افتتاحيات

الصين تُسهِم في رسم مستقبل التنوُّع البيولوجي العالمي

بينما تستعد الصين للنهوض بدورٍ محوريٍّ في إدارة ملف التنوع البيولوجي العالمي، يجب أن يكون للباحثين الصينين حضورٌ قوي في الاضطلاع بهذا الدور. 

  • Published online:

أكدت الأمم المتحدة أن العالَم قد أخفق مجدَّدًا في تحقيق أهدافه المتعلقة بحماية البيئة. وقد أُعلنَتْ هذه النتيجة المؤسفة في الإصدار الخامس من تقرير الأمم المتحدة عن الدراسة الاستشرافية للتنوع البيولوجي في العالم  الصادر في شهر سبتمبر الماضي.

استعرض التقرير، الصادر عن اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي، التقدم المُحرَز في تحقيق 20 هدفًا متعلقًا بالتنوع البيولوجي، التزمَتْ بها الدول المنضمَّة إلى الاتفاقية في محافظة آيتشي اليابانية قبل عقدٍ من الزمن (www.cbd.int/gbo).

وبحلول الموعد النهائي لإنجاز هذه الأهداف، المقرَّر في نهاية هذا العام، لم يتحقق أيٌّ من الأهداف المرصودة، التي تشمل إحراز تقدُّم في التوصُّل إلى طريقة مستدامة لصيد الأسماك، وكذلك كبح انتشار الأنواع الغازية، والحيلولة دون انقراض الحيوانات البرية المهددة.

ليس هذا وقتًا للندم أو الاعتذار؛ إنه وقت اتخاذ الإجراءات، وعلى وجه السرعة. فقد كشف تحليل صادر من المنبر الحكومي الدولي لسياسات العلوم في مجال التنوع البيولوجي والخدمات الإيكولوجية -خلال العام الماضي- أن عدد الأنواع النباتية والحيوانية المعرَّضة لخطر الانقراض يُقارب المليون نوع. وقد أشاع "مؤشر الكوكب الحي" Living Planet Index، التابع للمنظمة الخيرية المعروفة بالصندوق العالمي للطبيعة (WWF)، والمنشور في وقت سابق من شهر سبتمبر 2020 (انظر: go.nature.com/32wzvdz)، حالةً مماثلة من القلق بإعلانه عن تراجُع أعداد الحيوانات الفقارية المرصودة بين عامي 1970، و2017 بنسبةٍ بلغت في المتوسط 68%.

وحيال ذلك، يتعيَّن على جميع الدول أن تبذل مزيدًا من الجهد؛ بيد أن الجانب الأكبر من المسؤولية مُلقًى الآن على عاتق الصين، التي ستشارك -إلى جانب قادة اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي- في استضافة مؤتمر أطراف الاتفاقية (COP) القادم، المُزمع انعقاده في مدينة كونمينج العام المقبل. وسوف تُحدَّد في هذه القمة، التي كان مقرَّرًا عقدها في هذا العام، أهداف التنوع البيولوجي للسنوات العشر المقبلة. 

وكما أسلفنا، فقد كان الفشل هو المصير المحتوم للأهداف السابقة؛ والسبب وراء ذلك إنما يرجع –في جانبٍ منه- إلى أنها قد وُضعت على نحوٍ جعل من الصعب قياس التقدم المحرَز فيها؛ لا سيّما أن الدول الأعضاء لم تكن مُلزَمة بإعداد تقارير عن الخطوات التي تتخذها في هذا الصدد. ولهذا لا بد من تغيير ذلك الآن. كما يجب أن تكون الأهداف أكثر توافقًا مع نظام المحاسَبة البيئية والاقتصادية، التابع للأمم المتحدة، الذي صار معيارًا عالميًّا لإعداد التقارير البيئية. ومِن دون إجراء هذه التغييرات، سيكون الفشل مصير المجموعة التالية من أهداف التنوع البيولوجي كذلك.

وفي الوقت نفسه، ينبغي إشراك علماء التنوع البيولوجي وباحثي السياسات الصينيين في هذه المناقشات، تزامنًا مع الشروع في بلورة خطط قمة كونمينج. فالصين تتمتع بعقود من الخبرة في دراسة كيفية الموازنة -أو غياب الموازنة- بين التنمية الاقتصادية من جهة، والتحكُّم في الأنواع وتدارُك الفاقد في النظم الإيكولوجية من جهةٍ أخرى. والعالَم بحاجة إلى الاستماع إلى هذه القصص بكل تعقيداتها.

دروس التجربة الصينية

يؤكد تقرير الدراسة الاستشرافية أن ثمة أنواعًا معروفة تسير بخطًى متسارعة نحو الانقراض، ويخصُّ بالذكر أنواعًا بعينها من السيكاديات والشُّعب المرجانية، باعتبار أنها من أكثر الفئات عرضةً لخطر الانقراض. ويبين التقرير أنه على الرغم من انخفاض وتيرة إزالة الغابات خلال العقد الماضي، لا تزال الأنشطة البشرية –مثل الزراعة، وقَطْع الأشجار، والنمو الحضري- تقتطع من مساحات الغابات. ومن شأن هذه الاقتطاعات أن  تنعكس بالسلب على التنوع البيولوجي، وتزيد من انبعاثات الكربون.

ولا يزال الطلب على الإنتاج الغذائي والزراعي هو المحرك الرئيس لفقدان التنوع البيولوجي. ويبدو أنَّ الحكومات لا تساعد على حلِّ هذه المشكلة؛ بل إنها تُنفق –في المتوسط- حوالي 500 مليار دولار أمريكي سنويًّا في مبادرات تضر البيئة؛ وهو ما يفوق إنفاقها على مشروعات التنوع البيولوجي بمقدار 6 أضعاف، حسبما جاء في التقرير.

تمتلك الصين خبراتٍ عريضة، يمكن للعالَم أن يستمدَّ منها دروسًا قيّمة. فنموها الاقتصادي السريع مكَّنها من انتشال جيل كامل من براثن الفقر؛ غير أنَّ هذا ترتَّب عليه كذلك تداعيات بيئية عدَّة، تمثَّلت –بصفةٍ خاصة- في ارتفاع معدلات تلوث الهواء واليابسة. وقد كان الشعب الصيني مُحِقًّا في إخضاع قادته للمساءلة بشأن إغفال الآثار البيئية والاجتماعية الناجمة عن التحول الصناعي، أو حتى الاستهانة بها. وقد كان ذلك من بين العوامل التي دفعَتْ السُّلطات الصينية إلى التعاون مع الباحثين داخل الصين وفي مختلف أنحاء العالم؛ من أجل وضع خطة مستقبلية أكثر عنايةً بالبيئة.

فعلى سبيل المثال، طرحَتْ الجهات الإدارية -على المستويين؛ الوطني، والمحلي- عددًا من الأهداف البيئية، وأخضعَتْها للتجربة، كما طوَّرت آليات لرصد التقدم المحرَز في تحقيقها، ورفع تقارير بشأنها، حتى وإنْ لم يكن النجاح في تحقيق هذه الأهداف تامًّا، ولا حاسمًا.

تتضمَّن الاستراتيجية الوطنية الصينية للتنوع البيولوجي وضع حدود بعينها في جميع أنحاء البلاد، تُطلِق عليها "الخطوط الحمراء"؛ وهي مناطق تُحظر فيها الأنشطة البشرية لحماية التنوع البيولوجي.

وعلى الجانب الآخر، أطلقَتْ الصين مبادرة تبلغ تكلفتها 6 تريليونات دولار أمريكي، هي "مبادرة الحزام والطريق" Belt and Road Initiative. وتتمثل هذه المبادرة في برنامج هائل يهدف إلى بناء طرق وموانئ وبنًى تحتية ستمرُّ عبر موائل طبيعية في جميع أنحاء آسيا، وأوروبا، وأفريقيا. والكثير من هذه الاستثمارات لم يأتِ مصحوبًا بالضمانات الكفيلة بتخفيف المخاطر البيئية، وإنْ كانت هذه الأمور قيد الدراسة على نحو فعّال في الوقت الراهن.

وأخيرًا، وليس آخرًا، تمتلك الصين مجتمعًا بحثيًا كبيرًا، يعكف حاليًّا على قياس رأس المال الطبيعي والخدمات الإيكولوجية على هيئة المَبالغ المالية، بحيث يتسنَّى لعموم الناس -فضلًا عن واضعي السياسات- إدراك أن خدمات الطبيعة لا تُقدَّم إلى البشر بالمجان، أو بلا تبِعات.

ويُذكر أنه كان هناك لقاء منتظَر بين زعماء الدول في الأمم المتحدة في الثلاثين من سبتمبر، لإجراء محادثات حول التنوع البيولوجي، قبل عقد "مؤتمر الأطراف" في مدينة كونمينج في العام القادم. وقد تحدثت دورية Nature إلى عدد من ممثلي وفود البلدان التي اعتزمت المشاركة في هذا الاجتماع، وكان من بينهم باحثون ومراقبون غير حكوميين. ويتطلَّع الجميع إلى نجاح المؤتمر في التقريب بين الدول، والاتفاق على أهداف قيِّمة، وقابلة للقياس، ولكنهم أعربوا عن قلقهم بخصوص محدودية المشارَكة العامة التي تسمح بها الحكومة الصينية فيما يتعلق بأهدافها أو باستراتيجيتها لمؤتمر كونمينج، وبالتالي المشارَكة المحدودة نسبيًّا لباحثيها في العملية حتى الآن.

يكتسب العلماء في الصين أهمية محورية في رحلة دولتهم نحو الحفاظ على البيئة، وتحقيق التنمية الاقتصادية. ويمكن لخبراتهم مجتمِعةً -بشأن ما ينجح وما لا ينجح من الوسائل المختلفة- أن تكون بمثابة فرصة مهمة للتعلُّم، تستفيد منها الدول التي تتطلع إلى إبطاء وتيرة فقدان التنوع البيولوجي والإيكولوجي، وصولًا إلى استعادته في النهاية. ويتوزَّع هؤلاء الباحثون على أكاديمية العلوم، والجامعات، وأكاديمية التخطيط البيئي، وكذلك المنظمات غير الحكومية الصينية والدولية. كما أن الكثيرين منهم يؤدُّون أدوارًا نشطة في المجلس الصيني للتعاون الدولي من أجل البيئة والتنمية، وهي منظمة تتخذ من كندا والصين مقرَّين لها، وقد اختتمت في الأسبوع الثالث من سبتمبر الماضي مؤتمرًا استمر ليومين، قدَّم أحدث نتائج الأبحاث التي أجرتها. وتُعد هذه الهيئة الاستشارية المهمة –وإن لم تحظَ بشهرةٍ كبيرة، رغم أن عمرها يناهز الآن ثلاثة عقود– وسيلة فعَّالة للربط بين مجتمعات العلوم والسياسات البيئية في الصين، ونظرائها الدوليين.

"يجب أن تُنَحِّي جميع الأطراف خلافاتها السياسية جانبًا، للخروج بأهداف طموحة".

سوف يكون اجتماع كونمينج، المقرر عقده خلال العام المقبل، أول اجتماع دوليٍّ معنِيٍّ بالبيئة تستضيفه الصين (على غرار اتفاق باريس للمناخ، المُوَقَّع في عام 2015)؛ ولا بديل عن نجاح هذا الاجتماع، بالنظر إلى الأخطار التي تُحدِق بالبيئة والأنظمة الإيكولوجية. ويجب أن تستفيد الصين من رصيدها الثري من المواهب والخبرات. كما يجب أن يتحلَّى الباحثون غير الصينيِّين بدرجة الانفتاح نفسها فيما يشاركون مِن معارف. ويجب، أخيرًا، أن تُنَحِّي جميع الأطراف خلافاتها السياسية جانبًا، للخروج بأهداف طموحة، والاتفاق على سبل تحقيقها، وطرق قياس التقدم المحرَز فيها.

إنّ أفضل طريقة للحفاظ على التنوع البيولوجي، وإحيائه، تكمن في اعترافنا جميعًا بإخفاقاتنا السابقة، والتعلم منها، ثم تكرار المحاولة معًا.