كتب وفنون

في مواجهة التعصب الأعمى: كيف نكسَب العلم في صف مؤازرة المساواة؟ 

في الوقت الذي تكشف فيه جائحة "كوفيد-19" عن فداحة التمييز والعنصرية وعدم المساواة، يوجِّه كتاب جديد سهام النقد إلى نهج الاختزال الجيني.

ألوندرا نيلسون

  • Published online:
عاملون في مجال الرعاية الصحية في احتجاجات نشبت في ولاية كاليفورنيا في شهر يونيو الماضي تحت شعار "معاطف بيضاء للسود".

عاملون في مجال الرعاية الصحية في احتجاجات نشبت في ولاية كاليفورنيا في شهر يونيو الماضي تحت شعار "معاطف بيضاء للسود". 

Mark Ralston/AFP/Getty

"كيف تجادل عُنصريًّا: ما تبوح به جيناتنا أو تُسِرّه عن الاختلافات بين البشر"

آدم رذرفورد

دار نشر "ذا إكسبريمنت"(2020)

هذا العام هو عام تصفية الحسابات، وتأتي على رأسها أوجه الظلم التي أُرغِمت مجتمعات على مواجهتها، والتي فضحها -على نحو صارخ- التفاوت العرقي والإثني الشاسع في عدد حالات الإصابة بمرض "كوفيد-19"، والوفيات الناجمة عنه في شتى أنحاء العالم.

وكما هو متوقع، فحتى البيانات التي تُسلِّط بعض الضوء على أوجه عدم المساواة هذه ما زالت غير كافية. وعلى سبيل المثال، في الولايات المتحدة، عمد مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) إلى حجب بيانات جُمعت على مستوى البلاد، تتعلق بالآثار غير المتكافئة لمرض "كوفيد-19" على المواطنين السود، وذوي الأصول اللاتينية، وغيرهم من الأشخاص، إلى أن تَلَقَّى المركز تهديدات بمقاضاته. وفي المملكة المتحدة، حذفت إحدى الهيئات الحكومية ما يقرب من 70 صفحة من دراسة مجتمعية وردت في تقرير أشار إلى الأسباب الهيكلية لعدم تَساوِي حجم الخسائر الناجمة عن الأمراض في أوساط المواطنين السود، وذوي الأصول الآسيوية، ومجموعات الأقليات الإثنية. 

وبِغضّ النظر عن ذلك، فإننا نعرف الكثير بالفعل عن أبعاد هذه المشكلة. فالأعباء الإضافية التي تنوء بها المجتمعات المُهمَّشة التي تعاني شح الموارد في شتى أنحاء العالم جلية للعيان. ففي الولايات المتحدة -على سبيل المثال- أوردت تقارير أن المواطنين السود في ولاية ماين الأمريكية يشكلون ما يقرب من 21% من المصابين بمرض "كوفيد-19"، على الرغم من أنهم يمثلون نسبة لا تتجاوز 1.4% من تعداد سكان الولاية. أما الأشخاص ذوو الأصول المنحدرة من منطقة جُزُر المحيط الهادئ، ومِن بينهم جماعات السكان الأصليين (من جُزُر هاواي) المقيمين في مقاطعة لوس أنجيليس بولاية كاليفورنيا، حيث يبلغ معدل إصابتهم بعدوى "كوفيد-19" ستة أضعافه بين جيرانهم من البيض. كذلك تصل معدلات الإصابة بفيروس كورونا الجديد في مجتمعات السود والبنجلاديشيين والباكستانيين في المملكة المتحدة إلى ضعف المعدلات المسجَّلة لهذه الإصابة في أوساط مجتمعات البِيض، إضافة إلى أنهم أكثر عرضة للإصابة بحالات أكثر حدة من المرض.

وتوضح هذه البيانات أنماطًا محددة بين هذه الفئات المصنفة اجتماعيًّا، لكنها لا تفسر كيف تنشأ تلك الأنماط. إذَن، كيف يمكننا تفسير الخسائر المأساوية التي لحقت بمجموعات متمايزة، مثل جماعات شعب الروما في اليونان، وقبائل السكان الأصليين المعروفة باسم "يانومامي" في البرازيل، والمهاجرين الصوماليين في النرويج؟ من الواضح أن الإرث المشترك لهذه المجموعات السكانية المتنوعة هو تجربة حية لضروب من التمييز، والعنصرية، وعدم المساواة. ومع ذلك، فحتى في الوقت الراهن، يختار بعض الأشخاص الإشارة إلى أن هذه الأوجه من عدم المساواة في النواحي الصحية مدفوعة بأسباب جينية، وهو -مع الأسف- منطق بالٍ ومألوف.  

وهذا النوع من اختزال الوضع في أسباب جينية يشجبه كتاب لآدم رذرفورد، عنوانه "كيف تُجادِل عنصريًّا"How to Argue with A Racist . وعلى الرغم من أن الكتاب لا يتناول النواحي الجينية في مجالَي الطب، أو الصحة العامة، إلا أن الجهود المبذولة فيه ذات أهمية ملحّة في اللحظة الحالية. وتجدر الإشارة إلى أن رذرفورد يعمل مذيعًا علميًّا (وكان الرئيس السابق لقسم الوسائط المتعددة في دورية Nature)، كما أنه تلقّى تدريبًا في علم الجينات. وهو يقدم لنا في هذا الكتاب تحليلًا للعلاقة المزعومة بين الحمض النووي، والعِرْق. أما عن هدفه المُعلَن في الكتاب، فهو "التسلح" بالحقائق العلمية؛ لدحض الخرافة القائلة إنّ العنصرية "تستند إلى أسس علمية".

يشن رذرفورد معركته على العنصرية في أربعة فصول، تغطي السمات الظاهرية للمجموعات السكانية المختلفة، وأصولها، وقدرتها الرياضية، وذكاءها. وفي إطار سعيه إلى هدم المغالطات العنصرية التي تزعم أنها حقائق، يعمد -بصورة متكررة- إلى عدة أفكار، هي: أن هناك مبالغة في تفسير بيانات الحمض النووي، وأن الدور الذي تلعبه البيئة لا يحظى بالاهتمام المناسب، وأن الفوارق الجينية بين البشر "مُعقَّدة إلى حد مذهل"، ولا يمكن التنبؤ بها في العادة، إلى جانب أنها تؤيد بالكاد التصنيفات الديموغرافية الاجتماعية التي يُعتد بها سياسيًّا. 

ويوضح رذرفورد -في معرض تفنيده للخرافة القائلة إنّ ثمة علاقة يمكن التنبؤ بآثارها بين المظهر الجسدي للإنسان والجينات- أن الاختلافات في لون البشرة تحدث عبر مناطق جغرافية واسعة، ليس لها علاقة تُذكَر بالأفكار الشائعة عن العِرق. ويحاجج المؤلف -في واقع الأمر- بأنّ لون البشرة -من منظور جيني- هو مجرد عنصر اختلاف سطحي، بل ويصفه في كتابه بأنه "مؤشر يعبِّر بشكل سيئ جدًّا عن إجمالي أوجه الشبه أو الاختلاف بين الأفراد والمجموعات السكانية". وفي إشارة إلى الأعمال البحثية لعالمة الوراثة سارة تِشْكوف، يُذكِّرنا المؤلف بأن التنوع الجيني في القارة الأفريقية أكثر ثراءً منه في سائر العالم، وأن ذلك التنوع يمتد إلى لون البشرة، أي أن "الحمض النووي مؤشر مبهم ومحيّر إذا استخدمناه للتنبؤ بلون البشرة"، حسب ما خلص إليه رذرفورد. 

أطفال ينتمون إلى قبائل السكان الأصليين، المعروفة باسم "يانومامي"، يرتدون أقنعة واقية في البرازيل.

أطفال ينتمون إلى قبائل السكان الأصليين، المعروفة باسم "يانومامي"، يرتدون أقنعة واقية في البرازيل.

Adriano Machado/Reuters

وبالإضافة إلى ذلك، ينتقد رذرفورد الخرافة القائلة إنّ الحمض النووي والأنساب الجينية هي سجلات موثوقة لأصول الأفراد، أو أنسابهم، أو "نقائهم العرقي"، واصفًا ذلك بأنه مجرد هراء. فعلى سبيل المثال، ينوِّه رذرفورد إلى أن أنماط الهجرة البشرية لا تتوخى التركيب الاجتماعي السياسي لدولة أو أمة ما. وينضم رذرفورد إلى علماء الاجتماع (بمَن فيهم كاتبة هذه السطور) الذين يشيرون منذ سنوات إلى أن الاختبارات الجينية المُعَدة للاستهلاك المباشر ترتبط نتائجها بتطلعات الأشخاص المعاصرين فيما يخص أنسابهم، بقدر ما تتعلق بماضي هؤلاء الأفراد. 

وكمثال، يُدرِج رذرفورد في كتابه أعمالًا بحثية لعالمَي الاجتماع آرون بانوفسكي، وجوان دونوفان، اللذَين درسا جماعات مُعلَنة لقوميين متعصبين للعِرق الأبيض، ومجموعات منادية بتفوق هذا العِرق، حرصت على إثبات أصولها الأوروبية "النقية". وبناء على نتائج الاختبارات الجينية التي حصل عليها هؤلاء الأشخاص، وما إذا كانت تؤكد آمالهم أو تنفيها، كانوا يقبلون هذه النتائج أو يغيرون تأويلها، أو يرفضونها بالكامل. وحسبما يورد رذرفورد في كتابه، "فإن تزييف العلوم على هذا النحو هو نفسه الذي يغذي أفكار الأشخاص العنصريين، وهواة علوم الأنساب". 

ويقدم رذرفورد في كتابه دراسة استقصائية لتاريخ علم تحسين النسل، بيد أنه لا يقرّ بأن الارتكاز على هذا المجال الذميم قد يمنع علم الجينات من أن يصبح -في وقت ما- الحليف الذي يأمله لمواجهة العنصرية. وتُلْقِي هذه الإشكالية بظلالها على الهجوم الذي يشنه المؤلف على خرافتين أخريين، هما: الزعم بالتفوق الرياضي للأشخاص المنحدرين من أصول أفريقية، والبراعة الفكرية المزعومة لدى المنتمين إلى أصول يهودية. 

يمكن القول إنّ عالم الرياضة يبث الحياة في أوصال نظرية الحتمية الجينية. ففي هذا المجال، يصبح وجود متغير جيني واحد، أو القليل جدًّا من المتغيرات الجينية المحددة في عِرْقٍ ما مَثارَ "هوس"، بل ويُعَد هذا المتغير، أو المتغيّرات، تعبيرًا عن أشخاص، بل مجتمعات بأكملها. وتتسم  النظريات العرقية التي تفسر القدرات الرياضية للأفراد بأنها متضاربة لدرجة سخيفة عند استخدامها لطرح تفسيرات لطائفة محيرة من المهارات الرياضية، بدءًا من السباحة إلى العدْو السريع. وعلى سبيل المثال، يذكرنا رذرفورد بأن الأمريكيين الذين هم من أصول أفريقية لا تغدو احتمالية خوضهم للمنافسات في مجال السباحة أقل، بسبب تكوين جيني يضعف من قدرتهم على الطفو على الماء، حسبما يُشاع، بل لأن حمامات السباحة كانت جزءًا من نظام "جيم كرو" للفصل العنصري في الولايات المتحدة، الذي استمر حتى ستينات القرن الماضي. (يستمر العنف ضد السود في الإبقاء على مثل هذه الأنظمة، كما يتضح من مقطع فيديو انتشر على نحو واسع في عام 2015، يُصوِّر فتاة مراهقة سوداء تتعرض لهجوم وحشي من جانب الشرطة في ماكيني بولاية تكساس، بسبب محاولتها استخدام مسبح عمومي مع أصدقائها). 

أما فيما يخص خرافة ارتباط العِرق بحاصل الذكاء، فيُشدِّد رذرفورد على أهمية  دور العوامل البيئية في تبايُن قياسات حاصل الذكاء عبر المجموعات السكانية المختلفة. وهذا الجزء هو الأضعف من الكتاب. فرغم أن رذرفورد يقوِّض خرافة ارتباط العِرْق بحاصل الذكاء، فهو يتشبث باعتقاد قائل إنها تستند إلى أساس من الأدلة المقنِعة، إذ كتب يقول في معرض إشارته إلى وجود العديد من العوامل المربكة التي تسهم في الأداء المعرفي الإدراكي: "إن حاصل الذكاء هو رقم واحد، لكن الذكاء نفسه لا ينحصر في جانب واحد"، ويمكن ملاحظة غموض هذه العوامل في أجزاء هذا الفصل. على سبيل المثال، على الرغم من أن "العامل الوراثي" –الذي يمكن أن يتأثر بعوامل تتباين ما بين التنشئة المشتركة بين أفراد العِرق والشبكات الاجتماعية المتداخلة التي ينتمي إليها هؤلاء الأفراد، والنواحي البيولوجية– قد يسهم في حاصل الذكاء، يظل الدور الذي تقوم به الجينات مُستعصيًا على الفهم. وأود أن أضيف أنه قد ثبت مرارًا وتكرارًا أن ذلك "الرقم الواحد" تدخل فيه اعتبارات ذات صلة بالطبقة الاجتماعية، والقدرة على الحصول على التعليم، وغير ذلك من أشكال عدم المساواة، كما أن هذا الرقم يتغيّر بسهولة على أساس غياب تلك العوامل، أو وجودها. 

لحظة وجودية

إن غرض رذرفورد من كتابه نبيل، وقد نجح في أغلب أجزاء الكتاب في مساعيه، إذ وَظَّف فكرة التباينات الجينومية وعدم القدرة على التنبؤ بها في مواجهة خصومه الزاعمين بوجود سمات ثابتة للأعراق، أو الذين يجزمون بهراء "النقاء العرقي". كما يستند إلى التفاعلات المُعقَّدة بين الجينات والبيئة، لدحض نظرية الحتمية البيولوجية التي تتسم بضيق الأفق وعدم الدقة. وكذلك يُسلِّط المؤلف الضوء على عوامل تبلور المزاعم الجينية من الناحية الاجتماعية والسياسية. 

"لا يتسنى للكاتب أن يعرف أبدًا نوع العالَم الذي سيصدر فيه كتابه، وما الذي سيتغير بشأن الكلمات التي خطَّها على صفحات ذلك الكتاب"، هكذا كتب الروائي والصحفي هاري كونزرو في صحيفة "ذا نيويورك ريفيو أوف بوكس" The New York Reviews of Books في يوليو الماضي، إذ إن رذرفورد ألَّف كتابه قبل الجائحة، في خضم سياسات قومية متصاعدة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بأكثر الإيديولوجيات رجعية فيما يخص مسألة الأنساب، وكان الكتاب نابعًا من شعور الكاتب بمسؤوليته في مواجهة العنصرية بالحقائق، "لا سيما إذا كان التعصب الأعمى يزعم أن العلم حليفه". 

نُشر الكتاب في لحظة من الوجود الإنساني جمعت ما بين المعاناة والموت، في خضم موجة غضب عالمية بسبب مقتل السود العُزَّل على أيدي رجال الشرطة الأمريكيين، وفي فترة لتصفية الحسابات العالقة مع الإرث العنصري للرق والاستعمار. وقد ازدهرت قوائم الأدبيات المناهضة للعنصرية في العديد من الدول. وكتاب رذرفورد  جدير بالانضمام إلى تلك القوائم. 

وكما هو الحال مع العديد من الإصدارات المماثلة، بعد الانتهاء من القراءة يبقى السؤال التالي: في اللحظة الراهنة، هل من الممكن أن تكون مناقشة الحقائق كافيًة، حتى باستخدام السرد المقنع الجذاب، والأسلوب الواضح المفصل، اللذين يميزان كتاب رذرفورد؟ فحسبما يقر رذرفورد نفسه، "خوض نقاش مع أشخاص عنصريين من ذوي العقليات المؤمنة بنظريات المؤامرة فيما يخص العلوم غير مثمر إلى درجة كبيرة، كما أنه مُضنٍ". 

هذه لحظة أفعال، لا أقوال. والإطاحة بصرح العنصرية الممنهجة التي تتسبب في وفيات "مفرطة" في سياق "كوفيد-19"، وفي سياق الحياة بشكل عام، سوف تستلزم اتخاذ إجراءات اجتماعية وسياسية واقتصادية عاجلة، تبدأ بقاعات المحاكم، مرورًا بالعيادات الإكلينيكية، وقاعات المحاضرات، وانتهاءً بصناديق الاقتراع.

ألوندرا نيلسون أستاذ كرسي هارولد إف. ليندر في كلية العلوم الاجتماعية بمعهد الدراسات المتقدمة في جامعة برينستون في ولاية نيو جيرسي. ومن مؤلفاتها: كتابا "الحياة الاجتماعية للحمض النووي" The Social Life of DNA، و"علم الوراثة، والماضي المضطرب" Genetics and the Unsettled Past