، تعكف على تصنيعه شركة "أسترازينيكا" AstraZeneca، بالتعاون مع جامعة أكسفورد في المملكة المتحدة، وذلك حين وجد الباحثون أنَّ ثمة خطورة محتمَلة على سلامة أحد المشاركين في التجربة. والحقُّ أن التعليق المؤقت ليس بالأمر المستغرب في مثل هذه التجارب؛ إذ إنه دليل على الالتزام الصارم باعتبارات السلامة من قِبل القائمين على إجراء التجربة. وهو أمر يبعث على الطمأنينة، لا سيما في ظل الضغوط التي تُمارَس على العلماء للتعجيل بالانتهاء من اختبار هذا اللقاح، وإجازته.

إنّ إصرار المسؤولين عن التجربة على عدم التجاوُب مع تساؤلات الباحثين والصحفيين، وكذلك بعض أفراد المجتمع، يُعزز المخاوف المتعلقة بأمان اللقاح. صحيحٌ أن التجربة قد استُؤنفت في البرازيل، وجنوب أفريقيا، والمملكة المتحدة، إلا أنها ما زالت مُعلَّقة في الولايات المتحدة. 

إن السِّرية من بين الاعتبارات المهمة، الواجب مراعاتها في التجارب الإكلينيكية؛ إذ يجب احترام خصوصية المشاركين، كما إنّ الإفصاح عن بعض المعلومات قبل أوانها قد يتسبب في تحيز القائمين على التجربة أثناء إجرائها. 

أمَّا ما دون ذلك من معلومات، فليس من سببٍ وجيه للتكتُّم عليها. فعلى سبيل المثال، تميل شركات الأدوية إلى عدم الإفصاح عن التفاصيل -أو ما يُعرف بالبروتوكولات- المتعلقة بطريقة إجراء التجربة الإكلينيكية وتقييمها. وفي بعض الأحيان، لا تُنشر النتائج الحقيقية للتجربة. 

إنَّ الإفصاح عن بروتوكولات التجارب الإكلينيكية، ونتائجها، من شأنه أن يُتيح للباحثين غير المشارِكين في التجربة تقييم البيانات، والتحقق من صحة النتائج التي تخلُص إليها، والافتراضات التي تقوم عليها. وكذلك فإنَّ هذا يُمكِّنهم من استخدام البيانات بطُرُقٍ جديدة، قد تكون نواة لمزيد من الدراسات. وهو ما يُعظم فوائد التجارب الإكلينيكية، بحيث تعود بالنفع على المجتمع بأكمله؛ فلا تنحصر فائدتها في التحلِّي بالشفافية في الإفصاح عن تفاصيل العقار قيد الاختبار فحسب، وإنما تمهد الطريق لتطوير لقاحات أفضل على المدى الطويل. 

"المشاركون في التجارب يخاطرون بصحتهم من أجل دفع عجلة البحث العلمي، على النحو الذي قد يعود بالنفع على المجتمع برُمَّته".

وتحتجُّ شركات الأدوية -على الجانب الآخر- بأن الإفصاح عن هذه التفاصيل قد يكون من شأنه إفشاء معلومات في غاية الأهمية والخطورة لمنافسيها، ولكنْ عليهم أن يجدوا طريقة يوفِّقون بها بين تخوُّفهم هذا، ومسؤوليتهم تجاه المشاركين في الدراسة، الذين لولاهم ما أمكن إجراء التجارب من الأصل. قد يُقبِل الأفراد على المشاركة في التجربة، بُغية إصابة منفعة شخصية، ولكنهم يخاطرون كذلك بصحتهم، من أجل دفع عجلة البحث العلمي على النحو الذي قد يعود بالنفع على المجتمع برُمَّته. وأفضل السُّبل لتعزيز فرص بلوغ هذه الأهداف يتمثَّل في إتاحة بروتوكول التجربة ونتائجها للفحص والتدقيق. 

ويبدو أن شركات الأدوية تتجه إلى الاستجابة لهذه المطالبات والضغوط من قِبل الباحثين. فقد أفصح عددٌ من شركات الأدوية عن بروتوكولات التجارب الإكلينيكية للقاحات الواعدة، التي وصلت إلى المرحلة الثالثة من مراحل التجربة، التي تضمُّ عشرات الآلاف من المشاركين، وهي شركات "موديرنا" Moderna، و"فايزر" Pfizer، و"أسترازينيكا"، وقد لحِقَتْ بها شركة "جونسون آند جونسون" Johnson & Johnson وشركاؤها خلال الأسبوع الماضي. تكشف تفاصيل هذه البروتوكولات عن آلية تقييم فاعلية اللقاحات، والتوقيت المحتمل لإصدار النتائج، والمعيار المتبع لتعليق التجربة قبل الموعد المقرَّر للانتهاء منها، إذا ما ثبت نجاح اللقاح. 

وأكبر الظن أن الشركات سوف تُبقِي على هذه الروح الانفتاحية، ما بقيَتْ الجائحة، في سعيها إلى تطوير لقاح لمرض "كوفيد19-"، ولكنْ يجب عدم التخلِّي عن هذه الروح بمجرَّد القضاء على هذا الفيروس؛ فالتجارب المستقبلية تتطلَّب الشفافية كذلك. 

أمَّا القائمون على التجارب والدراسات التي تستهدف التوصُّل إلى علاجات محتملة لمرض "كوفيد 19"، فعليهم أن يلتمسوا تغييرًا ما؛ فلا بد من العمل على تحقيق قدرٍ أكبر من الشفافية، لا فيما يخص البروتوكولات فقط، ولكنْ أيضًا فيما يتعلق بالنتائج المستقاة من التجارب. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: كيف السبيل إلى تحقيق ذلك؟

لقد أثبت لنا التاريخ أنه إذا تزعزعَتْ ثقة الناس في اللقاحات، يكون من الصعب استعادتها، وأنَّ الارتياب في لقاحٍ قد يعزز المخاوف المثارة حول غيره من اللقاحات، فإذا تسرَّب الشك في لقاح "كوفيد 19" إلى نفوس البعض، فسوف يصبحون أقلَّ إقبالًا على تلقِّي لقاحات الأمراض أخرى؛ وهو ما يُغذي بدوره التردُّد في أخذ اللقاحات، الذي تُعزى إليه عودة انتشار بعض الأمراض التي سبق احتواؤها إلى حدٍّ بعيد، كالحصبة. صحيحٌ أنَّ التردُّد في أخذ اللقاحات تقف وراءه جملة من الأسباب المعقدة، إلا أن تأخير إعلان النتائج، والتقاعس في إعلانها، أو الإبقاء عليها في طيِّ الكتمان، لا يزيد الأمر إلا سوءًا. وهذه حقيقة يتعيَّن أن يستوعبها الباحثون، والناشرون، والجهات الرقابية، وصانعو السياسات، وشركات الأدوية في المقام الأول، إذا أردنا أن نُصيب نجاحًا في التصدِّي للجائحة.