أنباء وآراء

تصميم جديد لأرجل الروبوتات الميكروية

طُوِّرت أجهزة دقيقة يمكن أن تعمل كأرجل لروبوتات ميكروية الحجم، يُتحكَّم فيها بالليزر. ويشير التوافق بين هذه الأجهزة وبين أنظمة الإلكترونيات الدقيقة إلى إمكانية فتح الطريق أمام التصنيع واسع النطاق لروبوتات ميكروية ذاتية التحكم. 

ألان إم. بروكس، ومايكل إس. سترانو
  • Published online:

في عام 1959، أشار الفيزيائي ريتشارد فاينمان، الحاصل على جازة نوبل، وأحد واضعي التصورات الأولى لتقنية النانو، إلى أنه قد يكون من المثير للاهتمام "ابتلاع جَرَّاح"، بمعنى أنْ يُصَنَّع روبوت دقيق يمكن أن يسافر خلال الأوعية الدموية لإجراء الجراحات في الأماكن المطلوبة. وهذه الرؤية المستقبلية الشهيرة أبرزت الآمال المنعقدة على علم الروبوتات ميكرومترية الحجم في العصر الحديث، المتمثلة في استخدام أجهزة ذاتية التحكم في الأوساط التي لا يمكن الوصول إليها بالأجهزة المُناظِرة كبيرة الحجم. غير أن بِناء هذه الروبوتات يواجه عددًا من التحديات، تشمل الصعوبة الواضحة التي تكتنف طريقة تجميع جهاز مجهريّ متحرك. من هنا، يفيد مارك ميسكِن وزملاؤه1 -في بحث نُشر مؤخرًا في دورية Nature- بابتكار أجهزة مُدارَة كهروكيميائيًّا، تحرِّك روبوتات ميكروية الحجم، يُتحكَّم فيها بالليزر، خلال وسط سائل، وهي أجهزة يمكن إدماجها بسهولة مع مكونات إلكترونية دقيقة، لتصميم روبوتات ذاتية التحكم تمامًا.

يُعَد تصميم استراتيجيات دفع الروبوتات ميكروية الحجم، التي تتحرك خلال الأوساط السائلة، مليئًا بالتحديات، لأن التأثير الشديد لمقاوَمة الموائع يمنع الأشياء الدقيقة من الحفاظ على زخم حركتها2. وللتغلب على هذه العقبة، صمم ميسكِن وزملاؤه مُشَغِّلات دقيقة، هي أجهزة تُحوِّل الطاقة إلى حركة، ويمكن أن تنثني وتنبسط عند تعرُّضها لكميات ضئيلة من التيار الكهربائي (شكل 1). ويتسبب التيار الكهربائي في جعل سطح المشغل يمتزّ الأيونات الموجودة في المحلول المحيط به، فيتغير مقدار الإجهاد في رِجْل الروبوت، وهو ما يؤدي إلى انثنائها. وقد صمم واضعو الدراسة هذه المُشغِّلات باستخدام تقنيات الصناعة النانوية نفسها التي تُستخدم لصنع رقائق الكمبيوتر.

شكل 1. روبوتات ميكروية قادرة على المشي. أ) يفيد ميسكِن وزملاؤه1 بابتكار أجهزة تعتمد على مشغلات يمكن أن تنثني وتنبسط، استجابةً لتيارات كهربائية ضئيلة جدًّا. وقد أضيفت الخطوط المتقطعة للمساعدة على توضيح رؤية الفريق. مقياس الرسم المستخدم يساوي 20 ميكرومترًا. ب) يستخدم الباحثون المشغلات كـ"أرجل" للروبوتات الدقيقة. وتتخذ الأرجل أوضاع الاتجاه إلى الأمام عندما تنثني، وأوضاع الاتجاه إلى الخلف عندما تكون أقل انثناءً. وبتفعيل اتخاذ وضعَي الاتجاه إلى الأمام وإلى الخلف بالتتابع، باستخدام أشعة ليزر، تتمكن الروبوتات من المشي على سطوح وعرة ومغمورة في الماء. والأوضاع الحالية للأرجل موضحة بخطوط ودوائر متصلة، بينما يشار إلى وضع الاتجاه إلى الأمام في الجانب الأيمن من الشكل بخطوط ودوائر متقطعة، بقصد المقارنة. ومقياس الرسم 20 ميكرومترًا (الصور من المرجع رقم 1).

شكل 1. روبوتات ميكروية قادرة على المشي. أ) يفيد ميسكِن وزملاؤه1 بابتكار أجهزة تعتمد على مشغلات يمكن أن تنثني وتنبسط، استجابةً لتيارات كهربائية ضئيلة جدًّا. وقد أضيفت الخطوط المتقطعة للمساعدة على توضيح رؤية الفريق. مقياس الرسم المستخدم يساوي 20 ميكرومترًا. ب) يستخدم الباحثون المشغلات كـ"أرجل" للروبوتات الدقيقة. وتتخذ الأرجل أوضاع الاتجاه إلى الأمام عندما تنثني، وأوضاع الاتجاه إلى الخلف عندما تكون أقل انثناءً. وبتفعيل اتخاذ وضعَي الاتجاه إلى الأمام وإلى الخلف بالتتابع، باستخدام أشعة ليزر، تتمكن الروبوتات من المشي على سطوح وعرة ومغمورة في الماء. والأوضاع الحالية للأرجل موضحة بخطوط ودوائر متصلة، بينما يشار إلى وضع الاتجاه إلى الأمام في الجانب الأيمن من الشكل بخطوط ودوائر متقطعة، بقصد المقارنة. ومقياس الرسم 20 ميكرومترًا (الصور من المرجع رقم 1).

كبر الصورة

وقد ذهب ميسكِن وزملاؤه إلى ما هو أبعد من مجرد تصميم مشغلات دقيقة فردية واختبارها، إذ طوّروا أيضًا نموذجًا أوليًّا لروبوت ميكروي الحجم، يستخدم أربعة من هذه المشغلات كأرجل يتحرك بها ببطء على سطوح وَعِرة، مغمورة في الماء. وتتصل هذه الأرجل بعدة رُقَع فولتية ضوئية (خلايا شمسية) توجد على الهيكل الأساسي للروبوت. وعندما يسلِّط الشخص القائم على تشغيل هذه الروبوتات شعاعًا من الليزر على تلك الرقع، تنثني المشغلات وتنبسط. وبتوجيه شعاع الليزر إلى رُقَع فولتية ضوئية مختلفة، يستطيع المتحكم في عمل تلك الروبوتات المبادَلة بين ثَنْي الرِّجْل الأمامية، وثَنْي الرِّجْل الخلفية، ومن ثم يتمكن من دفع الروبوت.

وتجدر الإشارة -في هذا السياق- إلى أنه على مدار أكثر من عقد، عكف العلماء على تطوير آليات دفع مدمجة في الجسيمات الدقيقة المغمورة في السوائل. وعن طريق إضافة رقع وظيفية وإمكانات أخرى إلى مثل هذه الجسيمات، تم تطوير ماكينات أصغر وأسرع من روبوتات ميسكِن وزملائه4،3، فما الذي يجعل هذا البحث فريدًا إلى هذا الحد؟ من التحسينات المهمة التي أسفر عنها هذا البحث في هذا المجال: كفاءة آلية الدفع. كما أحرز البحث تقدمًا على صعيد آخر، يتمثل في أن المشغلات التي ابتكرها ميسكِن وزملاؤه قادرة -إلى حد كبير- على أن تُدمج مع دوائر إلكترونية دقيقة. وهذه الخاصية مهمة، لأن التطبيقات المستقبلية لن تتطلب من الروبوتات أن تسبح عند الطلب فحسب، بل أنْ تتبع أيضًا تعليمات أكثر تطورًا، باستخدام مدخلات تبثها مستشعرات ودوائر منطقية محمولة على الروبوت.

ومن الأوجه المثيرة للاهتمام في بحث ميسكِن وزملائه أنهم استخدموا مفهومًا جديدًا لتصميم روبوتاتهم الميكروية، فبدلًا من إضافة آلية دفْع إلى جسيم ساكن، قاموا بتصنيع روبوت صغير بالمعنى التقليدي، أي ماكينة سيَّارة، لها أرجل ميكانيكية، يتم التحكم فيها بدوائر إلكترونية. ونظرًا إلى أن المشغلات صُمِّمت باستخدام التقنيات نفسها التي تُستخدم لصنع لوحات الدوائر الإلكترونية، فإن "الأمخاخ" أي (الدوائر المنطقية)، والأرجل الخاصة بالروبوتات المستقبلية، يمكن -من حيث المبدأ- طباعتها دفعةً واحدة. ولأن هذه المشغلات يمكن إدارتها باستخدام تيارات كهربائية منخفضة الطاقة، من تلك التي تسري عادةً في الدوائر الإلكترونية، يمكن دمج مستشعرات ومكونات دوائر منطقية بسلاسة مع هذه المشغلات.

كما يمكن -على الأرجح، وعلى نحو مماثل- إدماج آليات أخرى من آليات الدفع التي تعمل بمحركات دقيقة في هذه المنظومة. بيد أن الطريق إلى تحقيق ذلك ليس واضحًا. وعلى سبيل المثال، المحركات الدقيقة ذات التهجير الكهربي الذاتي5-7 تُزوَّد بدورها بالطاقة، عن طريق تيارات كهربية يمكن توصيلها عبر دوائر كهربائية محمولة، غير أن هذه الآليات تتطلب أوساطًا كيميائية محددة، لكي تعمل وتحوِّل مصادر الطاقة إلى حركة، تتسم بكفاءة أقل بمليون مرة8 من كفاءة ماكينات ميسكِن وزملائه.

استهدف الباحثون -بوجه عام- استراتيجيتين للتغلب على التحديات التكنولوجية التي تواجهها صناعات الروبوتات الميكروية. وعلى سبيل المثال، في بعض النماذج الأولية لهذه الماكينات ينفصل مصدر الطاقة، والمكونات الحاسوبية، أو المكونات المتخِذة للقرارات عن الماكينة نفسها. ونستطيع أن نصف هذه الماكينات عندئذ بالدمى المتحركة، للدلالة على أن تزويدها بالطاقة والتحكم في وظائفها الإدراكية يجريان عن بُعد. وتنتمي أجهزة ميسكِن وزملائه إلى هذه الطائفة، لأن الشخص القائم على تشغيلها يعطيها التعليمات عن طريق إطلاق شعاع ليزر على الرقع الفولتية الضوئية الموجودة على هيكل الروبوت.

وميزة طريقة الدمى المتحركة هذه هي أنها تسمح باختبار المكونات الوظيفية، دون الاضطرار إلى جعل وحدات الإمداد بالطاقة، والدوائر الحاسوبية، مدمجة ومحمولة على الروبوت. فهذا الدمج تكتنفه مشكلات تقنية لم تُحَل بعد بالكامل. والحق أن الدمى المتحركة ربما تمثل تقنيات مفيدة في حد ذاتها، مثلما اتضح من خلال الأدوات الميكروية التي يمكن التلاعب بها عن طريق مجالات مغناطيسية، لإجراء جراحات العين9. أما العيب الرئيس لطريقة الدمى المتحركة، فهو أن الروبوتات يجب أن تظل دائمًا "مقيدة بأسلاك" تربطها بمصدر الطاقة ومصدر المعلومات.

الاستراتيجية الثانية هي محاولة تصميم أجهزة ذاتية التحكم بالكامل، ومتحررة من أي قيود سلكية. وقد جرى صنع روبوتات دقيقة تجمع بين تقنيات تخزين الطاقة، أو طرق جمْع الطاقة من الوسط المحيط، وبين امتلاك دوائر منطقية ومستشعرات محمولة، لكي تقوم بأعمال محددة ومضبطة، دون الحاجة إلى تقييدها10-12.وقد يغدو هذا التحكم الذاتي مطلوبًا للكثير من التطبيقات العملية للروبوتات الميكروية.

إنّ المدى الذي يمكن من خلاله تصغير الأجهزة ذاتية التحكم، بدون فقد القدرة على برمجتها للقيام بوظائف "ذكية"، مع الأخذ في الاعتبار حدود تخزين الطاقة، والقدرة الحاسوبية، وطرق الصناعة المستخدَمة مع الأحجام الروبوتية الصغيرة ما زال مجهولًا. وسوف تتغير هذه القيود كلما تقدمت التكنولوجيا، لكن ما يمكن تحقيقه في روبوت ميكروي يبلغ حجمه 500 ميكرومتر، يُحتمل أن يكون شديد الصعوبة مع آخَر يبلغ حجمه 50 ميكرومترًا، وربما يكون مستحيلًا في نطاق حجم 5 ميكرومترات. وسوف تبدو الدمى المتحركة على الدوام أكثر إبهارًا من الماكينات ذاتية التحكم، لأن بالإمكان استخدامها كنماذج يتم من خلالها استعراض قدراتها، قبل وقت طويل من دمج مثل هذه التقنيات في جهاز ذاتي التحكم يملك مصادر محدودة للطاقة والقدرات الحاسوبية.

وتؤدي محدودية المصادر التي تعتمد عليها الماكينات ذاتية التحكم الموجودة حاليًّا إلى مفاضلات في التصميم، فقد أحرز الباحثون تقدمًا عظيمًا في تصميم جسيمات دقيقة تحوِّل الطاقة، سواء أكانت مخزنة، أم مجمعة، إلى حركة ميكانيكية (مثل الغرويات النشطة13)، لكن قابلية هذه الجسيمات للبرمجة تظل صعبة. ويقدم ميسكِن وزملاؤه رؤية واضحة لحل هذه المسألة، فرغم أن روبوتاتهم ليست ذاتية التحكم في شكلها الحالي، إلا أنه يمكن اعتبارها منصة يمكن أن يتم توصيل الأمخاخ أو البطاريات بها. وتُعَد الدراسات المتعلقة بالرقائق غير المقيدة سلكيًّا، التي يقل حجمها عن ملِّيمتر، وتحتوي على مستشعرات ودوائر مدمجة، مجالًا بحثيًّا نشطًا 10-12، وسيتم قريبًا التغلب على العقبة التي تواجه تطوير قدرات برمجة ذاتية في الروبوتات الميكروية. ولا شك أن دمْج مشغلات دقيقة مع لوحات من الدوائر الكهربائية والمستشعرات التي يقل حجمها عن ملِّيمتر سوف يقرِّبنا من تحقيق حلم فاينمان.

References

  1. Miskin, M. Z. et al. Nature 584, 557–561 (2020). | article
  2. Deen, W. M. Analysis of Transport Phenomena 2nd edn, Ch. 8, 315–360 (Oxford Univ. Press, 2011). | article
  3. Palagi, S. & Fischer, P. Nature Rev. Mater. 3, 113–124 (2018). | article
  4. Chen, X., Zhou, C. & Wang, W. Chem. Asian J. 14, 2388–2405 (2019). | article
  5. Paxton, W. F. et al. J. Am. Chem. Soc. 128, 14881–14888 (2006). | article
  6. Wang, Y. et al. Langmuir 22, 10451–10456 (2006). | article
  7. Wang, J. et al. Adv. Mater. 29, 1701451 (2017). | article
  8. Wang, W., Chiang, T.-Y., Velegol, D. & Mallouk, T. E. J. Am. Chem. Soc. 135, 10557–10565 (2013). | article
  9. Wu, Z. et al. Sci. Adv. 4, eaat4388 (2018). | article
  10. Koman, V. B. et al. Nature Nanotechnol. 13, 819–827 (2018). | article
  11. Cortese, A. J. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 117, 9173–9179 (2020). | article
  12. Lee, S. et al. J. Microelectromech. Syst. https://doi.org/10.1109/jmems.2020.2999496 (2020). | article
  13. Dey, K. K., Wong, F., Altemose, A. & Sen, A. Curr. Opin. Colloid Interface Sci. 21, 4–13 (2016). | article

ألان إم. بروكس، ومايكل إس. سترانو، يعملان بقسم الهندسة الكيميائية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بكمبريدج، ماساتشوستس 02139، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: strano@mit.edu