رؤية كونية

إعادة بناء النظام المالي العالمي المُتداعي

الاقتصاديون يُغفِلون دور هيمنة المؤسسات المالية خلال الأزمات الوجودية العالمية. بقلم: آن بيتيفور

آن بيتيفور
  • Published online:

BOB FOYERS PHOTOGRAPHY

تحطُّ الأزمات بوتيرةٍ متسارِعة على كاهل النظام المالي والنقدي العالمي الحاليّ، الذي أنهَكَتْه العِلَل والأمراض العُضال. كانت الأزمات في البدء تحُوم حول أطراف الاقتصاد العالمي، قبل أن تنتقل إلى القلب منه بين عامَي 2007، و2009. 

فمنذ عام 1971، تشكّلت الاقتصادات الوطنية، ومن ثم حيواتنا، بواسطة هذا "النظام"، الذي لا يمكن إلا أن يوصف بأنه نظام متداعٍ. ففي ذلك العام، قوَّض الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون -وبصورة منفردة- أركان الهيكل المالي الدولي لنظام بريتون وودز، الذي تأسس مع نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم لم يُشيّد له بديلًا يُعتمد عليه. فالنمط الاقتصادي السائد اليوم، الذي تغلُبُ عليه الخصخصة، هو نمطٌ يفتقر إلى التنظيم، ويقوم على مجموعةٍ من الترتيبات القانونية الخاصة التي يُلجأ إليها عند الحاجة.

يلعب النظام المالي في ربط العالَم بعضه ببعض، وهو الدور الذي تمخَّض عن العديد من التغييرات؛ من الابتكارات الكبرى في مجال تقنية المعلومات والنقل، إلى تحقيق مستوًى أعلى من التكامل بين التجارة والأعمال، مرورًا بالارتفاع في مستوى المعيشة، غير أنه أسفر -في الوقت نفسه- عن خلْق منظومة اقتصادية أكثر هشاشة؛ إذ لعبت هيمنة المؤسسات المالية على الاقتصاد العالمي دورًا في تصدير أسباب المشكلات الاقتصادية، من خلال تمويل خطوط الإمداد الطويلة، وشبكات النقل الدولية. إنَّ صانعي السياسات لا يكادون يُلِمُّون بأبعاد هذه التأثيرات، كما أنها نادرًا ما تخضع للمناقشة بين عموم الاقتصاديين.

وعوضًا عن ذلك، نجد أنَّ الأكاديميين منشغلون بالنظريات التي تتمحور حول مفهوم الدولة القومية؛ وينصبُّ تركيز غالبيتهم -في المقام الأوّل- على الاقتصاد الجزئي، المعنِيّ بدراسة السلوك الاقتصادي للأفراد، والأُسر المعيشية، والشركات، وعلاقته بالحكومة. أمَّا إشكاليات الاقتصاد الكُلّي المتعلّقة بتدفّق رأس المال عبر الحدود، أو دور البنوك المركزية في الإشراف على الأسواق المالية العالمية وإنشائها، أو هيمنة بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على الحَوكَمة العالمية، فلا تحظى سوى باهتمام قلةٍ قليلة منهم. 

وإضافةً إلى ذلك، ليس ثمّة اهتمامٌ كافٍ بالدور الذي يلعبه الدولار الأمريكي بوصفه عملة الاحتياط الأساسية في العالم، يتعيّن على العديد من البلدان حيازتها لتسديد مدفوعاتها إلى غيرها من البلدان؛ وهو الدور الذي عادةً ما يتعرَّض للانتقادات اللاذعة. فحينما "يهرب" المضارِبون من ساحة الاستثمار في بلدٍ ما، ويحوّلون أرصدتهم إلى عملة الدولار الأمريكي، تنهار عُملة هذا البلد، مما يرفع تكلفة الواردات، مثل النفط، أو المستحضرات الدوائية. وليس هذا بالأمر الجديد؛ فاقتصادات الدول تتعرَّض لمثل هذه الهزَّات العنيفة بين الحين والحين، إثر خروج رؤوس الأموال، وتدفقها عبر الحدود على هذا النحو. إنّ هذه "المزيَّة الهائلة" التي يتمتَّع بها الدولار الأمريكي هي ما تُعجِّل بحدوث مثل هذا التدافع للخروج. ولا يسع بنك الاحتياطي الفيدرالي سوى التخفيف -لفترة وجيزة- من حدّة تلك الصدمات، الناجمة عن التقلُّبات في أسعار العملات.

وثمّة حاجة إلى إطلاق مسارات بحثية جديدة، تتناول قضايا العولمة المالية، بما يساعد على إدارة الاقتصادات المحلّية في مثل هذه الأوقات العصيبة، والتخفيف من حدّة آثار الأزمات المستقبلية؛ بدءًا من تفشِّي الأوبئة والجوائح، حتى تدهور المناخ وتداعي التنوُّع البيولوجي. إن الدراسات التي تنتهي إلى وضع هيكلة مالية دولية جديدة، ومُدارة على نحوٍ أفضل من الحالية، ستكون من بين أهم الدراسات وأنفعها.

ولكنّ إمكانية حدوث مثل هذا التحوّل اللازم لضمان تحقيق الاستقرار والاستدامة غائبة عن الخطاب العام والأكاديمي إلى حدٍّ بعيد. والملاحَظ أنَّ "المراجعات" التي أعقبت الأزمة المالية العالمية، بين عامي 2007، و2009، قادَتْ إلى توطيد النظام العالمي القائم؛ فقد أوضح صندوق النقد الدولي -في تقرير الاستقرار المالي العالمي، الصادر في شهر إبريل من عام 2020- أن بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، الذي كان أبعد ما يكون عن الحدِّ من الإفراط في تكوين الائتمان، قرر في أعقاب الأزمة أن يغض الطرف عن توسُّع أسواق الائتمان الخاصّة، التي بلغت قيمتها الإجمالية على مستوى العالم 9 تريليونات دولار أمريكي. وكما كان الحال في التعامل مع الأزمة المالية العالمية آنفة الذكر، أدّت الرقابة المتراخية التي انتهجها مُحافِظو البنوك المركزية إلى تراجع الجودة الائتمانية للمقترضين، وخفض معايير ضمان السندات وحماية المستثمرين. لقد تعثَّرت أسواق الائتمان الخطرة –ومنها السندات ذات العائد المرتفع (سندات "الخُردة")، وقروض الرفع المالي، والديون الخاصة– في مطلع شهر إبريل 2020، رغم التدفق النقدي الهائل الذي ضخَّه بنك الاحتياطي الفيدرالي. ومرّة أخرى، أدَّت الحوافز الاقتصادية إلى التغطية على تلك الخدعة النقدية، أكثر مما ساعدت على إنقاذ الأفراد.

لقد بات الإصلاح أمرًا حاسمًا، إذا ما أرادت المجتمعات في نصفي الكرة الأرضية حشد التمويل اللازم لاستيراد الأدوية والمعدّات، من أجل مواجهة جائحة "كوفيد-19" المتفشية حاليًّا، وما قد يظهر من أوبئة وجوائح مُستقبلًا، ناهيك عن محاربة تغيُّر المناخ، عن طريق استثمار الموارد العامّة في الأنظمة البديلة والمستدامة في قطاعات النقل، واستغلال الأراضي، والطاقة. فخلال هذه الجائحة، فشلَتْ آليات السوق في تلبية المتطلبات الضرورية في الوقت المناسب، وبخاصةٍ تجهيزات الوقاية الشخصية. وبالمثل، أثبت السوق، قبل حلول الجائحة، عجزه عن توفير خدمات الرعاية الصحّية، والإسكان، والتعليم العالي بتكلفة ميسورة، كما عجز عن توفير وظائف لائقة بأجرٍ مجزٍ لملايين المواطنين. إنّ آليات السوق لا تصلح لضمان أمن السكّان في مواجهة الأحداث المناخية القاسية، التي تزداد خطورتها مع الوقت. 

ومثلما نحتاج إلى نظام إيكولوجي عالمي مُستدام، نحتاج أيضًا إلى نظام مالي دولي مستقر ومستدام؛ لِمَا يُشكّله ذلك من منفعة عامّة مهمّة. ومن ثم، فإن الأولوية العملية التالية تكمن في توفير التنسيق والتعاون الدوليين اللازمَين لتصميم هيكلٍ مالي عالمي جديد. 

حينما أُعيد تأسيس النظام الدولي آخر مرّة، في مؤتمر بريتون وودز، الذي انعقد في عام 1944 بولاية نيو هامبشاير، لم يدعُ الرئيسُ الأمريكي فرانكلين روزفلت إلى المؤتمر سوى الاقتصاديين المؤهّلين، بينما مُنع المصرفيون والمُموِّلون من الحضور. كما رُوعي في اختيار الخبراء الحاضرين أن يكونوا على قدرٍ كبير من التنوُّع؛ فلم يقتصر على الأوساط الأكاديمية الأنجلو أمريكية، وإنما حرص روزفلت على أن يمثل العلماءُ مناطقَ جغرافية واهتمامات شتّى؛ فمن بين 44 وفدًا حضروا المؤتمر، قدِمَ 32 وفدًا من بلدان منخفضة الدخل. وحسبما يقول باحث العلوم السياسية إريك هيلينر، في كتابه الصادر في عام 2014 تحت عنوان "أسس بريتون وودز المنسية" Forgotten Foundations of Bretton Woods، كان صانعو السياسة "مُلتزمين التزامًا شديدًا بانتهاج "تعددية إجرائية" شاملة". وقد انعكس ذلك في تلك النبرة الرسمية التي تحلَّت بها البلدان جميعها المنضوية تحت الأمم المتحدة، وكذلك البلدان الأخرى التي بقيَتْ على الحياد.

وها نحن الآن، كما كان الحال آنذاك، في حاجة إلى قيادة أكاديمية وسياسية تعددية دولية، لتأخذ بزمام تعددية إجرائية جديدة. وذلك هو السبيل الوحيد لبناء نظام نقدي عالمي قادرٍ على مساعدة البلدان على تجاوز الجائحة، ومواجهة التغيُّر المناخي. 

آن بيتيفور خبيرة اقتصاد، ومستشارة حكومية في لندن. صدر آخِر كُتُبها بعنوان: "قضية الاتفاق المناخي الجديد" The Case for the Green New Deal

البريد الإلكتروني: ann.pettifor@primeeconomics.org