تعليقات

لا تتجاهلوا البيانات الجينية الخاصة بالأقليّات

سيكون الفشل مصيرًا محتومًا لمحاولات إعداد دراساتٍ مُمثِّلة لجميع البشر، إذا استمرّ العلماء في إغفال البيانات الخاصة ببعض المجموعات السكانية. وعوضًا عن ذلك.. يجدُرُ بالباحثين أن يوازنوا بين احتياجاتهم الإحصائية، ومقتضيات العدالة.

تشيف بن إيجان، وروزي صن، وخوسيه سيرجيو لياب، وأليكس دياز بابكوفيتش، وهانز ماركوس مونتر، وأودري في. جرانت، وتشارلز دوبراس، وسيمون جرافل

  • Published online:
روَّاد سوق كولومبيا رود للأزهار بالمملكة المتحدة.

روَّاد سوق كولومبيا رود للأزهار بالمملكة المتحدة.

Credit: Alamy

أدرك علماء الجينات، منذ أكثر من عشر سنوات، أن تركيزهم على ذوي الأصول الأوروبية يتسبب في تفاقم الفوارق الصحية1. فقد أُجرِيَ تحليلٌ في عام 2018 للدراسات المعنية ببحث المتغيرات الجينية ذات الصلة بالأمراض، وكشف عن أنَّ إشكالية التمثيل غير المتكافئ للمجموعات السكانية لا تزال قائمة؛ فقد كانت الغالبية العظمى من المشاركين في الدراسات من أصولٍ أوروبية (بنسبةٍ بلغَتْ 78%)، في مقابل 10% من ذوي الأصول الآسيوية، و2% من ذوي الأصول الأفريقية، فيما جاءَتْ نسبة الممثلين لكل سلالةٍ من السلالات الأخرى أقل من 1% من العدد الإجمالي للمشاركين2. وقد بدأت مشروعات عدَّة -من بينها مشروع الوراثة البشرية والصحّة في أفريقيا (H3Africa)- في زيادة نسبة المشاركين والباحثين الذين ينتمون إلى المجموعات التي لا تحظى بالتمثيل الكافي. وإضافةً إلى ذلك.. أقدَمَتْ البنوك الحيوية الكبرى في أوروبا وأمريكا الشمالية -التي تجمع ما بين العينات البيولوجية، والبيانات المتعلقة بالصحة- على وضع أهداف بعينها لعملية جمع العينات، من شأنها زيادة التنوع6،5،4.

وحتى عندما تتوفَّر البيانات الخاصة بمجموعات الأقليات، نجد أن كثيرين من الباحثين يتجاهلونها، أو ينصرفون عنها7. قد تكون هناك أسبابٌ وجيهة لقَصْر التحليلات على مجموعةٍ سكانية محدّدة، أمَّا أن تُتجاهل تلك البيانات بصورةٍ تلقائية، فهذا ينطوي على إشكاليةٍ أخلاقية؛ إذ يقود هذا التجاهل إلى استفحال أزمة التمثيل المنقوص لبعض المجموعات السكانية، ويبدّد جهود المشاركين في البحوث.

وقد اتَّخذت جهات التمويل خطواتٍ ترمي إلى تعزيز التنوع بين المشاركين الذين تستعين بهم الدراسات. وممَّا يلفت النظر أنَّ تلك الخطوات انعكسَتْ على زيادة تمثيل النساء في التجارب الإكلينيكية منذ التسعينات، غير أنَّ تلك الجهات لا تملك قدرةً كبيرة على التأثير في قرارات الباحثين فيما يتعلَّق بالبيانات التي يتناولونها بالتحليل. فالباحثون ينجذبون إلى البيانات التي تلائم التحليلات الإحصائية من جهة، وإلى حوافز النشر من جهةٍ أخرى، وهما أمران قد يتعارضان مع الهدف الأشمل، المتمثل في تحقيق مزيد من العدالة.

وإننا لنطرح هنا نهجًا مُستخدَمًا في مجال الرعاية الصحية، قد يساعد الباحثين على اتخاذ قراراتٍ تحليلية صائبة، من الناحيتين؛ الأخلاقية، والعلمية.

استبعاد بيانات الأقليات

لتقدير مدى شيوع ظاهرة إغفال بيانات الأقليات، عَمَدنا إلى فحص الدراسات التي تضمَّنت بيانات مأخوذة، إما من البنك الحيوي البريطاني (UKB)، الذي يضم عيناتٍ من 502,655 شخصًا، أو من البنك الحيوي المختص بدراسة الصحّة والتقاعد الأمريكية (HRS)، الذي يضم عيناتٍ من 12,454 شخصًا. وكلا البنكين يدعم دراسات الارتباط على مستوى الجينوم (GWAS)، التي تتضمَّن فحص بيانات آلاف المشاركين، بحثًا عن المتغيرات الجينية ذات الصلة بالأمراض.

ومن أجل عَقْد مقارنة بين المعايير التي طبَّقها الباحثون لتضمين الدراسات المختلفة أنواعًا بعينها من البيانات، أو استبعادها، قسَّمنا المشاركين في كلٍّ من الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة إلى فئتين: مشاركين ينتمون إلى الأغلبية، وآخرين ينتمون إلى الأقلية. وقد استخدمنا مصطلح "الأغلبية" للإشارة إلى بعض المشاركين، بصرف النظر عمَّا إذا كانت الدراسة قد ركَّزت على الأصول الإثنية، التي يفيدون بانتمائهم إليها، كأن يكونوا من ذوي البشرة البيضاء، أو على المناطق التي ينتمي إليها أسلافهم، كأن يكونوا من أصولٍ أوروبية. كما استخدمنا مصطلح "الأقلية" للإشارة إلى جميع مَن عداهم، ومنهم ذوو الأصول الإثنية، أو العرقية المختلطة. إن هذا التصنيف العام من شأنه أن يساعدنا على توضيح الكيفية التي استُخدمت بها البيانات في التحليلات الإحصائية، وإنْ لم يعنِ ذلك أن أيًّا من الفئتين تتَّسم بتجانسٍ داخلي. واعتبرنا أن بيانات الأقليات "متضمَّنة" في التحليل، إذا ما أفصح هذا التحليل عن وجود ارتباطٍ بين السمات أو الأمراض، وبين الأنماط الجينية في العينات ذات الصلة.

في البداية، راجعنا 21 تقريرًا من تقارير دليل دراسات الارتباط على مستوى الجينوم (www.ebi.ac.uk/gwas)، التي ورد بها ذكر الكلمة المفتاحية "البنك الحيوي البريطاني UK biobank" (انظر: قسم المعلومات الإضافية المصاحب للنسخة الإنجليزية من هذا التقرير على الموقع الإلكتروني لدورية Nature). ووجدنا أنَّ عشرين تقريرًا منها قد قصرت تحليلاتها على الأفراد المنتمين إلى مجموعات الأغلبية في قاعدة بيانات البنك الحيوي البريطاني (اثنتان منها حلّلتا أيضًا بياناتٍ مأخوذة من قواعد بيانات أخرى، تضمُّ طائفةً أوسع من الأصول الإثنية للمجموعات السكانية). كما استعنَّا بتقارير مشابهة، تشتمل عليها مستودعات البيانات على شبكة الإنترنت، وجمعنا عينةً عشوائية تضم 20 دراسة أخرى من دراسات الارتباط على مستوى الجينوم، استُخدمت فيها بيانات البنك الحيوي البريطاني، ووجدنا دراسةً واحدةً فقط استخدَمت بيانات الأقليات. وأخيرًا، راجعنا 17 دراسة من دراسات الارتباط على مستوى الجينوم المُدْرَجة في قائمة منشورات دراسة الصحّة والتقاعد الأمريكية على الإنترنت، ووجدنا ست دراساتٍ منها هي التي قصرت تحليلاتها على مجموعات الأغلبية، ربما لأنَّ نسبة المشاركين من الأقليات في البنك الحيوي الأمريكي (التي تبلغ 24%) كانت تتجاوز نظيرتها في البنك الحيوي البريطاني (5%).  

وإجمالًا، وجدنا أنَّ 45 دراسة -من أصل 58 دراسة اشتملت عليها العيِّنة التي أخضعناها للفحص- قد أغفلَتْ بيانات الأقليات. وإذا عمدنا إلى قياس نسبة تمثيل المجموعات السكانية حسب عدد مرات تحليل بيانات أحد أفراد تلك المجموعات، فسوف ينخفض تمثيل الأقليات في البنك الحيوي البريطاني إلى ما نسبته 0.06% (انظر: شكل "مُستبعَدون". ولمزيد من التفاصيل، اطلِعْ على المعلومات الإضافية)، غير أنَّ هذا الوضع الإشكالي لن يفاجئ سوى قلّةٍ من الباحثين في علم الجينات.

وقد بُذلَتْ محاولات من قِبَل البنك الحيوي البريطاني، ودراسة الصحة والتقاعد الأمريكية، سعيًا إلى تمثيل المجموعات السكانية في البلدين. ورغم ذلك، فإنَّ ضمَّ أفرادٍ من الأقليات في مجموعات بيانات الأتراب، ثم استبعادهم من التحليلات، إنما يدلُّ على أنَّ تضمين بيانات هذه المجموعات ليس -في واقع الأمر- سوى إجراءٍ شكلي؛ حيث إنّ المجموعات غير الممثَّلة تمثيلًا كافيًا لن تجني نفعًا من البيانات، إذا لم تُستخدم.

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.
كبر الصورة

مسوِّغات الاستبعاد

من بين 45 دراسة استبعدت بيانات الأقليات، لم يرد ذكر مسوِّغات الاستبعاد في 31 دراسة. أما الدراسات الأربع عشرة الباقية، فقد عدَّدت 15 سببًا لاستبعاد البيانات.

وقد لوحظ أنَّ السبب الأكثر تواترًا هو خشية الباحثين مِمَّا يُعرف بالتشويش الإحصائي confounding (وَرَد في 11 دراسةً من الدراسات الأربع عشرة المذكورة)، فإذا تصادف انتشار متغيرٍ جيني ما بين مجموعةٍ سكانية من ذوي أصول بعينها، وتصادف أيضًا انتشار سمةٍ ما بين أفراد تلك المجموعة، فستكون هناك علاقة ارتباط بين وجود المتغير الجيني، وامتلاك تلك السمة. ويُعَدّ مرض الربو عند الأطفال مثالًا على ذلك؛ إذ يتأثر المرض بالعوامل الجينية، والبيئية، على حدّ سواء. وقد يختلط الأمر على الباحثين، بحيث يرون في هذا الترابط دليلًا على أنَّ هذا المتغير الجيني هو المسبب للمرض. صحيحٌ أن هناك أساليب إحصائية لتفادي مثل هذا الخلط، إلا أنَّ نجاح هذه الأساليب ليس مضمونًا. وعليه، يظل التشويش الإحصائي أحد المخاوف المشروعة7، غير أنَّ الحدَّ من احتمالات التشويش الإحصائي لا يقتضي استبعاد البيانات؛ إذ يمكن تحليل البيانات المأخوذة من المجموعات المختلفة، كلٍّ على حدة. ورغم ذلك، وبالنظر إلى ضآلة حجم العينات المأخوذة من الأقليات، مقارنةً بغيرها، فإنَّها تكون أضعف من الناحية الإحصائية، ومن ثم تقل احتمالية كشْفها عن علاقاتٍ جينية جديدة.

وقد جاء هذا الافتقار إلى القوة الإحصائية في المرتبة الثانية ضمن أسباب استبعاد البيانات الأكثر تواترًا (وَرَد في ثلاث دراسات). فقد يُنظر إلى الدراسات التي تعوزُها القوة الإحصائية على أنَّها مَضيعة للوقت، لأنَّها قد لا تخرج بنتائج دالَّة من الناحية الإحصائية. ونظرًا إلى أنَّ اكتشاف ارتباطٍ جيني واحد في الدراسة قد يكفي لنشرها، فإن إضافة تحليلاتٍ خاصة بمجموعاتٍ سكانية أخرى قد تكون لها تبِعات؛ إذ يستغرق ذلك وقتًا، ويزيد من تعقيد عملية كتابة المسودة البحثية، ويضيف زاوية أخرى قد تكون محلًّا لانتقاد المراجعين، ما قد يؤدي إلى تأخير النشر.

وهناك مبررٌ آخر للاستبعاد، لم تُصرِّح به سوى دراسة واحدة، وهو السير على منوال الأساليب المتَّبَعة في الدراسات السابقة، لكنَّنا نظن أنَّ هذا أمرٌ شائع. فهناك أسبابٌ وجيهة لاتباع خُطى الدراسات السابقة المماثلة، منها أنَّ استخدام سلاسل المعالجة التحليلية القياسية يقلل كلفة تطوير غيرها، كما أنَّه يقلل الحاجة إلى إثبات فعاليتها وتوضيح عملها بالتفصيل.

وهذه الأسباب الثلاثة مجتمعة تدفع الباحثين إلى تجاهل البيانات المأخوذة من الأقليات.

فرصةٌ مهدَرة

"إذا أغفل العلماء هذه البيانات، فإنهم بذلك يُهدرون فرصةً سانحةً لبناء قاعدة معرفية مفيدة حول الأقليات".

إذا أغفل العلماء هذه البيانات، فإنهم بذلك يُهدرون فرصةً سانحةً لبناء قاعدة معرفيةٍ مفيدة حول الأقليات. فحين يُجرِي الباحثون دراسات الارتباط على مستوى الجينوم على مجموعاتٍ سكانية من أصول الأوروبية، عادةً ما يكون في إمكانهم الاستعانة بالنتائج المنشورة سابقًا في صورة إحصاءاتٍ موجزة، لتدعيم ما يتوصلون إليه من نتائج. ولمَّا كانت الإحصاءات الموجزة لا تُعرِّض خصوصية المشاركين سوى لخطرٍ محدود، فيمكن للباحثين تحميلها عادةً بالمجان، وفي غضون دقائق قليلة، لكنَّ مقارنة نتائجهم ببيانات الأقليات التي لم تُنشَر من قبل تتطلب الوصول إلى معلوماتٍ عن الأفراد أنفسهم، وهو ما يستلزم الحصول على موافقةٍ من اللجنة المعنيَّة بأخلاقيات البحث، التابعة للمؤسسة، وطلب الوصول إلى البيانات من مجموعة المشاركين، إضافةً إلى تنقيح البيانات ومعالجتها، ومن ثم البدء في إجراء دراسة الارتباط على مستوى الجينوم. وحيث إن هذه الإجراءات قد تستغرق عدة أشهر، فإذا لم يجرِ تحليل بيانات الأقليات جنبًا إلى جنبٍ مع بيانات الأغلبية، فقد لا يتسنَّى استخدامها أبدًا.

وفي المقابل، عندما تخضع بيانات الأقليات للتحليل في إطار الدراسة الأولية، تكون التكلفة الإضافية محدودة، وقد تقود تلك التحليلات إلى الخروج بمعلومات نافعة (انظر: "الشمول البحثي: لماذا؟").

أربعة معايير

تكمن أهمية تحليل بيانات الأقليات في تحقيق العدالة، فضلًا عن إفساح المجال لمزيدٍ من الاكتشافات، لكنْ كيف نُقيِّم تلك الأهمية، مع الأخذ بعين الاعتبار الأعباء المباشرة المرتبطة بصعوبة إخضاع تلك البيانات للتحليل الإحصائي، إضافةً إلى تأخير نشر الدراسات؟ يصعُب هنا وضع قواعد عامة تنطبق على جميع الدراسات، لكنْ ثمة نهج قد يكون مفيدًا في هذا الصدد.

فعلى مدار العقدين الماضيين، استعانت الحكومات والمتخصصون في مجال الأخلاقيات البحثية بإطار عملٍ يُسمَّى "المسؤولية عن تحقيق الإنصاف"، ويُشار إليه بالاختصار "A4R"، للمساعدة على توزيع الموارد التي تتَّسم بندرتها في قطاع الرعاية الصحية، مثل العلاجات الجديدة، أو باهظة التكلفة. ينطلق هذا الإطار من الإقرار بأن الأفراد في أي مجتمعٍ ديمقراطي تعددي لا ينظرون إلى الاعتبارات المختلفة على أنها تحظى بالقدر نفسه من الأهمية. ولما كان الأمر كذلك، فقد لا يتفقون أبدًا على قاعدةٍ مشتركة من المبادئ العامة. وعوضًا عن ذلك.. يركّز الإطار على عملية اتخاذ القرار نفسها، ويضع معايير تُعزِّز الإنصاف والشرعية. وباختصار، يشدِّد هذا الإطار على ضرورة أن تتَّسم دوافع القرارات بالشفافية، والملاءمة لتحقيق الأهداف البحثية، وأن يكون التقيُّد بهذه المعايير إلزاميًّا، وأن يُقيَّم على نحوٍ يتماشى مع المعطيات الجديدة.

تطرح معايير هذا الإطار إدخال تغييراتٍ طفيفة على الأعراف المرعيَّة في التحليل والنشر، من شأنها أن تُعزِّز الإنصاف والمساءلة. وفيما يلي عرضًا موجزًا للمعايير الأربعة المذكورة:

الشفافية: ينبغي أن يذكر الباحثون في منشوراتهم أسباب استبعاد بيانات المشاركين. وبشكلٍ عام.. يتعيَّن عليهم تقديم مسوِّغات اختياراتهم على مستويَي التصميم، والتحليل، التي قد يكون من شأنها أن تتسبب في استفحال ظاهرة غياب المساواة.

الجدوى البحثية: ينبغي أن توضح مسوِّغات الاستبعاد كيف أن هذا القرار يستهدف خدمة المجتمع على النحو الأمثل، بالنظر إلى القيود التي تواجه العمل البحثي على أرض الواقع. إنَّ الخوف من التشويش الإحصائي، ومحدودية القوة الإحصائية، والسير على منوال الدراسات السابقة المماثلة، إلى غير ذلك من الأسباب، قد لا تفي بهذا المعيار، إذا ما أمكن التغلُّب عليها بإحدى طرق التحليل الإحصائي (مثل استخدام التحليلات التصنيفية، أو التجميعية). وما لم تكن المسوِّغات المذكورة شديدة الإقناع، نوصي بأنْ يُجرِي الباحثون الحسابات الإحصائية اللازمة لكشف علاقات الارتباط في بيانات مجموعات الأقليات، وأن يقدموا نتائجها ضمن الدراسات الأساسية.

الإلزام: نقترح على الدوريات العلمية أن تشترط على أي مسودةٍ أولية مقدَّمة إليها تبرير أي استبعادٍ لبيانات المشاركين من تحليلاتها. وينبغي أن تستعلم نماذج التقييم من المراجعين عمَّا إذا كانت الأسباب المقدَّمة أسبابًا معتبَرة، أم لا.

ليس الهدف هنا تحويل المراجعين إلى مُحكِّمين أخلاقيين، وإنَّما عليهم -ببساطة- أن يُقيِّموا ما إذا كانت الأسباب المذكورة ملائمةً للتحليلات التي تخضع للمراجعة، أم لا. ومن شأن هذا الشرط البسيط أن يشجع على أن تكون التحليلات أكثر شمولًا، فضلًا عن أنَّه يفتح باب النقاش واسعًا حول الأسباب المشروعة لاستبعاد البيانات، ويضع إطارًا واضحًا لما هو مُتوقَّع من المؤلفين.

ومع ذلك، فمن الأهمية بمكان ألا يشترط المراجعون أن تكون نتائج تحليلات بيانات الأقلية والأغلبية متسقةً مع بعضها بعضًا. صحيحٌ أنَّه تنبغي مناقشة ما قد يكون بينها من اختلافات وتناقضات، إلا أن إجبار الباحثين على تبرير كلِّ الملاحظات سيعوق الخروج بنتائج مفيدة.

المراجعات: ينبغي أن يتغير تقييم الباحثين لمعيارَي الشفافية والجدوى البحثيتين بتغيُّر المجتمع، ومنهجية البحث المتَّبعة. فتوصيتنا بتحليل بيانات الأقليات، ما لم يَمنع ذلك مانعٌ، قد تصبح محل نقاش، إذا توفرت بياناتٌ كافية في دراسات الأتراب التي تركز على المجموعات غير الممثَّلة تمثيلًا كافيًا9. وقد يتجه المجال أيضًا إلى تبنِّي نموذج تُحلِّل فيه فرقٌ متخصصة بيانات الأقليات، لدراسة أنماطٍ ظاهرية متعددة (على سبيل المثال، انظر: https://pan.ukbb.broadinstitute.org). وسوف يؤدي ذلك إلى خفض تكاليف إجراء التحليلات اللاحقة على بيانات الأقليات، ويعزز الفوائد التي يمكن أن تُجنَى من تلك التحليلات. كما أن ذلك يمكن أن يقلل من دوافع إجراء الدراسات الفردية، ويُتيح أدواتٍ تُخفِّف مِمَّا قد يقع على كاهل الباحثين اللاحقين من أعباء التحليل، وتُقلِّص احتمالات حدوث التشويش الإحصائي.

أما التحليلات الإحصائية التي تتمتَّع بدرجة أكبر من الشمول، فلا يمكنها التغلب على التفاوت المتأصل في تمثيل المشاركين في الدراسات، فضلًا عن أنها تحلّ القضايا الأكبر، المتعلقة بالعدالة والسيادة على البيانات، لكنَّها تظل خطوةً في الاتجاه الصحيح. فمِن خلال الإقرار بوجود درجةٍ من التنازُع بين الاعتبارات الأخلاقية والعملية، يمكن للباحثين في علم الجينات، وغيره من المجالات، أن يتحمَّلوا مسؤولية رفع مستوى الكفاءة والعدالة فيما يحققون من مُنجزاتٍ علمية.

 

الشمول البحثي.. لماذا؟

بيانات الأقليات تصنع الفارق.

ضمن دراسةٍ أُجريت على مرض الربو، أجرينا دراسة تَرابُط على مستوى الجينوم، تتناول عدد الخلايا اليوزينية (وهي أحد أنواع خلايا الدم البيضاء التي يكثر عددها عادةً لدى مرضى الربو). وقد اشتملَتْ الدراسة على ثلاثة تحليلات منفصلة؛ أحدها على مجموعة الأغلبية، واثنان منها على الأقليات، التي حُدِّدت استنادًا إلى الفئات الإثنية، التي أفاد المشاركون بانتمائهم إليها في بيانات البنك الحيوي البريطاني (منهم مشاركون أفادوا بانتمائهم إلى فئات "السود"، أو "البريطانيين السود"، وآخرون أفادوا بانتمائهم إلى فئات "الآسيويين"، أو "البريطانيين الآسيويين"، أو "الصينيين").

وكشَف تحليل بيانات الأغلبية 432 موقعًا كروموسوميًّا (1,510 متغيرات جينية مستقلة)، في حين كشف كل من تحليلي بيانات الأقليات على حدة ثلاثة مواقع كروموسومية (بدلالة إحصائية على مستوى الجينوم، مقدارها P ≤ 5 × 10-8). وقد أمكن التوصُّل إلى هذه النتائج جميعها من خلال تحليل بيانات الأغلبية. وأتاح تحليل بيانات الأقليات التحقُّق من أكثر من ربع المتغيرات المرصودة في مجموعة الأغلبية (بدلالة إحصائية محددة مسبقًا مقدارها P = 0.05). وكشف أيضًا عن اتساق النتائج بشكلٍ عام فيما بين المجموعات الإثنية المختلفة، عدا متغيرٍ واحد، بلغت قيمة دلالته الإحصائية القيمة المحددة مسبقًا، لكنَّ تأثيراته في مجموعات الآسيويين والبريطانيين الآسيويين والصينيين كانت مناقضةً للتأثير الذي عبَّر عنه تحليل الأغلبية. وفي غياب أيّة أدلة إضافية، ربما ينبغي عدم الاستناد إلى هذا المتغير في التنبؤ بوجود خطرٍ جيني للإصابة بالمرض خارج أوروبا (انظر: "المعلومات الإضافية" لمزيد من التفاصيل).

استغرق العمل على هذه التحليلات عشر ساعات، أُنفِقَتْ على إجراء الحسابات، بالإضافة إلى بعض التخطيط، وهو وقتٌ لا يُذكر، مقارنةً بتكلفة الوصول إلى البيانات. فقد أصبحَتْ أدلة الارتباط لملايين المتغيرات -التي خضعَتْ للاختبار ضمن دراستنا- متاحةً ومهيَّأة للمقارنة على مستوى المجموعات السكانية المختلفة، ومن الممكن كذلك إتاحتها لإجراء التحليلات التجميعية. وتتجلَّى أهمية هذه البيانات -بوجهٍ خاص- عند دراسة الأقليات في الحالات التي قد تفتقر فيها عينات مجموعات الأتراب المنفصلة إلى القوة الإحصائية.

 

وللاطلاع على المعلومات الإضافية المصاحِبة لهذا التقرير، انظر: go.nature.com/2dwmgka

References

  1. Bustamante, C. D., De La Vega, F. M. & Burchard, E. G. Nature 475, 163–165 (2011). | article
  2. Sirugo, G., Williams, S. M. & Tishkoff, S. A. Cell 177, 26–31 (2019). | article
  3. Mulder, N. et al. Pharmacogenomics Pers. Med. 11, 59–66 (2018). | article
  4. Ollier, W., Sprosen, T. & Peakman, T. Pharmacogenomics 6, 639–646 (2005). | article
  5. Sonnega, A. et al. Int. J. Epidemiol. 43, 576–585 (2014). | article
  6. Tutton, R. Race/Ethnicity: Multidiscip. Glob. Contexts 3, 75–95 (2009). | article
  7. Peterson, R. E. et al. Cell 179, 589–603 (2019).  | article
  8. Daniels, N. & Sabin, J. E. Br. Med. J. 337, a1850 (2008). | article
  9. Wojcik, G. L. et al. Nature 570, 514–518 (2019). | article
  10. Fox, K. N. Engl. J. Med. 383, 411–413 (2020). | article
  11. Fry, A. et al. Am. J. Epidemiol. 186, 1026–1034 (2017). | article

تشيف بن إيجان، وروزي صن، وهانز ماركوس مونتر، وأليكس دياز بابكوفيتش، وأودري في. جرانت، وسيمون جرافل باحثون في علوم الجينوم

شارلز دوبراس باحث متخصص في الأخلاقيات البحثية بجامعة ماكجيل في مدينة مونتريال، الواقعة في مقاطعة كيبيك بكندا.

خوسيه سيرجيو لياب مستشار تقني متخصص في الحوسبة عالية الأداء في مجال نُظُم المعلومات الحيوية، يعمل بمركز "شاركنيت" في جامعة جويلف، الواقعة في مقاطعة أونتاريو بكندا.

 البريد الإلكتروني: simon.gravel@mcgill.ca