موجزات مهنية

العنصرية في الأوساط الأكاديمية وضرورة عدم الاستهانة بالمواقف التافهة 

لا بد أن نتحدى التحيزات المستترة، واللامساواة الهيكلية، مثلما نتحدى أفعال التمييز العنصري الواضحة. 

كيفين إن لالاند
  • Published online:
المحتجون من حركة «حياة السود مهمة» يتظاهرون في لندن في يوليو 2020.

المحتجون من حركة «حياة السود مهمة» يتظاهرون في لندن في يوليو 2020.

Credit: Isabel Infantes/Anadolu Agency/Getty

أشتغلُ بتدريس مادة الأحياء في إحدى الجامعات المرموقة في المملكة المتحدة، كما أنني عضو بأكاديمية وطنية. وحسب معظم المعايير، أعتبِرُ نفسي فردًا ناجحًا. إنني متصالح مع تراثي وثقافتي الهنديين، وفخور بهما، وكذلك بتراثي البريطاني. ورغم ذلك، فأنا -كأغلب أحوال الطلاب وأعضاء هيئة التدريس بالجامعة من السود والآسيويين والمنتمين إلى أقليات عرقية، والكثير منهم أقل حظًّا مني بمراحل — أجلب معي إلى الجامعة عبء تاريخي الشخصي.

نشأتُ في وسط إنجلترا، لأب هندي وأم إنجليزية. كان أبي واحدًا ضمن جموع غفيرة وفدت من شبه القارة الهندية في الفترة من خمسينيات إلى سبعينيات القرن العشرين، واستقرت في المنطقة. تُعَد هذه الحقبة فصلًا مشينًا في تاريخ بريطانيا، لِمَا شهدته من أحداث ضرب وإهانة وُجهت ضد الباكستانيين على أيدي عصابات عنيفة. وكان لقب "باكي" المهين، المشتق من "باكستاني"، يُطلق على أيّ شخص له جذور حقيقية أو متخيَّلة في شبه القارة الهندية.

لم يُطلق عليَّ هذا اللقب إلا مع التحاقي بالمدرسة الإعدادية في سن الحادية عشرة، إذ كنت أتحدث في الفصل بثقة، ما حدا بمجموعة من الصبية إلى أن يقرروا وضْع حدّ لهذا "الباكستاني المتحذلق"، وأوسعوني ضربًا مبرحًا بضع مرات، لكنّ الاعتداء الجسدي الذي تعرضتُ له كان تافهًا، مقارنةً بالتأثير النفسي العميق. فالمواقف التي تتضمن استهزاء، أو سلوكًا متعاليًا، أو محاكاة صيحات القردة عند رؤية شخص أسود تتراكم وتُحْدِث ضررًا مخربًا مع الوقت، بل إن تعليقًا واحدًا فحسب قد يكون مدمرًا. ومقابل كل تصرف عنصري واضح، ثمة عدد لا يُحصى من الأفعال المستترة التي يشك المرء في كونها عنصرية، لكنه يلقى صعوبة في إثبات شكوكه.

كنت أبالغ في التعويض عن نقاط ضعفي بطرق غريبة، كأنْ أتظاهر بأني لا أبالي، بل قد أُطْلِق المزاح العنصري، بغرض الاندماج مع مَن حولي. أستعيد تلك الذكريات الآن مستشعِرًا الحرج، لكنّ هذا النوع "من التحامل المستوعب داخليًّا" يُعَد شائعًا. فالآليات الدفاعية النفسية التي تجعلنا نصنف تجاربنا خطأً على أنها تافهة، بأنْ نقول لأنفسنا إنها "مجرد مواقف تافهة"، هي جزء من المشكلة. ففي مسألة العنصرية لا توجد "مواقف تافهة".

إن العنصرية الواضحة التي واجهتُها في ماضِيَّ حل محلها الآن تمييز مستتر. فعلى مدار 30 عامًا، كنت أعاني من حقيقة أن بعضًا من الرواد المؤسسين في مجالي لا يزالون يُمجَّدون، وكأنّ آراءهم العنصرية والمروِّجة لنهج تحسين النسل شيء يُستهان به. (لم تقرّ جمعية دراسة التطور -التي يقع مقرها في سانت لويس ميسوري- هذه المشكلة إلا في عام 2020، إذ أعادت تسمية إحدى الجوائز التي تمنحها، كي تتجنب تلك الروابط مع شخصيات عنصرية). وهي خطوة أرحب بها، لكنني أخشى أنْ يَظَلّ الفهم العام لطريقة استبعاد الثقافات الأكاديمية بعض المجموعات عن غير قصد محدودًا جدًّا. فعلى مدار عقود، كنت أحضر المؤتمرات العلمية في أوروبا وأمريكا الشمالية، ولم أَكَدْ ألْحَظ أيّ تمثيل للسود والآسيويين والأقليات العرقية فيها.

كان من الممكن أن أحقق نجاحًا أقل -على الأرجح- على المستوى الأكاديمي، لولا تعديل أبي اسم العائلة، كي يكتسب طابعًا إنجليزيًّا، إذ كان لقبه الأصلي "لالا"، ولذلك قرر تغييره؛ أملًا في أن يواجه أبناؤه تحاملًا أقل. وحتى اليوم، فإن الأشخاص الذين يحملون أسماء ترتبط بأقليات إثنية تقل كثيرًا فرص إجرائهم للقاءات عمل، وفقًا لتقرير صادر عن عالِمَي الاجتماع فالنتينا دي إستاسيو، وأنتوني هيث (أنظر: go.nature.com/2egysnh)، كما إنّ الباحثين من السود والآسيويين والأقليات العرقية يتلقون منحًا أقل وأصغر، مقارنة بأقرانهم من البيض.

مِن الواضح أن الأسماء لا تزال تلعب دورًا في التمييز في عام 2020. ورغم ذلك، لا تُطبَّق إجراءات إخفاء الاسم سوى على نحو عشوائي في الأوساط الأكاديمية. ومع ذلك أيضًا كانت البيئة الأكاديمية ملاذًا آمنًا لي، إلا أن آخرين كانوا أقل حظًّا مني، إذ كنت أسمع باستمرار عن حوادث تحرش بالطلاب من السود والآسيويين والأقليات العرقية عبر القطاع. إننا نخدع أنفسنا إذا ظننا أنه لا توجد تفرقة عنصرية في البيئة الأكاديمية، لأنّ نادرًا ما يَتلفّظ أحد بالشتائم العنصرية. فالإحصائيات تشير إلى أن السود والآسيويين والمنتمين إلى الأقليات العرقية مهمَّشون في الكثير من الجامعات البريطانية والأمريكية (لا سيما المعاهد الأعلى تصنيفًا، وفي المستويات الوظيفية العليا)، وأن أعضاء هيئة التدريس المنتمين إلى أقليات عرقية تقل احتمالية تَرَقّيهم، مقارنة بأقرانهم من البيض، وأن ثمة فارقًا في الرواتب بين موظفي الجامعات من البيض ومن السود والآسيويين والأقليات العرقية (انظر: Kalwant Bhopal’s 2015 book The Experiences of Black and Minority Ethnic Academics). ومع الأسف.. لا يزال كثيرون من الأكاديميين السود والآسيويين والمنتمين إلى أقليات عرقية في بريطانيا والولايات المتحدة يشعرون وكأنهم غرباء، وأنّ عليهم بلوغ معايير أعلى، لتحقيق مستوى النجاح نفسه لدى البيض (على حد قول بوبال).

ولكي يتحسن التنوع العرقي بجامعاتنا، لا بد من اتخاذ إجراءات تهدف إلى زيادة الوعي، وتقديم الدعم (انظر القسم المعنون بـ: "اقتراحات لتقليل العنصرية في الأوساط الأكاديمية"). إنها خطوات بسيطة، لكن تأثيراتها باقية. فسياساتنا ينبغي أن تسعى للتواصل مع المهمشين، وأن تمنحهم فرصًا، وأن تُمَكِّنهم من الوصول إلى أفضل أداء لهم.

رفع الوعي

  • قَدِّمْ إلى طلاب الجامعات دورات تعليمية وتوجيهية عن العنصرية والتحيز ومزايا الفرق التي تتسم بالتنوع العرقي.
  • أَتِح لأعضاء هيئة التدريس والطلاب فرصًا لخوض محادثات حول العنصرية، ورَحِّبْ بسماع تجاربهم.
  • راجِعْ المناهج الدراسية، كي تتأكد من أن الأكاديميين السود والآسيويين والمنتمين إلى أقليات عرقية ممثَّلون بشكل عادل، وأنه لا توجد مجموعات تشعر بالتهميش.

تقديم الدعم

  • حَدِّدْ إجراءات واضحة يجب على الأفراد اتباعها إذا أرادوا الإبلاغ عن تنمُّر أو تحامُل في بيئة العمل، وادعم الشاكِين.
  • أَسِّسْ شبكات تجمع بين أعضاء هيئة التدريس والطلاب من السود والآسيويين والمنتمين إلى أقليات عرقية، ورَاعِ وجود مرشد من الأقليات في مراكز دعم الطلاب.
  • احشد الجامعات، لمواجهة قضايا الفجوات في رواتب الأقليات، وفي ترقياتهم.

إتاحة الفرص

  • ضع إجراءات توظيف تتسم بالشفافية والإحكام، لضمان أنْ تستهدف جميعُ إعلانات الوظائف الأقليات كذلك.
  • اعتمِدْ إرشادات تختص بتنظيم مؤتمرات وورشات عمل تتسم بالتنوع العرقي.
  • -           تأكد من وجود تمثيل للأقليات في لجان مقابلات العمل. وإذا لزم الأمر، استجلِبْ أعضاء من جامعة أخرى، وادفع لهم مقابل ذلك.

تسليط الضوء على النماذج الناجحة

  • نظِّمْ محاضرة سنوية عامة رفيعة المستوى، يلقيها مُحاضِر من السود، أو الآسيويين، أو الأقليات العرقية.
  • رشِّحْ الباحثين ذوي الجدارة من الأقليات العرقية للحصول على جوائز ودرجات شرفية.
  • احشد الجامعات، لتعيين أعضاء هيئة التدريس من السود والآسيويين والأقليات العرقية في المناصب العليا. 

 ولمزيد من الاقتراحات وروابط المصادر، انظر: go.nature.com/3hftk1d

من الأفضل اعتبار الأفعال ذاتها -لا الأشخاص- عنصرية. فكل تنميط، أو تهاون اجتماعي، أو عدوان مصغر يشيع اللامساواة، مثلما تشيعها كل حالة يتغاضى فيها المسؤولون عن ترقية أحد الأفراد، أو قبوله بأحد المعاهد، وكل حالة رفض جائر لطلب منحة.

الكثير منا -وأنا من بينهم- قد قضي وقتًا طويلًا ينظر إلى تجاربه على أنها أتفه مِن أنْ تستحق الشكوى، لكننا كنا مخطئين. لقد ساعدتني حركة "حياة السود مهمة" على إدراك ذلك. لا شك في أنّ معالجة الوحشية المدفوعة بأسباب عنصرية هي الأولوية، لكنّ هذا وحده لا يكفي.. فلا بد أن نرفع جميعًا أصواتنا، ونتحمل المسؤولية في الجزء الذي ننتمي إليه من العالَم. فالعنصرية لن تُهزم إلا عندما يدرك الناس أن هذه "المواقف التافهة" لا يُستهان بها.