أنباء وآراء

المحركات الجينية لاستطالة الأرز طويل الساق

يستطيع الأرز المزورع في حقول المياه العميقة أن ينجو من الفيضانات بطيئة الارتفاع بفضل استطالة أجزاء من ساقه المغمورة بالمياه بسرعة مدهشة. ومن الممكن لجينين اكتُشف تأثيرهما على هذه العملية أن يساعدا على إجراء تحسينات محددة على ارتفاع المحاصيل وقدرتها على تحمل الفيضانات. 

جوليا بايلي سيريس، ولورنتيوس إيه. سي. جيه. فويسينيك
  • Published online:

يتأثر الارتفاع الذي يصل إليه أي نبات خلال دورة حياته بكل من موروثاته الجينية، وبيئته. وقد أدت الثورة الزراعية، التي انطلقت في ستينات القرن العشرين، إلى ارتفاع إنتاجية الأرز (الأرز الآسيوي Oryza sativa)، والقمح (القمح الطري Triticum aestivum)، من خلال تبَنِّي زراعة أنواع بعينها، لديها استعداد وراثي لأنْ تنمو لتصبح ذات ارتفاعات قصيرة، وذلك بفضل عملية تحدّ من استطالة سيقانها. وتتيح هذه السمة تخصيص المزيد من الكربون المُوَلَّد عبر التمثيل الضوئي، وتوجيهه إلى نمو الأزهار، وإنتاج الحبوب، بدلًا من استخدامه في زيادة الكتلة الحيوية لساق النبات. وفضلًا عن ذلك.. فإن هذه الأنواع الأقصر ساقًا، ذات الإنتاجية المرتفعة، تكون احتمالية اختلال توازُنها وسقوطها عند وصولها إلى مرحلة البلوغ، أو في أثناء الأمطار الغزيرة أقل بكثير منها في الأنواع الأطول ساقًا. ويورد كايسوكي ناجاي وزملاؤه1 في بحث نُشر مؤخرًا في دورية Nature اكتشافهم لجينات تسرّع عملية استطالة الساق، أو تبطئها، في أثناء مراحل بعينها من نمو الأرز.

إن نصال الأوراق و"السنابل" الزهرية في الأنواع النجيلية، التي تشمل الأرز، تنمو من طرف برعمي صغير يتمدد إلى أعلى في أثناء مراحل نمو النبات. وينتج هذا الطرف البرعمي سلسلةً من نصال الأوراق التي يرتبط كل نصل منها بالساق الأجوف عن طريق "طوق" يُسمى العُقدة (شكل رقم 1). وتتكون كل عقدة من حلقة من الأنسجة، تتضمن رقعة من الخلايا، تُسمى البارض (النسيج الإنشائي)، التي تستطيع الانقسام، كي تنتج خلايا وليدة. وهذه الخلايا تستطيل بدورها، كي تكوِّن قطعة من الساق تسمَّى السُّلَّامية2. ويتطلب تنشيط عملية الانقسام الخلوي والاستطالة هذه هرمون نمو يُسمى الجِبرلين. ويحدِّد عدد السلاميات التي تستطيل وطولها التراكمي ارتفاع النبات النهائي.

شكل 1| التحكم المرن في الارتفاع في نبات الأرز. يوجه هرمون الجبرلين (GA) عملية استطالة ساق نبات الأرز، إذ ترتبط مستويات الجبرلين المنخفضة في سيقان نبات الأرز بقِصَر النبات. (أ) أنواع الأرز شبه المتقزمة التي تنمو في المياه الضحلة بحقول الأرز، مثل النوع T65، تملك سيقانًا قصيرة، بسبب الافتقار إلى إنزيم محوري مطلوب لتخليق صور الجبرلين التي تعزز النمو بالاستطالة في السيقان. ويعرض الشكل مكونات الساق في كل حالة. يفيد ناجاي وزملاؤه1بأن البروتين DEC1 يكبح استطالة العُقَد، وأن الجبرلين ربما يحدّ من التأثير السلبي للبروتين DEC1. وفي مرحلة الإزهار، تصنع نباتات النوع T65 كميات كافية من الجبرلين في عقدة الساق العليا، كي تسمح باستطالتها على شكل سلامية، وهو ما يرفع المجموعة الزهرية فوق ظلة الأوراق. ويفيد الباحثون بأن البروتين ACL1 يساعد على استطالة العقدة العليا خلال مرحلة الإزهار. وقد اكتشف ناجاي وزملاؤه أن البروتين ACE1 (الذي تربطه قرابة بالبروتين ACL1) يساعد على استطالة الساق، ومع ذلك.. فإن نسخة البروتين ACE1 الموجودة في النوع T65 غير عاملة. (ب) ينتج أرز المياه العميقة، مثل النوع C9285، الجبرلين في عُقَد الساق في مرحلة مبكرة من النمو. وهذا النوع يملك مستويات منخفضة من البروتين DEC1، وهو ما يُمَكِّن العقدة العليا من الاستطالة. وبإمكان هذه النباتات النجاة من الفيضانات بطيئة الارتفاع، عن طريق عملية استطالة سريعة للساق. ويساعد هذه العملية تراكُم هرمون استشعار الإيثيلين في الأنسجة المغمورة بالمياه، وهو ما يعزز من إنتاج الجبرلين. وهذا الجبرلين يدفع البروتين ACE1 إلى تعزيز الانقسام الخلوي في عُقَد الساق، وهو ما يولد خلايا تستطيل، بحيث تزيد ارتفاع السلاميات المغمورة بالمياه. وعملية استطالة السلامية العليا عند الإزهار في أرز المياه العميقة تَستخدِم المسارات عينها الموجودة في الأرز غير المقشور.

شكل 1| التحكم المرن في الارتفاع في نبات الأرز. يوجه هرمون الجبرلين (GA) عملية استطالة ساق نبات الأرز، إذ ترتبط مستويات الجبرلين المنخفضة في سيقان نبات الأرز بقِصَر النبات. (أ) أنواع الأرز شبه المتقزمة التي تنمو في المياه الضحلة بحقول الأرز، مثل النوع T65، تملك سيقانًا قصيرة، بسبب الافتقار إلى إنزيم محوري مطلوب لتخليق صور الجبرلين التي تعزز النمو بالاستطالة في السيقان. ويعرض الشكل مكونات الساق في كل حالة. يفيد ناجاي وزملاؤه1بأن البروتين DEC1 يكبح استطالة العُقَد، وأن الجبرلين ربما يحدّ من التأثير السلبي للبروتين DEC1. وفي مرحلة الإزهار، تصنع نباتات النوع T65 كميات كافية من الجبرلين في عقدة الساق العليا، كي تسمح باستطالتها على شكل سلامية، وهو ما يرفع المجموعة الزهرية فوق ظلة الأوراق. ويفيد الباحثون بأن البروتين ACL1 يساعد على استطالة العقدة العليا خلال مرحلة الإزهار. وقد اكتشف ناجاي وزملاؤه أن البروتين ACE1 (الذي تربطه قرابة بالبروتين ACL1) يساعد على استطالة الساق، ومع ذلك.. فإن نسخة البروتين ACE1 الموجودة في النوع T65 غير عاملة. (ب) ينتج أرز المياه العميقة، مثل النوع C9285، الجبرلين في عُقَد الساق في مرحلة مبكرة من النمو. وهذا النوع يملك مستويات منخفضة من البروتين DEC1، وهو ما يُمَكِّن العقدة العليا من الاستطالة. وبإمكان هذه النباتات النجاة من الفيضانات بطيئة الارتفاع، عن طريق عملية استطالة سريعة للساق. ويساعد هذه العملية تراكُم هرمون استشعار الإيثيلين في الأنسجة المغمورة بالمياه، وهو ما يعزز من إنتاج الجبرلين. وهذا الجبرلين يدفع البروتين ACE1 إلى تعزيز الانقسام الخلوي في عُقَد الساق، وهو ما يولد خلايا تستطيل، بحيث تزيد ارتفاع السلاميات المغمورة بالمياه. وعملية استطالة السلامية العليا عند الإزهار في أرز المياه العميقة تَستخدِم المسارات عينها الموجودة في الأرز غير المقشور.

كبر الصورة

وفي وقتنا الحالي، يتسم الأرز المزروع في حقول الأرز الضحلة بالقامة القصيرة، لأن هذا النبات يعاني خللًا في جين يُسمى SEMIDWARF 1 (أو اختصارًا SD1). ويُرمِّز هذا الجين إنزيم GA20 oxidase 2، وهو عامل يحفز عملية إنتاج الأشكال عالية النشاط من الجبرلين4،3. وتصنّع العقد الموجودة في الأجزاء السفلية من سيقان هذه الأنواع كميات من الجبرلين لا تكفي لتنشيط عملية استطالة السلاميات. ومع ذلك، فعندما تنتقل هذه النباتات شبه المتقزمة من المرحلة الفَتية من النمو (المنتجة للأوراق) إلى مرحلة النضج (الإزهار)، فإن العقدة العليا تنتج ما يكفي من الجبرلين لعملية استطالة السلاميات، وهو ما يمكِّن الأزهار من الارتفاع فوق ظلة الأوراق. وتكون الطفرات التي تصيب الجينات الأخرى المشاركة في تخليق الجِبرلين أو الاستجابة له مسؤولة -في كثير من الأحيان- عن القامة القصيرة لمحاصيل حبوب أخرى، وهي صفة مرغوبة للغاية.

يُذكر أن نسبة تربو على 30% من مجمل مساحة الإكارات المزروعة بالأرز تتعرض لفقدان المحصول بسبب الفيضانات5. وتسمح زراعة أرز المياه العميقة للمزارعين في جنوب آسيا وغرب أفريقيا بالجمْع بين زراعة الأرز، وتربية الأسماك في مناطق دلتا الأنهار. وبإمكان نباتات الأرز بهذه المياه العميقة الإفلات من غمْرها بالكامل في أثناء الفيضانات بطيئة الارتفاع عن طريق نمو سيقانها من خلال الاستطالة بمعدل يصل إلى 25 سنتيمترًا يوميًّا6.

وقد أمكن تحديد الجينات المسؤولة عن هذه القدرة على الاستطالة في نوع أرز بنجلاديشي يُزرع في المياه العميقة، ويُعرف بـC9285. فكان أحد الجينات الضرورية لتطوير هذه السمة هو نسخة وظيفية من جين SD1 يُسمى SD1C9285، وينتج بوفرةٍ هرمونات الجبرلين المعززة لنمو النبات في عُقَد الساق7. كما يعزز اثنان من الجينات، أُطلق على كل منهما تسمية ملائمة، هما SNORKEL 1، وSNORKEL 2 (ويُعرفان اختصارًا بـ SK1، وSk2) عملية استطالة السلاميات المغمورة بالمياه بدرجة أكبر في هذا النوع من الأرز8، إذ تستشعر النباتات غمرها بالماء عن طريق هرمون استشعار الإيثيلين، والإيثيلين هو غاز يُحتجز في غضون دقائق داخل خلايا أعضاء النبات المغمورة بالماء، بسبب انتشاره البطيء عبر المياه9. ويُعد ارتفاع مستوى الإيثيلين إشارة تنشط كلًّا من SD1C9285 ، وSK1، وSk2. وفي أنواع أرز المياه العميقة، فإن ارتفاع الإيثيلين في الأنسجة المغمورة يدفع أجزاء الساق المغمورة بالماء إلى النمو، وهو ما يمكِّن الأوراق العليا وأعضاء التكاثر من الإفلات من مياه الفيضانات المرتفعة.

وقد بحث ناجاي وزملاؤه عن الجينات التي تتحكم في عملية استطالة الساق، استجابةً لإنتاج الجبرلين في النوع C9285، وحددوا جينين، أطلقوا عليهما اسم ACCELERATOR OF INTERNODE ELONGATION 1 (بمعنى "مُسَرِّع استطالة السلاميات 1)، أو )اختصارًا  ACE1وDECELERATOR OF INTERNODE ELONGATION 1 (بمعنى مُبَطِّئ استطالة السلاميات1)، أو (اختصارًا DEC1)، ويعزز الجين الأول استطالة الساق، بينما يكبحها الجين الثاني. ولا  ينظم الإيثيلين التعبير عن أي من هذين الجينين، لكن كليهما يؤثر على الانقسام الخلوي المُنَشَّط بالجبرلين في عُقَد الساق.

ويفيد واضعو الدراسة بوجود نسخة من جين ACE1 الذي يعمل في وقت مبكر على نمو النبات، فضلًا عن نسخة من جين DEC1 المثبط للجبرلين، في أنواع أرز المياه العميقة والنجيليات البرية المتكيفة مع المياه العميقة من جنس Oryza. وعلى النقيض من ذلك، يشيع وجود نسخة معيبة من جين ACE1، ونسخة من جين DEC1 تشارك مبكرًا في عملية النمو في أنواع الأرز شبه المتقزمة، مثل نوع T65، الذي يُزرع في حقول الأرز الضحلة، والذي لا يستطيع النجاة من الفيضانات بطيئة الارتفاع. وقد جرت عملية انتخاب طبيعي للشكل الخامل من جين ACE1، والشكل النشط من جين DEC1  في أثناء تدجين الأرز غير المقشور (الخام) المزروع في المياه الضحلة. ووُجد أن البروتين DEC1 يثبط عملية استطالة السلاميات في نوع الأرز T65، وهو -على الأرجح- ينظم كبح عملية النَّسْخ فيه، وإنْ كانت الأهداف من ذلك غير معروفة حتى الآن.

ويفيد ناجاي وزملاؤه كذلك بأن التعبير عن نسخة جين ACE1 الموجودة في نوع الأرز C9285 (وهي تُعرف باسم ACE1C9285) أثناء غمر الأرز بالماء، يبدئ عملية توسّع في منطقة الانقسام الخلوي الموجودة في العُقَد القريبة من قاعدة النبات، وهو ما يؤدي إلى زيادة العدد الإجمالي للسلاميات التي تخضع لعملية استطالة، وإلى زيادة قامة النبات، وإنْ كانت الوظيفة الخلوية لبروتين ACE1 ما تزال مجهولة. ومن المثير للاهتمام أن الباحثين وجدوا أن التعبير عن جين ACE1C9285 يجري تنظيمه عن طريق عامل نَسْخ مُنَشَّط بالجبرلين يُسمى SUBMERGENCE 1C (يُعرف اختصارًا بـSUB1C)، يزداد التعبير عنه استجابةً لعملية الغَمر10. ويكون التعبير عن SUB1C منخفضًا في أنواع الأرز التي تحمل الجين المنظِّم للقدرة على احتمال الغَمر SUB1A-1، وهو جين وثيق الصلة بجين SUB1C. ومن خلال العمل بطريقة معاكسة لاستراتيجية النمو، بهدف الإفلات من تأثير مياه الفيضان التي تتبناها أنواع أرز المياه العميقة، فإن الأنواع التي تمتلك الجين SUB1A-1 تقوم بالحد من الاستجابة للجِبرلين واستثمار الكربون في استطالة الأوراق. ومثل هذه الأنواع شبه المتقزمة التي تمتلك الجين SUB1A-1 تكبح عملية النمو خلال الفيضان، لكي يدخل النبات في حالة كُمُون تمكِّنه من النجاة من الفيضانات العميقة العابرة11،12.

أما استطالة السلاميات، فلا تتعزز إلا في السلاميات العليا بالأنواع شبه المتقزمة خلال فترة النمو التكاثري. وقد كشف الباحثون أن ثمة جينًا يزيد التعبير عنه عن طريق الجبرلين (جينًا ذا قرابة للجين ACE1)، أطلقوا عليه اسم ACE1-LIKE1، وهو يُبدئ عملية النمو في السلاميات العليا بالأرز الموجود في المياه العميقة، أو في نباتات الحقول الضحلة خلال انتقالها إلى مرحلة الإزهار.

وتُلاحظ بصفة متكررة مسارات نمو متعارضة، وكذلك نواتج جينية توازن بين سمات النباتات المزهرة. ويوفر تنظيم التعبير الجيني هذا مرونة في البيئات التي تتصف بالتقلّب، بيد أن هذه القدرات التنظيمية كثيرًا ما تُفقَد خلال عمليات تحسين المحاصيل، التي تركز على سمات أخرى داخل بيئات النمو المستقرة نسبيًّا. ويوضح ناجاي وزملاؤه وجود جينات ذات قرابة لكل من الجينين ACE1، وDEC1 في الأرز، وأن هذه الجينات تنظِّم عملية الانقسام الخلوي والاستطالة، أو تُحَدِّد عدد السلاميات في أنواع أخرى من النجيليات. وربما تمكننا هذه المعلومات من تصميم محاصيل ذات ارتفاع وسمات نمو تناسب الزراعة في بعض البيئات الديناميكية.

 

References

  1. Nagai, K. et al. Nature 584, 109–114 (2020). | article
  2. Kende, H., van der Knaap, E. & Cho, H.-T. Plant Physiol. 118, 1105–1110 (1998). | article
  3. Sasaki, A. et al. Nature 416, 701–702 (2002). | article
  4. Spielmeyer, W., Ellis, M. H. & Chandler, P. M. Proc. Natl Acad. Sci. USA 99, 9043–9048 (2002). | article
  5. Bailey-Serres, J. et al. Rice 3, 138–147 (2010). | article
  6. Kende, H., van der Knaap, E. & Cho, H.-T. Plant Physiol. 118, 1105–1110 (1998). | article
  7. Kuroha, T. et al. Science 361, 181–186 (2018). | article
  8. Hattori, Y. et al. Nature 460, 1026–1030 (2009). | article
  9. Hartman, S. et al. Nature Commun. 10, 4020 (2019). | article
  10. Fukao, T. & Bailey-Serres, J. Proc. Natl Acad. Sci. USA 105, 16814–16819 (2008). | article
  11. Fukao, T., Xu, K., Ronald, P. C. & Bailey-Serres, J. Plant Cell 18, 2021–2034 (2006). | article
  12. Xu, K. et al. Nature 442, 705–708 (2006). | article

جوليا بايلي سيريس تعمل في مركز بيولوجيا الخلايا النباتية في جامعة كاليفورنيا، ريفرسايد، كاليفورنيا 92521، الولايات المتحدة الأمريكية.

لورنتيوس إيه. سي. جيه فويسينيك يعمل في معهد البيولوجيا البيئية، جامعة أوترخت، 3584 CH أوترخت، هولندا.

البريد الإلكتروني: serres@ucr.edu