أنباء وآراء

عندما تُستخدم رائحة الجراد في الإيقاع به

العلماء يتعرَّفون على الفيرومون المسؤول عن احتشاد أسراب الجراد التي تلتهم المحاصيل الزراعية. فهل يمكن استخدام هذا الفيرومون -الذي تستشعره مُستقِبلات الرائحة- في الإيقاع بالجراد، والحدِّ من تأثيره المدمر على المحاصيل؟ 

ليزلي بي. فوسهول

  • Published online:
الشكل 1 | طفل يطارد أسراب الجراد في كينيا. واحدة من أشدِّ هجمات الجراد الصحراوي ضراوةً منذ عقود في منطقة شرق أفريقيا خلال عام 2020.

الشكل 1 | طفل يطارد أسراب الجراد في كينيا. واحدة من أشدِّ هجمات الجراد الصحراوي ضراوةً منذ عقود في منطقة شرق أفريقيا خلال عام 2020.

Patrick Ngugi/AP/Shutterstock

يُعتبَر هذا العامُ هو عام الأوبئة. فجائحة "كوفيد-19" COVID-19، التي يُسببها فيروس كورونا الجديد "سارس-كوف-2" SARS-CoV-2، تتأجج نيرانها في أنحاء العالم كافَّة، وما زلنا ننتظر بفارغ الصبر ظهور لقاح أو دواء فعَّال للسيطرة عليها. وثمَّة وباء آخر ماضٍ في اجتياح القارة الأفريقية (الشكل 1) ومنطقة الشرق الأوسط؛ غير أنه وباء من نوعٍ أقدمَ بكثير، ولا يمكن التصدِّي له باللقاحات والأدوية. فقد هطلت الأمطار الموسمية في تلك المناطق بغزارة تجاوزت المعدَّلات الطبيعية، نتيجةً لتغيُّر المناخ (انظر: go.nature.com/3fchnrm)، وهو ما نتج عنه حدوث زيادة هائلة في أسراب الجراد الصحراوي (من نوع Schistocerca gregaria). يمكن لتلك الأسراب أن تضم مليارات الحشرات، وأن تُغطي مساحات تُقدَّر بمئات الكيلومترات المربعة. وبإمكان هذه الآفة أن تلتهم المحاصيل، وأن تمحو الغطاء النباتي محوًا؛ ما يهدد حياة المزارعين الذين يعيشون على حدِّ الكفاف، ويسهم في تفاقم مشكلات انعدام الأمن الغذائي في المناطق المُهدَّدة. وفي مواجهة وباء الجراد هذا، ليس هناك سوى سلاح فعَّال وحيد، يتمثل في رش المبيدات الحشرية جوًّا؛ إلا أنَّ تلك الأسراب تتصف بسرعة الحركة، ولا يمكن التنبؤ بتحركاتها، كما أن عملية الرش تقضي في الوقت نفسه على الحشرات النافعة.

إذًا، كيف تتشكل هذه الأسراب الهائلة من تلك الحشرات المعروفة بشراهتها الشديدة، وما الذي يمكن فعله لوقف زحفها؟ عيَّنت الباحثة شياجياو جوا وزملاؤها1 جزيئًا من الفيرومونات، يعود إلى الجراد المهاجر من نوع Locusta migratoria، ربما يحمل مفتاح حل لغز سلوك حشود الجراد هذه. ويطرح الاكتشاف الذي توصل إليه الباحثون إمكانية الاستعانة بفيرومونات الجراد في مكافحته.

 

من المعلوم أن الجراد المهاجر هو أحد أنواع الجنادب، التي تبدأ حياتها بشكل مسالم، وتعيش حياة منعزلة أو منفردة (solitary)، لكن حشرة الجراد المنفردة قادرة على اجتذاب مزيد من تلك الحشرات، لتكوين مجموعات يتزايد حجمها باطِّراد، حتى تُشكِّل حشودًا وأسرابًا من الجراد، الذي يُعرف في هذه الحالة بالجراد التجمُّعي (gregarious). وفي أثناء عملية الاحتشاد تلك، يتغير لون الجراد المنفرد من الأخضر إلى الأسود، وذلك ضمن عملية تحوُّل لوني، يتولى تنظيمها جزيء ينتمي إلى أحد الببتيدات العصبية2. كما يشرع الجراد التجمُّعي في إنتاج جزيء "فينيل أسيتونيتريل" phenylacetonitrile، الذي يتحوَّل عن طريق الأيض إلى سيانيد، تستخدمه هذه الحشرات كوسيلة من وسائل الحرب الكيميائية التي تشنُّها ضد المفترسات3.

ولطالما افترض الباحثون وجود فيرومون محفِّز لعملية تجمُّع الجراد في تلك الأسراب الهائلة، إلا أن أيًّا من الجزيئات المُرشَّحة لم يستوفِ المعايير التي تؤهله لأداء تلك المهمة، إذ لا بد لذلك الفيرومون أن يكون جزيئًا من نوعٍ واحد، أمكن الحصول عليه من مصدر طبيعي، وأن يمتلك -في حد ذاته- النشاط البيولوجي موضع الاهتمام. وعندما يجري تخليق هذا الفيرومون كيميائيًّا في المختبر، ينبغي أن يُظهِر النشاط نفسه الذي تُظْهِره المادة البيولوجية محل النظر4،5.

ومن بين مجموعة مكونة من 35 مُركَّبا يُفرزها الجراد6، حدد الباحثون ستة مُركَّبات توجد بوفرة في تجمعات الجراد التجمُّعي دون المنفرد. وقد اختبر الفريق كل مُركَّب من تلك المُركَّبات من حيث قدرته على اجتذاب الجراد. وأثبت جزيء "4–أنيسول الفاينيل" وحده فاعلية واضحة؛ إذ اجتذب حشرات الجراد ذكورًا وإناثًا، وفي مختلف مراحل النمو، اليافعة منها والبالغة، على حد سواء. وقد تبيَّن للباحثين، على نحوٍ قاطع، أنَّ المُركَّب المذكور قادر على اجتذاب كلٍّ من الجراد المنفرد، والتجمُّعي، وبالدرجة نفسها. وهو ما يشير إلى أن القدرة على استشعار فيرومون التجمُّع المُقترَح هي قدرة فطرية لدى تلك الحشرات.

ولاحظ الباحثون أيضًا أن ارتفاع الكثافة العددية لأسراب الجراد قد صاحَبَتْه زيادة ملحوظة في تركيز مُركَّب "4–أنيسول الفاينيل" في الهواء. وتتفق هذه الملاحظة مع الرأي القائل إنّ لهذا الجزيء دورًا في إطلاق حلقة تغذية راجعة إيجابية، تعمل على حشد الجراد التجمُّعي، مؤديةً بذلك إلى نمو السرب. وقد أجرى الفريق تجربة ذكية لتحديد عدد الجراد المنفرد اللازم احتشاده لتحفيز إنتاج فيرومون التجمُّع المُشار إليه، وكانت النتيجة لافتة للنظر؛ متمثلةً في أربع أو خمس جرادات فحسب.

والسؤال هنا، كيف يستشعر الجراد مُركَّب "4–أنيسول الفاينيل"؟ هذا الجزيء هو مركّب متطاير ذو رائحة يُصنِّفها البشر على أنها رائحة سُكّرية. وقد افترض المؤلفون نظريًّا أن الخلايا العصبية الشمِّية التي تشتمل عليها قرون استشعار الجراد بإمكانها رصد تلك الرائحة. ومن واقع التسجيلات التي أُجريت لشعيرات حسية مفردة، موجودة داخل قرن الاستشعار الخاص بإحدى حشرات الجراد، أُتيح للباحثين تحديد نوع بعينه كان يستجيب -بشكل انتقائي- لهذا المُركَّب. كما وجدوا أن الخلايا العصبية الشمِّية لدى كلا نوعي الجراد آنِفَي الذكر كانت حساسة للغاية لهذا الفيرومون؛ وهو ما يتسق مع القول إنّ كلًّا من الجراد المنفرد، والجراد التجمُّعي، لديه الاستجابة السلوكية نفسها لمركّب "4–أنيسول الفاينيل".

شرع المؤلفون، بعد ذلك، في البحث فيما إذا كان بإمكانهم تحديد بروتين مُستقبِل للروائح، يمكنه رصد ذلك الجزيء، أم لا. وهكذا، أعدُّوا قائمةً قوامها 31 مُستقبِلًا، من بين 141 مُستقبِلًا معروفًا للرائحة لدى الجراد، وعيَّنوا مُستقبِلًا واحدًا، يُسمَّى OR35، وجدوا أنه ينشط بشدة وبشكل انتقائي من خلال مركّب 4–أنيسول الفاينيل. ولإثبات أن الجين Or35 هو الجين المسؤول عن ترميز المُستقبِل الذي يلعب دور الوسيط في رصد ذلك الجزيء، استعان الفريق بتقنية التحرير الجيني "كريسبر-كاس9" CRISPR-Cas9، لتخليق نسخة مطفَّرة من الجراد، تخلو من ذلك الجين، ثم أخضعوا تلك الحشرات المطفَّرة لاختبارات الاستجابات السلوكية، فلاحظوا أن قرون الاستشعار لديها لم تستجب لمركّب "4–أنيسول الفاينيل"، كما لم تتمكن تلك الحشرات من رصد الفيرومون، ولم تُبدِ أي استجابة سلوكية تُذكر.

إنه اكتشاف جديرٌ بالاعتبار حقًّا؛ إذ يشير إلى إمكان تعديل الجراد وراثيًّا، بحيث يصبح مُحصَّنًا ضد تأثيرات الفيرومون؛ وهو ما يعني -نظريًّا- تعطيل قدرة الجرادة المعدَّلة وراثيًّا على التحوُّل إلى جرادة تجمُّعية. وفي سلسلة أخيرة من التجارب، وضع الباحثون فيرومون التجمُّع موضع الاختبار. ففي تجارب ميدانية أُجريت على مصائد مقامة على أعشاب اصطناعية، نجحت المصائد اللاصقة المُزوَّدة بطُعم يحمل رائحة "4–أنيسول الفاينيل" نجاحًا كبيرًا في الايقاع بعشرات من حشرات الجراد التي أُطلقت من المختبر. وكذلك نجحت فخاخ لاصقة من النوع نفسه، نُشرت ميدانيًّا في محمية للأراضي الرطبة بالقرب من تيانجين في الصين، في الإيقاع بأعداد محدودة من الجراد البري.

يُذكر أن أول فيرومون حشري أمكن التعرُّف عليه هو "بومبيكول"bombykol ، وهو فيرومون مأخوذ من دودة القز من نوع Bombyx mori4. ولكي يتمكن العلماء من تخليق حشرة مطفَّرة، تخلو من مستقبِل "بومبيكول"، استغرق الأمر منهم أكثر من 55 عامًا بعد تسجيل اكتشافه7. أما الآن، فإن الأدوات الجديدة تتيح الفرصة للتقدم بإيقاع أسرع بكثير. والحق أن البحث الذي بين أيدينا، الذي أعدَّته جوا وزملاؤها، يقطع شوطًا طويلًا على هذا الطريق: من التعرّف على الفيرومون، إلى تحديد الخلايا العصبية الحسية ومُستقبِلات الرائحة المسؤولة عن رصده، إلى تخليق حشرة مطفَّرة، نُزعت منها الحساسية تجاه الفيرومون، وصولًا إلى تقديم دلائل مبدئية على فاعلية الجزيء في اجتذاب الجراد ميدانيًّا.

ورغم ذلك، لا يزال هناك العديد من الأسئلة المهمة التي تحتاج إلى إجابة. فليس واضحًا ما إذا كان جزيء "4–أنيسول الفاينيل" مسؤولًا عن التجمُّع الأوَّلي للجراد فقط، أم أنه يحفّز كذلك حدوث التغيُّر اللوني، وسلوك الاجتياح العنيف اللاحق على حدوث التجمُّع الأوَّلي. فمِن الممكن أن يقتصر دور فيرومون التجمُّع على تجميع حشرات الجراد معًا، وأن تكون هناك آليات ثانوية أخرى، وربما إشارات طيّارة إضافية، هي المنوط بها إحداث التغيُّرات اللاحقة في شكل الحشرة وسلوكها. وثمَّة حاجة إلى مزيد من البحث، لتحديد ما إذا كان الجراد الصحراوي هو أيضًا يستجيب على نحو مماثل لمُركَّب "4–أنيسول الفاينيل"، أم لا.

ومن بين الأسئلة المُثارة أيضًا: كيف يمكن تحفيز إنتاج "4–أنيسول الفاينيل" بطريقة تعتمد على كثافة أسراب الحشرات؟ يُحتمل أن يمتلك الجراد آلية ذاتية لمراقبة الفيرومون الذي ينتجه. ومع زيادة كثافة الفيرومون وتركيزه، تبدأ أنظمة حاسة الشم لدى تلك الحشرات في التكيُّف. وقد يترتب على ذلك حدوث زيادة في تنظيم الفيرومون، على غرار ما رُصد في حالة خنفساء بطاطس كولورادو Leptinotarsa decemlineata، التي تزيد من عملية تنظيم إنتاج الفيرومون عند إزالة قرون الاستشعار الخاصة بها8. وفضلًا عن ذلك، تظل الدوائر العصبية لدى الجراد -التي تؤدي دور الوسيط في رصد الفيرومون، وإنتاجه، وكذلك سلوك استشعاره- مجهولة تمامًا.

 

وأخيرًا، كيف يمكن وضع هذا الاكتشاف موضع التطبيق من أجل التصدي للمشكلة الواقعية المُتمثلة في هجمات الجراد؟ يوضح الباحثون أن مُركَّب "4–أنيسول الفاينيل" يمكنه الإيقاع بالجراد، لكن كفاءته كانت متواضعة. ولأجل زيادة قدرة ذلك المُركَّب على الإيقاع بهذه الأسراب، لا بد من تطوير نسخة أكثر فاعلية من الفيرومون، بالإضافة إلى تقنية اصطياد أقوى. أما الأمر الأجدر بالاعتبار، فيتمثل في إمكانية استخدام بروتين المستقبِل الشمِّي OR35 كوسيلة للتعرف على المُركَّبات التي تعوق نشاط ذلك المستقبِل. إنّ اكتشاف مثل هذا الجزيء من شأنه أن يوفر ترياقًا كيميائيًّا مضادًّا لتجمُّع الحشرات، ويدفع جحافل الجراد إلى "الانسحاب"، والعودة إلى أسلوب الحياة الانعزالي المسالم.

References

  1. Guo, X. et al. Nature 584, 584–588 (2020). | article
  2. Tawfik, A. I. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 96, 7083–7087 (1999). | article
  3. Wei, J. et al. Sci. Adv. 5, eaav5495 (2019). | article
  4. Butenandt, A., Beckmann, R., Stamm, D. & Hecker, E. Z. Naturforsch. 14b, 283–284 (1959).
  5. Wyatt, T. D. Nature 457, 262–263 (2009). | article
  6. Wei, J. et al. Insect Sci. 24, 60–72 (2017). | article
  7. Sakurai, T. et al. Sci. Rep. 5, 11001 (2015). | article
  8. Dickens, J. C., Oliver, J. E., Hollister, B., Davis, J. C. & Klun, J. A. J. Exp. Biol. 205, 1925–1933 (2002). 

ليزلي بي. فوسهول تعمل في معهد كافلي للأنظمة العصبية، ومعهد هوارد هيوز الطبي بجامعة روكفلر في نيويورك، نيويورك 10065، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: leslie.vosshall@rockefeller.edu