كتب وفنون

دراساتٌ طويلة الأمد توفر أدلةً عن عوامل تشكِّل مستقبل الأطفال

هذه البيانات التي جُمِعَت على مدار عقود عن كيفية تأثير مرحلة الطفولة على صحة البالغين ينبغي أن تساعد صانعي السياسات على وضع الخطط. 

باربرا مون

  • Published online:
أطفالٌ في الهند ينتظرون وجبة طعام خلال جائحة "كوفيد-19".

أطفالٌ في الهند ينتظرون وجبة طعام خلال جائحة "كوفيد-19".

Credit: Avishek Das/SOPA Images/LightRocket/Getty

أُصُولك: كيف تُشكِّل الطفولة مراحل الحياة اللاحقة؟

جاي بيلسكي، وأفشالوم كاسبي، وتيري إي. موفيت، وريتشي بولتون

دار نشر جامعة هارفارد (2020).

أدّت جائحة "كوفيد-19" إلى اضطراب حياة الأطفال في شتى أنحاء العالم، فكيف إذَن سيُسهم هذا الحدث الذي لا يتكرر سوى مرة واحدة كل قرن في تشكيل نموهم، وسنوات حياتهم اللاحقة؟ في هذا الصدد، لدى علماء البيولوجيا والاجتماع بعض الأفكار، وذلك بفضل مجموعةٍ متنامية من الأدلة التجريبية المستقاة من أبحاثٍ طويلة المدى، أُجريت على مجموعاتٍ من الأتراب الذين اختِيروا للمشاركة فيها عند ولادتهم، ودُرِسوا بانتظام على مدار عشرات السنين، ووصل بعضهم حاليًّا إلى العقد السابع من عمره. وعلى سبيل المثال، كشفت تلك الأبحاث أنَّ انخفاض الوزن عند الولادة يرتبط بتزايد خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم بعد مرور عشرات السنين، وأنَّ مستوى التحصيل التعليمي له آثارٌ على متوسط ​​العمر المتوقع. وقد شكَّلت هذه النتائج التدخلات التي تطبقها دول عديدة فيما يخص السنوات المبكرة من عمر الأطفال.

وفي كتاب "أُصُولك" The Origins of You (الذي كُتب قبل الجائحة الحالية)، يشاركنا أربعةٌ من الروّاد في مجال دراسات الأتراب رؤاهم التي خرجوا بها من أبحاثهم، وهم علماء النفس: جاي بيلسكي، وأفشالوم كاسبي، وتيري موفيت، وريتشي بولتون، الذين عملوا جميعًا على تخطيط ثلاثة مشروعات مذهلة وإدارتها في نيوزيلندا، والولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، بهدف تتبُّع نمو الأطفال منذ ولادتهم حتى بلوغهم سن المراهقة، أو العشرينات، أو الثلاثينات، أو الأربعينات من العمر. ويُقيَّم المشاركون في هذه الدراسات كل بضع سنوات من جميع النواحي، بدءًا من الطول، والوزن، والاندفاع، وانتهاءً إلى نتائجهم الدراسية، وأجورهم، وشخصياتهم، وحالاتهم المزاجية. ويأمل المؤلفون -من خلال كتابهم- في بث حماسهم تجاه مغامراتهم العلمية هذه إلى خارج حدود الأوساط الأكاديمية.

ويتضمن الكتاب عشرين فصلًا، تستعرض أمثلةً على تلك المغامرات بأسلوبٍ حواري. ويتنقَّل المؤلفون في هذه الفصول بين أفكارٍ متزايدة التعقيد، تتعلق بمفاهيم دراساتهم، ومنهجياتها، ومحتواها. فعلى سبيل المثال كان الاقتصادي جيمس هيكمان، الذي حاز جائزة نوبل، متشوقًا لفهم السبب الذي جعل المشاركين في بعض برامج مشروع "هيد ستارت" Head Start -الذي أُطلق في ستينيات القرن الماضي لتقديم الدعم التعليمي والصحي للأطفال الأمريكيين المنتمين إلى عائلات منخفضة الدخل- يحققون نتائج أفضل من حيث التحصيل العلمي والتوظُّف لاحقًا في حيواتهم، على الرغم من أنَّ تفوقهم في درجات الاختبارات في البداية قد تراجع بمرور الوقت.

ارتكز حدس هيكمان على اعتقاده بأنَّ هذه الفوائد التي ظهرت على المدى الطويل ربما تكون قد تحقَّقت، لأنَّ البرنامج أسهم في تحسين قدرة هؤلاء الأطفال على ضبط النفس. وقد حثَّ المؤلفين على النظر في تلك المسألة. ورغم شكهم في صحة استنتاجه، حلَّلوا بياناتٍ من دراسة دانيدن متعددة التخصصات حول الصحة والنمو، التي تَتَبَّعت نمو ألف مواطن نيوزيلندي منذ ولادتهم في الفترة ما بين عامَي 1972، و1973. ودرس الباحثون المؤشرات الخاصة بمستوى ضبط النفس في مرحلة الطفولة، واختبروا مدى قدرة تلك المؤشرات على التنبؤ بجوانب حياة المشاركين في المراحل اللاحقة من حيواتهم.

واتضح أنَّ هيكمان كان محقًّا.. فحتى بعد أخْذ عوامل مثل الوضع الاجتماعي والاقتصادي للأسر في الاعتبار، كان تراجُع مستوى ضبط النفس في مرحلة الطفولة مؤشرًا مُنبِئًا بعددٍ كبير من النتائج السلبية في مراحل الحياة اللاحقة، منها تراجُع الحالة الصحية الجسدية في أوائل الثلاثينات، وتدني الوضع الاجتماعي والثروة، وزيادة احتمالية تعاطي المخدرات والمشروبات الكحولية، والإدانة بارتكاب الجرائم. والأهم من ذلك، أنَّ هذه التنبؤات كانت تتغير بتغيُّر مستوى ضبط النفس في مراحل العمر المبكرة، وهو ما يشير إلى أنَّ الاستراتيجيات المستخدَمة في تحسين ضبط النفس، التي تتنوع بين "المحفزات" السلوكية وبرامج تدريب الآباء، سوف تؤتي ثمارها، بغض النظر عن نقطة البداية التي ينطلق منها كل طفل.

أنماط النمو

ويتناول كل فصلٍ من فصول الكتاب حكايةً مختلفة، تمتد من سن الطفولة حتى البلوغ، ويتضمن مؤشراتٍ يمكن أن تسترشد بها السياسات. وقد أدهشتني بالأخص تلك الدراسات التي تُركِّز على فتراتٍ معينة من مراحل النمو، مثل التأثير الذي يمكن أن تُحْدثه الاختلافات في توقيت البلوغ على السلوك الجنسي المبكر لدى المراهقين، وعلى استقرار العلاقات الجنسية حتى وصول المرء إلى الأربعينات من عمره، بينما كان الهدف من فصولٍ أخرى توضيح أنماط النمو الخاصة بحالاتٍ مرضية، مثل اضطراب قصور الانتباه وفرط الحركة (ADHD)، واستخدام البيانات المستقاة من مراحل النمو المختلفة لتوضيح كيف تزداد حدة تلك الحالات، ثم تتراجع مع تقدم العمر. كذلك تُجرَى تحليلاتٌ مماثلة لدراسة السلوك المُعادي للمجتمع.

وربما يكون أهم الموضوعات التي تتكشف في هذا الكتاب هو أنَه رغم وجود علاقة مستمرة وواضحة بين فترة الطفولة ورفاهية الإنسان في مراحل العمر اللاحقة، فإنَّ تلك العلاقة لا تتخذ شكلًا محددًا على الإطلاق، إذ إن عملية النمو لدى البشر تخضع لقواعد الاحتمال، وليس لمبادئ الحتمية، وتستمر إلى ما بعد العقد الأول من العمر بكثير. وهناك العديد من العوامل المختلفة التي ربما تقوم عليها هذه العلاقة المستمرة طويلة الأجل، فعلى سبيل المثال، نرى في هذا الكتاب أمثلةً على الطرق التي يمكن من خلالها لسمات الطفولة أن "تختار" للمرء بيئة معينة في مراحل العمر اللاحقة، وبالتالي تعزز ميوله المبكرة. وكمثال، عندما تَتَبَّع الباحثون نمو بعض الأشخاص، وصولًا إلى بدايات مرحلة البلوغ، وجدوا أنَّ مَن تعرضوا للكبت الاجتماعي في مرحلة الطفولة كانت دوائرهم الاجتماعية أصغر، وحظوا بدعمٍ اجتماعي أقل من أقرانهم، في حين أنَّ مَن اتسموا بالاندفاع في سنوات الطفولة المبكرة غالبًا ما كانوا يستثيرون ردود أفعال سلبية من العائلة والأصدقاء والشركاء، وكذلك في أماكن العمل. كما أنَّه من الممكن أيضًا للمحن التي نتعرض لها مبكرًا، مثل المعاملة القاسية، والعزلة الاجتماعية، والتنمر، أن تصبح جزءًا لا يتجزأ من تكويننا البيولوجي، وبالتالي تؤثر على العمليات الالتهابية والاستجابة للضغوط والتوتر، على نحوٍ قد يعزز في مراحل العمر اللاحقة خطر الإصابة بأمراضٍ مثل السكري، واعتلال الصحة العقلية.

طفلٌ يشارك في دراسة عن النمو ترجع إلى عام 1940.

طفلٌ يشارك في دراسة عن النمو ترجع إلى عام 1940.

Credit: Hansel Mieth/The LIFE Picture Collection/Getty

ونرى في الكتاب أيضًا أنَّ التغيير يظل ممكنًا على مدى حياة المرء، وأنَّ بعض الأفراد يتمتعون بالمرونة، حتى في مواجهة المحن الشديدة جدًّا التي يتعرضون لها في مقتبل حيواتهم. ومن ثم، فإنَّ استكشاف العوامل التي تعزز مَواطن قوة الأفراد، سواءٌ أكانت تلك العوامل تكمن في الأسرة، أَم الحي، أم المجتمع، أم الإرث الجيني، يمكن أن يكون مفيدًا للغاية في توضيح الأهداف الممكنة للتدخلات، مثل الاستثمار في الوجبات المدرسية، أو التعليم.

لعبةٌ طويلة الأمد

إلى جانب النتائج المُحدَّدة التي يعرضها الكتاب، تتجلَّى على مدى صفحاته قوة المنهجية الطولية في البحث العلمي، إذ تُشكِّل المشروعات الثلاثة التي يتناولها الكتاب جزءًا من مجموعةٍ أكبر من الدراسات، بدأ معظمها منذ الحرب العالمية الثانية، ليتتبع الأفراد عبر مراحل حيواتهم المختلفة. ونتائج تلك الدراسات تُولِّد حاليًّا ثورةً في فهمنا للعوامل الحاسمة المؤثرة في الصحة، ورأس المال الاجتماعي، وكذلك الشيخوخة والتدهور المصاحب لها في حال الدراسات الأطول. وكل دراسةٍ منها تمثل جهودًا استثنائية لتوثيق مراحل الحياة بصورةٍ آنية، يبذلها الباحثون والمشاركون، والمُموِّلون بالطبع.

وصحيحٌ أنَّ الدراسات التي تكون "رصدية" في الأساس قد لا تُمكِّننا من الوقوف بدقة على أسباب نتائجها على النحو الذي قد يتحقق في التجارب، لكنّها -عوضًا عن ذلك- تُقدِّم لنا كنزًا أكبر وأقْيَم من نواحٍ كثيرة، يتمثل في الرؤى المتعمقة التي توفرها لنا عن العمليات التي تُشكِّل نمو البشر. وبالنظر إلى الحِيَل التي يمكن أن تمارسها ذاكراتنا علينا، لا يمكن دراسة مثل هذه المسائل بأثرٍ رجعي، فنحن بحاجة إلى ملاحظة حيوات الأفراد خلال تكشُّف جنباتها. وكما يوضح هذا الكتاب، فإنَّ قيمة مثل هذه البيانات تزداد أضعافًا مضاعفة بمرور الوقت، إذ تفسر وتوضح مسائل لم تكن تخطر على البال عندما بدأت تلك الدراسات.

وبالنسبة إلى حديثي العهد بالأدبيات العلمية الخاصة بدراسات الأتراب، يُعد هذا الكتاب مقدمة مشوقة في هذا المجال. أما المُلِمِّين بمثل تلك الدراسات، فهذه فرصةٌ لهم لسماع المؤلفين وهم يطرحون أفكارهم، ويتناقشون حول أفضل المقاربات، ويُمعنون النظر فيما قد يدرسونه لاحقًا. ويمكننا أن نثق في أنَّ هذا النقاش سوف يشمل الآن أفضل السبل لاستخدام هذه الموارد الثرية التي تتحقق من الدراسات الطولية، من أجل فهم تأثيرات جائحة "كوفيد-19".

باربرا مون أستاذ علم وبائيات النمو في مركز الطب النفسي الاجتماعي والجيني والنمائي، التابع لمعهد الطب النفسي وعلوم النفس والأعصاب في جامعة كينجز كوليدج لندن.

البريد الإلكتروني: barbara.maughan@kcl.ac.uk