تحقيق إخباري

الحصيلة الفعليّة لوفيات جائحة كورونا

إحصائيات الوفيات ضرورية لفهم الجائحة، لكنْ يعتريها القصور من نواحٍ عدّة.

جوليانا فيليوني

  • Published online:
عامل يحفر قبرًا في مقبرة تقع بالقرب من مدينة مكسيكو سيتي، في ظل استمرار انتشار فيروس كورونا.

عامل يحفر قبرًا في مقبرة تقع بالقرب من مدينة مكسيكو سيتي، في ظل استمرار انتشار فيروس كورونا.

Edgard Garrido/Reuters

في أوائل شهر مارس الماضي، شَعَر أندرو نُويْمر بتلك الوخزة التي يشعُر بها عادةً حينما تساورُهُ الشكوك. كان نويمر يراقب استجابة البلدان الواقعة في أوروبا وأمريكا الشمالية لجائحة "كوفيد-19" COVID-19، في الوقت الذي بدأَتْ فيه تلك البلدان تسجيل أولى حالات الوفاة الناجمة عن المرض، ولم يكُن يخفى عليه أنَّ البيانات المُعلنة قد تنطوي على مشكلات، فحتى في فصول الشتاء العادية، تُصَنَّف بعض وفيَّات الإنفلونزا –خطأً- باعتبارها وفاة ناتجة عن الإصابة بالالتهاب الرئوي. فإذا كان هذا حال أحد الأمراض المعروفة جيدًا، مثل الإنفلونزا، فمن المؤكَّد أن هناك حالات وفاة ناتجة عن "كوفيد-19" لا يجري تسجيلها. هكذا فكَّر نويمر، عالِم الديموجرافيا بجامعة كاليفورنيا في إيرفين، الذي أضاف قائلًا: "أتذكر أنني قلتُ لنفسي حينئذٍ: سيكون من الصعوبة بمكان شرح هذه الفكرة لعامة الناس".

وفي شهري مارس وإبريل الماضيين، عندما بدأت مكاتب الإحصاء الوطنية في إصدار إحصائيات بأعداد الوفيات، تأكَّدَتْ شكوك نويمر، فقد كانت الجائحة تفتك بعددٍ من الأشخاص أكبر بكثير مما تشير إليه إحصائيات "كوفيد-19" وحدها.

في أوقات الاضطرابات –مثل أوقات الحروب، والكوارث الطبيعية، وتفشِّي الأوبئة– يحتاج الباحثون إلى حصر أعداد الوفيات على وجه السرعة، وعادة ما يلجأون إلى مقياس غير حاسم، وإنْ كان يمكن الاعتماد عليه، ألا وهو مقياس الوفيات الزائدة (excess deaths). ويمكن تعريف هذا المقياس على أنه مقارنة بين الوفيات المتوقعة، والفعلية، وينظر إليه كثير من العلماء باعتباره الوسيلة الأكثر فاعلية لقياس تأثير الجائحة. ويمكن لهذ المقياس أن يساعد علماء الأوبئة على عقد مقارنات بين البلدان. ونظرًا إلى إمكانية حسابه بسرعة، فيمكن الاعتماد عليه في تحديد بؤر تفشِّي المرض، التي ربما يتعذَّر اكتشافها بالوسائل الأخرى. ووفقًا للبيانات الواردة من أكثر من ثلاثين دولة حول العالم، تتوفر بشأنها تقديرات للوفيات الزائدة، فقد زاد عدد الوفيات عما كان متوقعًا لدى تلك الدول –في الظروف الطبيعية- بما يقرب من 600 ألف حالة خلال الفترة الممتدة ما بين بدء ظهور الجائحة، ونهاية شهر يوليو (منها 413,041 حالة وفاة مسجَّلة رسميًّا على أنها وفيات "كوفيد-19").

كبر الصورة

Sources: The Economist/The Financial Times/Our World in Data/Eurostat/Human Mortality Database

لكنّ هذا المقياس الإحصائي العام لا يخلو من مثالب؛ فهو لا يُفرِّق –مثلًا- بين الوفيَّات الناتجة عن الإصابة المباشِرة بالمرض، وحالات الوفاة الأخرى التي تقع بفعل عوامل أخرى مرتبطة بالجائحة، مثل اضطراب أنظمة الرعاية الصحية الاعتيادية، الأمر الذي قد يؤدي إلى تأخير العلاجات، أو يشير إلى عدم إقبال الأشخاص على طلب الرعاية الطبية. أضِف إلى ذلك أنَّ المقياس يَعتمِد على الإبلاغ الدقيق عن الوفيات في الوقت الملائم، وهو أمر يمكن أن تعتريه أوجه القصور، بالنظر إلى أن نُظم تسجيل الوفيات غير متطورة بما يكفي، بل وربما تُحجَب هذه الحالات عن قصد. وكما هو الحال فيما يخص العديد من جوانب الجائحة الأخرى، فقد أصبحت الإحصائيات مُسَيَّسة؛ بعدما صارت وسيلةً تُوَظِّفها الدول من أجل ادِّعاء التفوق في مكافحة الجائحة.

وممَّا يُقْلِق الخبراء أن التقارير المُبسَّطة عن الوفيات الزائدة قد أدت إلى عقد مقارنات خاطئة، أو متعجِّلة، بين استجابات البلدان المختلفة للجائحة، فضلًا عن أنها أغفلَتْ -إلى حدٍّ بعيد- الوضع في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، نظرًا إلى نقص المعلومات.

وثمَّة طُرُق أكثر تعقيدًا لتصنيف الوفيات على النحو الذي يتيح التعرُّف على عدد الوفيات الناتجة عن الإصابة المباشرة بفيروس "سارس-كوف-2" SARS-CoV-2، مقارنةً بعدد الوفيات التي تسبَّبت فيها عوامل أخرى مرتبطة بالجائحة. فسوف يتسنَّى لعلماء الديموجرافيا، والباحثين المتخصصين في الصحة العامة -في نهاية المطاف- الحصول على معلومات دقيقة وكافية لإجراء ذلك التصنيف، استنادًا إلى شهادات الوفاة. وحينئذٍ، سوف يتمكنون من الحُكم على الإجراءات المتخَذة لصدّ الجائحة، لمعرفة أيها كان أكثر فاعلية من غيره، لكي يمثل ذلك أساسًا تستند إليه الاستجابات المستقبلية للأوبئة.

وفي الوقت الراهن، هناك العديد من وسائل الإعلام التي تعكف على معالجة البيانات، لاستخلاص تلك النتائج. ويرى بعض الإحصائيين أنه مع انحسار الموجة الأولى من الجائحة في أماكن كثيرة، سيكون في إمكاننا –بل ومن الواجب علينا– عقد مقارنات بين السياسات التي انتهجَتْها الحكومات لمحاربة الجائحة، بهدف اكتشاف كيفية تأثيرها المُحتمَل على نسبة الوفيات. وفي المقابل، نجد أنَّ الكثيرين من الخبراء يقولون إننا لا نزال في مرحلة مبكرة من عمر الجائحة، بحيث لم يحِنْ الوقتُ بعدُ لإجراء تلك المقارنات بصورة مُحكمة. ومن الوارد أن تتعرض تلك العملية لبعض الخلل، بالنظر إلى أنَّ بعض الفاشيات المبكرة تنفجرُ فجأةً، وبصورةٍ عشوائية، فيما يزحف بعضها الآخر بطيئًا ومستترًا؛ وهو ما يزيد عملية التحليل تعقيدًا، حتى تأخذ الجائحة مجراها إلى النهاية، حسبما تقول جينيفر دود، عالمة الديموجرافيا والأوبئة في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة، مضيفة: "أمامنا طريق طويل حقًّا".

أداة غير حاسمة

عندما بدأت أعداد الوفيات تتزايد تدريجيًّا في البلدان الأوروبية، كان لاسي فيسترجارد من أوائل مَنْ رصدوا ذلك. يقود فيسترجارد –وهو عالِم أوبئة بمعهد ستاتينز سيروم في كوبنهاجن– "المشروع الأوروبي لرصد حالات الوفيات"، (الذي يُشار إليه اختصارًا بمشروع "يورومومو" EuroMOMO)، والذي يجمع بيانات أسبوعية عن أعداد الوفيات، على اختلاف أسباب الوفاة، من 24 دولة أو منطقة أوروبية. وخلال الفترة الممتدة بين شهري مارس وإبريل الماضيين، أظهرت أداة التتبع الخاصة بالمشروع زيادة تُقدَّر بعشرات الآلاف من الوفيات عما كان متوقعًا، وهو ما يفوق الإحصاءات الرسمية لأعداد وفيات بمرض "كوفيد-19" بنسبة تقترب من 25%. ويوضح أن السبب في إفلات الإصابات من أنظمة الرصد كان يكمُن في نقص الاختبارات، إضافةً إلى أن البلدان كانت تتبع طُرُقًا مختلفة في حصر أعداد الوفيات (من بينها طرقٌ تستبعد الوفيات التي تقع في دور رعاية المسنين، على سبيل المثال). وكان التوصُّل إلى تصوُّر حقيقي عن أداء الدول أمرًا أقرب إلى المستحيل.

ومن هُنا، تَحوَّل الباحثون والصحفيون والساسة إلى حساب الوفيات الزائدة. ولتفادي الارتباك الذي قد يترتَّب على تتبُّع سبب الوفاة في كل حالةٍ على حِدة، يقارن المقياس المستخدَم بين العدد الإجمالي للوفيات في أسبوع أو شهر بعينه، وعدد الوفيات التي يتوقع الإحصائيون وقوعها في حالة عدم وجود الجائحة، وعادةً ما يكون متوسط عدد الوفيات ​​على مدار السنوات الخمس الماضية. وأما الإصدارات الأكثر تعقيدًا من المقياس، فتتضمَّن نماذج عن أوضاع فئة كبار السن، أو كيفية تغيُّر التركيبة السكانية لبلدٍ ما، نتيجة لحركات الهجرة منه وإليه، وذلك على الرغم من أن هذه النماذج المُضافة قد تزيد من صعوبة عقد المقارنات بين البلدان. وهناك تقارير تحليلية خاصة بنِسَب الوفيات الزائدة، على غرار التقرير الذي أصدره مكتب الإحصاء الوطني البريطاني في الثلاثين من يوليو الماضي، تضع معايير مُوحَّدة لنِسب الوفيات، بهدف التحكم في اختلافات الهيكل العمري للسكان بين البلدان المختلفة (انظر: go.nature.com/3hxa14m). وبالنظر إلى أنه يمكن للمسؤولين تسجيل حدوث الوفاة بسرعة نسبيًّا إذا لم يقوموا بتسجيل سبب الوفاة في الوقت ذاته، فيمكن إعداد هذه الإحصاءات بشكل أسرع بكثير من تجميع البيانات الخاصة بأسباب الوفاة.

وقد تمكَّنت دورية Nature من جمْع بيانات من عدة قواعد بيانات يحتفظ بها اختصاصيون في مجال الديموجرافيا، وكذلك من أدوات تتبُّع تديرها صحيفتا "ذا فاينانشيال تايمز" The Financial Times، و"ذي إيكونوميست" The Economist، وهما من أوسع مجموعات البيانات وأكثرها شمولًا فيما يتعلق بالوفيات الزائدة. وعلى الرغم من أن هذه البيانات لا تغطي العالم أجمع، إذ تتضمن 32 دولة (غالبيتها في أوروبا)، وأربع مدن عالمية كبرى، إلا أنها تشمل العديد من الدول التي ظهر بها تفشٍّ كبير، والتي تضم حوالي ثلثي الحصيلة الرسمية لعدد الوفيات الناتجة عن الإصابة بمرض "كوفيد-19" حتى نهاية شهر يوليو الماضي.

ويُظهِر التحليل الذي أجْرَتْه Nature أن هناك تفاوتًا كبيرًا في الوفيات الزائدة من بلدٍ إلى آخر. ففي الولايات المتحدة وإسبانيا –وهما من أشد البلدان تضررًا حتى الآن– لم تنعكس نسبة الوفيات الزائدة (التي تُقدَّر بحوالي 25% في الولايات المتحدة، و35% في إسبانيا) على الإحصائيات الرسمية لوفيات "كوفيد-19" في البلدين. ولكنَّ بُلدانًا أخرى تشهد حالة من التضارُب في الإحصاءات أوضح بكثير، كما هو الحال في بيرو، حيث تصل نسبة الوفيات الزائدة التي لا تنعكس في التقارير الرسمية عن وفيات "كوفيد-19" إلى 74%، بل إن هناك بُلدانًا، مثل بلغاريا، سجَّلَتْ قيمةً سالبة لنسبة الوفيات الزائدة فيها أثناء الجائحة؛ ما يعني أنه على الرغم من وجود الفيروس، جاء عدد الوفيات خلال هذا العام دون المتوقَّع.

كبر الصورة

Sources: The Economist/The Financial Times/Our World in Data

التنقيب في البيانات

يتفق معظم علماء الديموجرافيا على أنَّ هذه الأداة غير الحاسمة، المستخدَمة في قياس نسبة الوفيات الزائدة، هي أفضل الأدوات الإحصائية التي يمكن الاستعانة بها إبَّان الجائحة. وبمرور الوقت، سوف تُتاح للعلماء مزيَّة التفكير بأثر رجعي، ورؤية الصورة مكتملة، كما سوف تُتاح لهم بيانات أكثر دقة، من شأنها تحسين فهمهم لحصيلة الوفيات الناجمة عن الجائحة. وفي نهاية المطاف، سوف يتمكَّنون من تحليل الوفيات، وتصنيفها إلى ثلاث فئات: الوفيات المباشرة، التي سُجِّل فيها مرض "كوفيد-19" سببًا مباشرًا للوفاة؛ والوفيات المباشرة غير المُحتَسَبة، وهي الوفيات التي تَسبَّب فيها الفيروس، إلا أنَّها لم تُسجَّل بشكل رسمي؛ والوفيات غير المباشرة، التي وقعَتْ نتيجةً لتغيُّرات أخرى حدثَتْ بفعل الجائحة.

تظهر أعداد الوفيات المباشرة في إحصاءات تتبُّع الجائحة، التي تتضمَّن أعداد الإصابات والوفيات، وعادةً ما تخضع للتحديث اليوميِّ من قِبل الجهات الصحية المحلية والوطنية، ولكن حتى ذلك الحصر ليس بالدقة التي قد يبدو عليها، على حد قول مايمونا ماجومدر، المتخصصة في علم الأوبئة الحسابي بكلية طب هارفارد في بوسطن بولاية ماساتشوستس.

قد يكون من الصعب التفريق بين الوفيَّات الناجمة عن "كوفيد-19"، وبين الأشخاص الذين أصيبوا بالعدوى ثم توفَّوا، إلا أنَّ وفاتهم راجعة إلى أسباب غير متصلة بالمرض. وفي هذا الصدد، تقول ماجومدر: "سوف يكون ذلك جانبًا بالغ الأهمية من هذه العملية، فإذا توفِّي شخص مصاب بمرض "كوفيد-19"، بالتزامن مع مرض آخر، فكيف تُصنَّف الوفاة في هذه الحالة؟" وتضيف ماجومدر أنّ تحليل تلك الوفيات سوف يتطلب نظام تصنيف للوفيات يأخذ في الحُسبان الأمراض السابقة على الإصابة بمرض "كوفيد-19"، التي تزيد من احتمالية الوفاة بسببه. إنَّ نظامًا كهذا يستلزم انتظار البيانات الخاصة بأسباب الوفاة، التي يستغرق جمعها بالكامل ما يقارب العام.

ويعكف الباحثون حاليًّا على مراجعة بيانات الأشهر الستة الأولى من الجائحة، ويضيفون إليها حالات الوفاة التي أُدرِجَتْ في تصنيفات غير دقيقة وقت حدوثها. وقد رأينا في العديد من الفاشيَّات الكبرى، ومنها نَوبَتا التفشِّي اللتان ضربتا ووهان الصينية ونيويورك، كيف رُوجعت حصيلة الوفيات التي شهدتها هذه المدن في شهر إبريل، من أجل احتساب الوفيات التي يُشتبَه في أنَّها قد صُنِّفت على نحوٍ خاطئ.

بعد ذلك، تأتي مشكلة الوفيات المباشرة غير المُحتسَبة، ويُقصد بها تلك الحالات التي لم تُصنَّف على أنها وفيات "كوفيد-19"، نظرًا إلى أنَّ الأعراض التي تظهر على المريض غير مُعترَف بها كأعراض للمرض. وتقول ناتالي دين، وهي اختصاصية الإحصاء البيولوجي بجامعة فلوريدا في جينزفيل: "ما زلنا نحاول التعرُّف بشكلٍ دقيق على أعراض المرض". فالسكتات الدماغية والانسدادات الرئوية تندرج ضمن مضاعفات الفيروس التي قد تُودي بحياة المريض، والتي ربما لم يُنتبه إليها في بادئ الأمر.

أما الوفيات غير مباشرة، التي تقع نتيجة للظروف التي خلقها تأثير الجائحة، لا الفيروس نفسه، فلا تشغَل من الوفيات الزائدة سوى نسبةٍ محدودة (انظر: وفيات ناجمة عن أسباب أخرى). فقد أفاد بعض المستشفيات بتغيُّب بعض المصابين بالسرطان، وغيره من الأمراض المزمنة، عن مواعيد فحوصهم الدورية؛ ما قد يُعَرِّض صحتهم للخطر. كذلك فقد تزايدت بلاغات العنف المنزلي في بعض المناطق. ويُعرِب الباحثون المعنيُّون بدراسة الصحة النفسية عن قلقهم إزاء ارتفاع حصيلة الخسائر في صفوف العاملين في الصفوف الأمامية ضد الجائحة، وأولئك الذين يعيشون في ظل إجراءات الإغلاق، على الرغم من أنه لم يتضح بعد ما إذا كانت هذه العوامل قد أسهمت في ارتفاع أعداد الضحايا، أم لم تسهم.

وإضافة إلى ذلك.. سجَّلت الولايات المتحدة انخفاضًا في أعداد الزيارات إلى أقسام الطوارئ بمستشفياتها بنسبةٍ بلغَتْ أكثر من 40% خلال الأيام الأولى للجائحة، وفقًا لتقرير صادر عن مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)؛ ما يعكس إحجام الكثير من الأشخاص عن التردُّد على المستشفيات (K. P. Hartnett et al. Morb. Mortal. Wkly Rep. 69, 699–704; 2020). وترى ماجومدر أنه حتى لو أقبل هؤلاء الأشخاص على طلب رعاية طبية، فلن يُجاب طلبهم، في ظل ما تُعانيه المستشفيات من استنزافٍ شديد. وتقول: "قد تحدث الوفاة لسببٍ طبِّي آخر، خلاف الإصابة بمرض «كوفيد-19»، غير أن هذا السبب في حدِّ ذاته راجعٌ إلى سببٍ آخر؛ هو أن أنظمة تقديم الرعاية الطبية لم تَعُد قادرةً على أداء وظيفتها كما ينبغي". وتتيح البيانات الأولية، وغير المكتملة، الصادرة عن مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، لمحةً عن هذه الوفيات غير المباشرة؛ ففي شهر إبريل الماضي، ارتفع عدد وفيات مرض السُّكَّري المُسجَّلة في الولايات المتحدة بنسبة تراوحت بين 20%، و45% عن متوسط النسبة ​​خلال السنوات الخمس الماضية. كذلك ارتفعت أعداد الوفيات الناجمة عن مرض نقص تروية القلب عن المعتاد بنسبة تراوحت بين 6%، و29%.

أما الجانب المُشرق في هذا الصدد، فيتمثل في أن تدابير الإغلاق، والتغيُّرات في سلوكيات الأشخاص، مثل ارتداء الكمامات وغسل اليدين، ربما تكون قد حالت دون وقوع وفيات لأسباب أخرى، لا سيما الوفيَّات التي تتسبَّب فيها أمراض مُعدية أخرى، مثل الإنفلونزا. ومع بقاء أعداد كبيرة من البشر في منازلهم في جميع أنحاء العالم، من المرجَّح أن تتراجع أعداد الوفيات الناجمة عن حوادث المرور، وبعض حوادث العنف. وقد يترتب على هذا التراجع بعض جوانب الزيادة في الوفيات الناجمة عن "كوفيد-19".

والحقُّ أنَّ بعضًا من هذه التأثيرات قد بدأ ينعكس على البيانات بالفعل، فحسب نظام الترصُّد العالمي للإنفلونزا "فلونت" FluNet، تبيَّن أن موسم الإنفلونزا هذا العام قد اقتُطعَتْ منه مدة تزيد على الشهر، وربما يكون ذلك راجعًا إلى عمليات الإغلاق الصارمة، وزيادة الاهتمام باتباع ممارسات النظافة الشخصية. وكذلك فإن نظام تتبُّع الوفيات في جنوب أفريقيا، الذي بدأ تطبيقه خلال ذروة تفشِّي وباء الإيدز في البلاد، يتيح لعلماء الأوبئة حاليًّا إمكانية التمييز بين الوفيات التي تحدث نتيجة لأسباب طبيعية، مثل المرض، وأسباب أخرى غير طبيعية، مثل حوادث العنف. وقد أوضح فريق بحثي، يقودُهُ ديبي برادشو في مجلس البحوث الطبية بجنوب أفريقيا في كيب تاون، أنه بحلول نهاية شهر مارس، وفي ظل تطبيق إجراءات الإغلاق الصارمة، انخفضت أعداد الوفيات غير الطبيعية إلى نصف نسبتها المعتادة. وعندما بدأ التخفيف من إجراءات الإغلاق في أواخر شهر مايو، عادت تلك الأعداد إلى ما يقترب من نسبتها المتوقعة.

ويرى نويمر أنَّ علماء الديموجرافيا قد لا يتوصَّلون مُطلقًا إلى معرفة الحصيلة النهائية للوفيات الناجمة عن الجائحة على وجه اليقين، ويقول: "الأمر ليس كما نفعل حينما نخدش بطاقة يانصيب، لنرى الأرقام الحقيقيّة المخبَّأة تحت الطبقة الرمادية". فعندما تنحسر الجائحة، ونشرع في التمييز بين أنواع الوفيَّات الثلاثة، وكذلك تحديد عدد الوفيات التي كان من الممكن وقوعها في غياب الفيروس، سنجدُ أنَّ هذه العملية سوف تستغرق شهورًا، أو ربما سنوات. ويضيف نويمر قائلًا: "إننا حتى لم نستقر بعد على عدد الوفيَّات التي وقعَتْ من جرَّاء انتشار جائحة الإنفلونزا التي حلَّت بالعالم في عام 1918، بعد مُضيِّ مئة عام من محاولات التوصُّل إلى الأرقام الحقيقيّة".

تقديراتُ الوفيَّات

تُسهم إحصاءات الوفيات الزائدة، في الوقت الراهن، في رسم مسار انتشار المرض في مناطق مختلفة. أما في المستقبل، ومع توافر بيانات كاملة عن أسباب الوفاة، فسوف يتمكن الباحثون من تحليل آثار عمليات الإغلاق، وغيرها من الإجراءات المتَّخذة للحدِّ من انتشار الجائحة، من خلال البحث في نِسَب الوفيات المباشرة وغير المباشرة، وتفاوُتها من بلد إلى آخر، ولكنّ البدء في تنفيذ ذلك الآن يُعَد أمرًا محفوفًا بالمخاطر، حسبما يرى نويمر، حيث إنّ نيران الجائحة لا تزال مُستعرة، ولا سبيل إلى التوثُّق من حصيلتها النهائية الآن، مضيفًا: "حقيقة الأمر أننا لا نملك تصورًا كافيًا في الوقت الراهن؛ لأن الجائحة ما زالت في خضم موجة صاعدة. والأمر يشبه محاولة التنبؤ بإجمالي كميات الأمطار المتساقطة في وسط إعصار".

وحتى بعد أن تُلملم الجائحة أذيالها، لن يتسنَّى إجراء التحليلات إلا في البلدان ذات الدخل المرتفع، التي تمتلك أنظمة مُحكَمة لتسجيل المواليد والوفيات، تُعرف بأنظمة التسجيل المدني والإحصاءات الحيوية (CRVS). وتقول إيرينا دينكو، أخصائية البرامج في التسجيل المدني والإحصاءات الحيوية بمركز بحوث التنمية الدولية في أوتاوا، إن حصر الوفيات في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط لا يتمتَّع بدرجتَي الوضوح والمصداقيَّة نفسيهما اللتين تتمتَّع بهما إحصاءات الدول المتقدمة. وتضيف دينكو: "في مناطق شتَّى من العالم، يجري تسجيل حوالي 50% من عدد الوفيات التي تحدث في سنة من السنوات. أمَّا نسبة الـ50% المتبقية، فتُغفَل تمامًا، ولا يبقى لهذه الوفيَّات في السجلَّات من أثر".

وتقول جلوريا ماثينج -وهي مستشارة التسجيل المدني والإحصاءات الحيوية- إن بوسعها التفكير في كثير من الأسباب التي تدفع إلى إخفاء تلك الوفيات. وتُسهم ماثينج -من خلال الدور الذي تضطلع به في منظمة "باسيفيك كوميونيتي" Pacific Community، وهي منظمة إنمائية دولية في نوميا بكاليدونيا الجديدة- في تعزيز نظم البيانات في بلدان جُزُر المحيط الهادئ، مثل كيريباتي، وتونجا. وعلى الرغم من أن الوضع آخِذ في التحسن، فإن حوالي 20% من أعداد الوفيات في المنطقة – في المتوسِّط- لا يتم تسجيلها.

زِد على ذلك.. أن الأنظمة المُتَّبعة حاليًّا في العديد من البلدان تمتدُّ جذورها إلى ماضيها الاستعماري. ونتيجة لذلك، كما تقول ماثينج، فإن تلك الأنظمة لا تعكس الأعراف الثقافية والاجتماعية المعاصرة، ومنها -على سبيل المثال- أن أشخاصًا كثيرين في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط لا يموتون في المستشفيات. وهكذا، فبالإضافة إلى إغفال تسجيل وفيَّات "كوفيد-19"، لا توجد طريقة موثوقة لوضع خط أساس يمكن الاستناد إليه في حساب الوفيات الزائدة.

ولأجل تقدير حصيلة الوفيات في تلك البلدان، سوف يلجأ علماء الديموجرافيا إلى الاعتماد على طرق أقل دقة، مثل استطلاعات الرأي الميدانية، على حد قول ستيفان هيلرينجر، عالِم الديموجرافيا بجامعة نيويورك في أبو ظبي، الذي يستدرك قائلًا إن تلك الاستطلاعات لا تُجرَى على نحوٍ منتظم، مُضيفًا: "عندما ننتهي من إجراء تلك الاستطلاعات، سوف تكون نتائجها قد عفا عليها الزمن بالفعل".

ومن وجهة نظر بعض علماء الديموجرافيا، لا يهمّ بالضرورة ما إذا كان المرء قد تُوفِّي بسبب المرض نفسه، أو لأن نظام الرعاية الصحية قد استُنزفت طاقته. فمِن الممكن أن تُعزى هذه الوفيات جميعها، بطريقة ما، إلى الجائحة. ويقول نويمر: "في مرحلة ما، سيتعيَّن علينا أن نقول: «أجل! هذه الحالة مرتبطة بالجائحة بشكل أو بآخر، لأنها هي التي تسبَّبَتْ في تعطيل نظام الرعاية الصحية». أما أنا، فأرى أن التجربة الفكرية تتلخص في السؤال التالي: كيف كان يمكن أن يبدو عام 2020، لو لم تقع تلك الجائحة على الإطلاق؟"

وعلى الجانب الآخر، نجدُ مِن الباحثين مَن يحرص على التمييز بين الوفيات الناجمة عن الفيروس، وتلك التي تُسببها الظروف المحيطة، بما يتيح لهم تكوين صورة دقيقة عن مدى قدرة الفيروس الفعلية على الفتك بالمصابين.

إنّ الوقت قد لا يُسعفنا لإجراء مِثل هذه التحليلات في الفترة الراهنة. فمن بين النتائج التي تمخَّضت عنها الجائحة، تعاظُم الضغوط الواقعة على كاهل نُظُم تسجيل الوفيات، إضافةً إلى تأثيرها على الرقابة التي تخضع لها تلك النظم. ومما يثير حفيظة بعض علماء الديموجرافيا، أنَّ الساسة ووسائل الإعلام وعموم الناس يطالبون بإحصائيات يومية أو أسبوعية، عادةً ما يستغرق جمْعُها شهورًا. يقول نويمر: "نستطيع فهم الوفيات على نحوٍ أفضل عندما ننظر فيها بأثرٍ رجعيّ"، وذلك بسبب الوقت والجهد اللازمَين لتجميع شهادات الوفاة وتحليلها. ويقول: "فجأة، أصبح الجميع يريدون معرفة كل شيء بشكلٍ آنيّ".

 

جوليانا فيليوني مراسلة دورية Nature في واشنطن العاصمة.