أخبار

فيروس كورونا أشدّ فَتْكًا بالرجال كبار السن

حَدَّد عدد كبير من الدراسات المُفصَّلةمدى تزايُد خطر الوفاة نتيجة الإصابة بالفيروس في مجموعات مختلفة من البشر.

سميرتي مالابتي
  • Published online:
يزداد خطر الوفاة من جرّاء الإصابة بـ"كوفيد-19" على نحو ملحوظ مع تقدم العمر.

يزداد خطر الوفاة من جرّاء الإصابة بـ"كوفيد-19" على نحو ملحوظ مع تقدم العمر.

Credit: Jose Coelho/EPA-EFE/Shutterstock

من بين كل ألف شخص دون سن الخمسين ممن أصيبوا بفيروس كورونا الجديد، من غير المتوقع أن يلقى تقريبًا أيّ منهم حتفه من جرّاء إصابته هذه. أما فيما يتعلق بالأشخاص الذين هم في الخمسينات وأوائل الستينات من أعمارهم، فإن نسبة الوفيات تصبح حوالي خمسة أشخاص من بين كل ألف شخص منهم، وتربو هذه النسبة بين الرجال عنها بين النساء. ويرتفع الخطر ارتفاعًا حادًّا مع التقدم في العمر، فمِن بين كل ألف مصاب بالفيروس ممن هم في منتصف السبعينات من العمر، أو أكبر عمرًا، يتوفى حوالي 116 شخصًا. إنّ هذه الإحصاءات الصادمة هي التي أمكن الحصول عليها من بعض الدراسات المُفصلة الأولى حول خطر الوفاة من جرّاء الإصابة بـ"كوفيد-19" COVID-19.

كان منحنى الوفيات الناجمة عن فيروس كورونا الجديد حسب الفئة العمرية واضحًا منذ بداية الجائحة. يقول مارم كيلباتريك -الباحث في مجال الأمراض المُعدية من جامعة كاليفورنيا في مدينة سانتا كروز الأمريكية- إن فِرَق البحث التي تدرس وجود أجسام مضادة لفيروس "سارس-كوف-2" SARS-CoV-2 لدى عموم السكان في كل من إسبانيا، وإنجلترا، وإيطاليا، وجينيف في سويسرا قد استطاعت تقدير حجم هذا الخطر في الوقت الحالي.

ويضيف كيلباتريك: "يمنحنا هذا أداة قياس أشد وضوحًا بكثير عندما نتصدى لماهية التأثير المحتمل لفيروس كورونا الجديد على مجموعة سكانية بعينها تملك سمات محددة".

وقد كشفت الدراسات أن العمر هو أقوى مؤشر -إلى حد بعيد- على احتمالية وفاة الشخص المصاب، فيما يُعرف بالنسبة التي تُمِيتُها العدوى (IFR)، وهي مقياس يعبِّر عن نسبة الأشخاص المصابين بالفيروس، المتوقع أن يُتوفوا من جرائه، وأولئك الذين لم يخضعوا لاختبارات، أو لم تظهر عليهم أعراض المرض.

وفي ذلك الصدد.. يقول أندرو ليفين، عالِم الاقتصاد من كلية دارتموث في هانوفر، في ولاية نيو هامبشاير الأمريكية: " لا يمثل مرض "كوفيد-19" خطرًا على كبار السن فحسب، فهو خطير للغاية كذلك على الأشخاص الذين هم في منتصف الخمسينات من العمر، ومَن هم في الستينات أو السبعينات من العمر". وقد قَدَّر ليفين أن احتمالية الوفاة من جرّاء الإصابة بـ"كوفيد-19" بين مَن يبلغون من العمر 60 عامًا أكبر بما يزيد على 50 مرة من احتمالية وفاتهم من جرّاء حادث سيارة.

إنّ "العمر لا يمكن أن يفسر كل شيء"، على حد قول هنريك ساليه، وهو متخصص من جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة في الأوبئة الناجمة عن الأمراض المعدية، إذ يمثل جنس الشخص أيضًا أحد عوامل الخطورة القوية في هذا الصدد؛ فاحتمالية وفاة الرجال بسبب الإصابة بفيروس كورونا أكبر منها بين النساء بمقدار الضعف تقريبًا. وتشير الاختلافات بين البلدان في تقديرات الوفيات بين الفئات العمرية الأكبر سنًا إلى أن خطر الوفاة بسبب فيروس كورونا يرتبط أيضًا بالظروف الصحية الكامنة، وبقدرة استيعاب أنظمة الرعاية الصحية، وبما إذا كان الفيروس قد انتشر بين الأشخاص الذين يعيشون في مَرافق رعاية المسنين، أم لا.

ولتقدير خطر الوفاة حسب الفئة العمرية، استخدم الباحثون بيانات من دراسات انتشار الأجسام المضادة. وعلى سبيل المثال.. في شهري يونيو ويوليو الماضيين، تلقَّى آلاف الأشخاص من جميع أنحاء إنجلترا عبر البريد اختبارًا للكشف عن الأجسام المضادة بوًخْز الإِبَر. ومن بين 109 آلاف شخص من المراهقين والبالغين ممن خضعوا للاختبار واختيروا عشوائيًّا، كانت لدى نسبة تقترب من 6% أجسام مضادة لفيروس "سارس-كوف-2". وقد استُخدمت هذه النتيجة لحساب إجمالي النسبة التي تُمِيتُها العدوى، الخاص بإنجلترا، الذي بلغ 0.9%، أو تسع حالات وفاة من بين كل ألف حالة. وقد اقتربت النسبة التي تُمِيتُها العدوى من الصفر في أوساط الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15، و44 عامًا، في حين ارتفعت إلى 3.1% بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 65، و74 عامًا، وإلى 11.6% بين جميع الأشخاص الأكبر سنًا (انظر: نسبة الخطر مع تقدم العمر). وقد نشرت نتائج الدراسة على خادم المسودات البحثية "ميد آركايف" 1medRxiv.

وقد لاحظت دراسة أخرى من إسبانيا، انطلقت في إبريل الماضي، وجود اتجاه مماثل، عندما أَجْرت فحوصًا على أكثر من  61 ألف شخص اختيروا عشوائيًّا من سكانها، للكشف عن أجسام مضادة للفيروس لديهم، إذ بلغت النسبة الإجمالية التي تُمِيتُها العدوى بين هؤلاء السكان حوالي 0.8%، لكنها ظلت قريبة من الصفر في الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 50 عامًا، قبل أن ترتفع سريعًا إلى 11.6% بين الرجال الذين تبلغ أعمارهم 80 عامًا فأكثر؛ في حين بلغت 4.6% بين النساء من الفئة العمرية نفسها. كما كشفت النتائج أن الرجال أكثر عرضة للوفاة من العدوى بالفيروس، مقارنة بالنساء، وأنّ هذه الفجوة تزداد مع تقدم العمر.

تقول بياتريز بيريز جوميز، عالمة الأوبئة من معهد كارلوس الثالث للصحة في مدريد، التي شاركت في الدراسة الإسبانية: "يواجه الرجال خطرًا مضاعفًا، مقارنة بالنساء". وقد نشرت نتائج هذه الدراسة أيضًا على خادم "ميد آركايف"2.

وترى جيسيكا ميتكالف -عالمة الديموجرافيا من جامعة برينستون في ولاية نيوجيرسي الأمريكية- أن الاختلافات في استجابة الجهاز المناعي بين الذكور والإناث قد تفسر تباين المخاطر بين المجموعتين، وتقول: "قد يكون الجهاز المناعي لدى النساء متفوقًا على نحو يسمح له بالكشف عن مسببات الأمراض في وقت مبكر بعض الشيء".

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.
كبر الصورة

كما قد يفسر الجهاز المناعي أيضًا ارتفاع خطر الوفاة بسبب الإصابة بالفيروس بين كبار السن. فمع تقدم الجسم في العمر، يُطَوِّر مستويات منخفضة من الالتهاب، ويمكن للإصابة بـ"كوفيد-19" أن تدفع الجهاز المناعي (المُرهَق بالفعل) إلى الانهيار، حسبما تقول ميتكالف، التي تضيف أنّ النتائج الأسوأ في أوساط الأشخاص المصابين بـ"كوفيد-19" تكون عادةً مرتبطة باستجابات مناعية مكثفة.

وقد قارنت الدراسة التي أجريت في إنجلترا بين نتائجَ، حصل باحثوها عليها من مجموعات إثنية مختلفة. وأشارت إحصاءات حالات الوفاة والاعتلال بالمرض في الدراسة إلى أن الأشخاص من السود ومن جنوب آسيا في إنجلترا أكثر عرضة للوفاة، أو دخول المستشفيات من جرّاء إصابتهم بـ"كوفيد-19"، لكن التحليل الذي أشرفت عليه هيلين وارد -عالمة الأوبئة في جامعة إمبريال كوليدج لندن- وجد أنه على الرغم من أن السود والجنوب آسيويين كانوا أكثر عرضة للإصابة بـ"كوفيد-19" من البيض، إلا أنهم لم يكونوا أكثر عرضة للوفاة بسبب إصابتهم بالمرض.

ولاحظ الباحثون وجود فرق ملحوظ في تقديرات النسبة التي تُمِيتُها العدوى بين بعض البلدان، خاصة في حال الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر3. وعلى سبيل المثال.. قدَّرت دراسةٌ أجريت في جينيف عن انتشار الأجسام المضادة للفيروس أن النسبة التي تُمِيتُها العدوى تصل إلى 5.6% بين الأشخاص من تلك الفئة العمرية4. وكان هذا الرقم أقل منه في إسبانيا، حيث بلغ حوالي 7.2% بين الرجال والنساء الذين تبلغ أعمارهم 80 عامًا فأكثر، وكان أقل منه في إنجلترا، التي وُجد أن النسبة التي تُمِيتُها العدوى فيها بلغت  11.6% بين الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 75 عامًا أو أكثر.

كبر الصورة

كبر الصورة

وربما تكون هناك تفسيرات عديدة لهذه الاختلافات، حسبما يقول أندرو أزمان، المتخصص في الأوبئة الناجمة عن الأمراض المعدية، من كلية جونز هوبكنز بلومبرج للصحة العامة، في بالتيمور في ولاية ميريلاند الأمريكية، الذي شارك في دراسة جينيف. فالبلدان التي ترتفع فيها نِسَب إصابة الأفراد باعتلالات متزامنة -مثل مرض السكري، وأمراض السمنة، وأمراض القلب- ستكون النسبة التي تُمِيتُها العدوى فيها أعلى. ومع ذلك، فإن الدول التي تملك أنظمة رعاية صحية أقدر على التعامل مع المصابين بدرجات خطيرة من "كوفيد-19"، أو التي لم تكن المستشفيات فيها مكتظة أثناء ذروة الوباء، ستكون معدلات النجاة من المرض فيها أفضل، حسبما يقول.

من ناحية أخرى، يقول الباحثون إن بعض الاختلافات يمكن أن يُعزى إلى الكيفية التي أُجريت بها الدراسات المختلفة. فعلى سبيل المثال، قد يسهم في اختلافات كهذه مدى موثوقية اختبارات الأجسام المضادة التي تُستخدم في الدراسات المختلفة، وكيفية تسجيل حالات الوفيات الناتجة عن "كوفيد-19"، وكذلك الطريقة التي اختار بها الباحثون تقسيم السكان حسب الفئة العمرية.

وتقول لوسي أوكِل -عالمة الأوبئة في جامعة إمبريال كوليدج بلندن، التي شاركت في الدراسة التي أُجريت في إنجلترا- إن هناك بعض أوجه عدم اليقين في البيانات، ولذا.. فقد لا تكون التقديرات مختلفة بين الدراسات كما تبدو.

ويبدو أن العامل الأكبر المؤثر في اختلاف معدلات الوفيات المُبَلَّغ عنها بين البلدان هو ما إذا كان الفيروس قد انتشر في دور رعاية المسنين، أم لا. ففي هذه الأماكن، يعيش أشخاص من ذوي الحالات الصحية الهشة في بيئات مترابطة، يمكن للفيروس أن ينتشر سريعًا فيها. وجدير بالذكر أنه عندما أخذت الدراسة الإنجليزية في اعتبارها حالات الوفيات التي تحدث في دور الرعاية، قفزت النسبة التي تُمِيتُها العدوى بين الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 75 عامًا فأكثر من 11.6% إلى 18.7%. وقَدَّر ساليه أن النسبة التي تُمِيتُها العدوى في كندا -حيث وقعت نسبةٌ قوامها حوالي 85% من الوفيات في دور رعاية المسنين- ستكون أعلى بكثير منها في سنغافورة، التي كانت نسبة حالات الوفيات في دور الرعاية فيها لا تتجاوز 8 % من مجمل حالات الوفاة من جرّاء الإصابة بـ"كوفيد-19" هناك.

ويقول كيلباتريك إنه على الرغم من أهمية تقديرات نِسَب الوفيات، إلا أنها لا تقدِّم صورة كاملة عن الخسائر الفادحة الناجمة عن مرض "كوفيد-19"، ويضيف قائلًا: "هناك اهتمام مفرط بحالات الوفاة، ولكن يبدو أن "كوفيد-19" يسبب قدرًا هائلًا من حالات الإصابة باعتلال طويل الأمد". 

References

  1. Ward, H. et al. Preprint at https://www.medrxiv.org/content/10.1101/2020.08.12.20173690v2 (2020)
  2. Pastor-Barriuso, R. et al. Preprint at https://www.medrxiv.org/content/10.1101/2020.08.06.20169722v1 (2020)
  3. O'Driscoll, M. et al. Preprint at https://www.medrxiv.org/content/10.1101/2020.08.24.20180851v1 (2020)
  4. Perez-Saez, J. et al. Lancet Infect. Dis. https://doi.org/10.1016/S1473-3099(20)30584-3 (2020). | article