كتب وفنون

المرأة التي فسَّرت النجوم

لم تنعم سيسيليا باين جابوشكين -التي تُعد واحدةً من أبرز علماء الفلك- بالشهرة العامة التي تستحقها، لكن كتابًا جديدًا عن سيرة حياتها نراه يُعلي قدرها، ليبلغ به عنان السماء.

جُوسيبينا فابيانو

  • Published online:
تناولت سيسيليا باين-جابوشكين بِنْية النجوم بالدراسة والفحص في أبحاثها لنيل درجة الدكتوراه.

تناولت سيسيليا باين-جابوشكين بِنْية النجوم بالدراسة والفحص في أبحاثها لنيل درجة الدكتوراه. 

Science History Images/Alamy

ممَّ تتكوّن النجوم: حياة سيسيليا باين جابوشكين

دونوفان مور

مطبعة جامعة هارفارد (2020)

كثيرًا ما يُحقِّق الرجال من علماء الفلك شهرةً عامةً، لم تنعم بها واحدة من أكثر النساء تميُّزًا في المجال؛ وهي سيسيليا باين جابوشكين، لكن سيرة حياتها، التي كتبها دونوفان مور بأسلوبٍ أخَّاذٍ وسلِسٍ، تُعيد الأمور إلى نصابها الصحيح. يُسلِّط هذا الكتاب بمهارةٍ الضوءَ على إنجازات باين، وأحداث حياتها المثيرة، واضعًا كل ذلك في سياق علم الفلك العالمي، وعلى خلفيةٍ اجتماعية وتاريخية مضطربة في أوروبا والولايات المتحدة إبَّان القرن العشرين.

ففي عام 1925، كانت باين أول مَنْ يحصل على درجة الدكتوراة في علم الفلك من كلية رادكليف، التي كانت وقتها تُمثِّل الفرع النسائي من جامعة هارفارد في مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس. كانت أُطروحتها التي تدور حول الغلاف الجوي للنجوم هي أعظم إسهاماتها، إذ ربطت بين أنماط الخطوط في الأطياف المرصودة للنجوم، وظروفها الفيزيائية، كما اكتشفت أن الهيدروجين هو المكوِّن الأساسي للنجوم، ويليه الهيليوم. وفي نهاية المطاف، حصلت باين على العديد من الجوائز وأوسمة الشرف؛ تقديرًا لاكتشافاتها وخبراتها، وقد تُوِّج كل ذلك بحصولها على جائزة "إنجاز العمر كمُحاضِرة" من الجمعية الفلكية الأمريكية.

حظيت عبقرية أطروحة باين بتقديرٍ من جانب اثنين من أبرز علماء الفلك الأمريكيين في بدايات القرن العشرين، أولهما: هارلو شابلي، المشرف على رسالتها، الذي كان يشغل منصب مدير مرصد كلية هارفارد، وثانيهما: هنري نوريس راسل من جامعة برينستون في ولاية نيو جيرسي، إلا أن العالِمَين اختلفا مع باين في مسألة أن الهيدروجين هو المُكوِّن الأساسي للنجوم. استندت باين في نظريتها على تحليلٍ دؤوبٍ لأطيافٍ نجمية ذات أهمية بالغة، تحتفظ بها جامعة هارفارد ضمن مجموعتها الخاصة، كما استرشدت الأطروحة بتنبؤات نظرية التأين التي وضعها عالِم الفيزياء الهندي ميجناد ساها، وهي نظرية تربط الطيف المرصود للغلاف الجوي النجمي (بافتراض أنه غاز في حالة اتزانٍ حراري) بدرجة حرارته، وضغطه، وبِنْيته.

جاء استنتاج باين مُخالفًا لوجهة نظر تَبَنَّاها علماء فلك بارزون على نطاق واسع، من بينهم آرثر إدينجتون، مفادها أنَّ النجوم تتكوَّن في الأساس من العناصر ذاتها التي تتكون منها الأرض (السيليكون، والكربون، والحديد، وغيرها). ونتيجة لهذا الانتقاد، ونظرًا إلى أنها كانت مُتلهفةً على نشر نتائجها، قلَّلت باين من شأن استنتاجها هذا، واصفةً إياه بأنه خطأٌ واردٌ. وفي وقتٍ لاحقٍ، نُسب الفضل في هذا الاكتشاف إلى راسل، الذي توصل إلى النتيجة ذاتها من خلال وسائل أخرى، وظلَّ الدور الذي لعبته باين غائبًا عن أنظار المجتمع العلمي على اتساعه طيلة عقود من الزمان.

طموحات كبيرة

يُسلِّط مور الضوء على مسيرة باين، إلى أن أصبحت عالمة استثنائية. كانت لوالدتها اهتمامات كثيرة خارج المنزل، وهو أمر لم يكن مُعتادًا لدى الطبقة العليا في إنجلترا خلال العصر الإدواردي. وكان للساعات التي قضتها باين في مكتبة بيتها الفضل في مَنْحها معرفةً بالكلاسيكيات، والموسيقى، والمسرح، وإيمانًا بقيمة هذه الإبداعات الفنية. وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، نجحت باين -رغم خجلها- في استمالة معمليها والقائمين على رعايتها، كي يساعدوها في دراسة الفيزياء في جامعة كامبريدج (التي لم تكن تمنح حينذاك درجات علمية للنساء).  وهناك، تأثَّرت باين بإدينجتون، وعالِم الفيزياء الذرية إرنست رذرفورد.

في عام 1923، سافرت باين بحرًا إلى الولايات المتحدة، بناءً على دعوة من شابلي، بعد حصولها على منحة لتُصبح باحثةً في مرصد كلية هارفرد. وقد عزَّز شابلي مواهب باين لكنه استغلها في الوقت نفسه. فقد دعم شابلي أبحاث باين، وبناءً على طلبها عيَّن سيرجي جابوشكين، وهو عالم فلكٍ فرَّ من أوروبا قُبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية، وتزوج باين لاحقًا، لكن شابلي كان يعطيها راتبًا ضئيلًا، حتى أنها عجزت هي وزوجها عن إحضار مربية أطفال، وكثيرًا ما شُوهد أطفالها الثلاثة وهم يلعبون في المرصد.

لم يكتف شابلي بذلك، بل أبقى باين في رتبة مهنية متدنية، حتى أنه نصح مؤسسة أخرى بعدم تعيينها في منصب بارز. ويبدو أن باين رضيت بالأمر الواقع، لكنني أتساءل عما كان يمكن للأمور أن تؤول إليه، لو كانت باين قد حظيت بتقديرٍ مهني يليق بها في وقت مبكر من حياتها. لم تحصل باين على راتب معقول، إلا في عام 1954، بعدما حلَّ دونالد مينزل محلَّ شابلي في منصبه كمديرٍ للمرصد. وبعد ذلك بعامين، حين بلغت من العمر 56 عامًا، حصلت باين على درجة الأستاذية من جامعة هارفارد.

واصلت باين العمل في المرصد، حتى فارقت الحياة في عام 1979. تضم قائمة أصدقائها مجموعةً من أبرز علماء الفيزياء والفلك في بدايات القرن العشرين. كان من بين هؤلاء اثنان ممن يرجع إليهم الفضل في إعطاء زخمٍ للنظرية الذرية الجديدة (رذرفورد وجوزيف جون طومسون) إضافةً إلى علماء فلك شاركوها في لعب دورٍ فاعلٍ لإفساح المجال أمام نهجٍ يعتمد على الفيزياء الفلكية؛ بهدف فهم الكون، ومكوناته. (شابلي وراسل ومينزل وإدينجتون). في مكان بارز ببهو مركز هارفارد-سميثسونيان للفيزياء الفلكية، عُلِّقت نسخة من بورتريه زيتي للسيدة باين على أحد الحوائط، ما يُعَد تكريمًا متأخرًا لإخلاصها وتفانيها في العمل.

التقيتُ بالسيدة باين في منتصف سبعينات القرن العشرين. أتذكر جديّتها، وتدخينها الشره وهي تجوب أروقة المرصد بسرعة. وقد وبَّختني لتأخري عن الاجتماع (كنت وافدةً حديثة من إيطاليا، وكنت أعتبِر الوصول في الموعد المحدَّد بالضبط نوعًا من سوء التهذيب). وبعد أن قرأت كتاب مور، المستنِد إلى بحثٍ متعمقٍ، أدركتُ أنها كانت شخصية مُعقَّدة، يمكنني أن أتعاطف معها، رغم كوني أصغر منها بجيلين، ورغم أن كل واحدةٍ منا تنتمي إلى خلفية مختلفة. وبفضل التزامها وتفانيها كعالمة ومرشدة لجيل جديد، نجحت باين في تحقيق التوازن بين حياتها المهنية والأسرية إلى جانب شغفها بالفنون والسفر حول العالم.

نُشرت السيرة الذاتية للسيدة باين على نطاقٍ محدودٍ في عام 1979 بعنوان "يد الصبَّاغ" The Dyer’s Hand، ثم نُشرت لعموم القُرَّاء في عام 1984، تحت عنوان «سيسيليا باين جابوشكين»Cecilia Payne-Gaposchkin، وهي عملٌ يستحق القراءة، حيث يُبرز بمنظور باين الشخصي جوانب حياتها المتعددة، كما يُسلِّط الضوء على تفاعلاتها مع زملائها بالمرصد، ومن بينهم الفتيات اللائي كنَّ بمنزلة «حواسيب بشرية» في معالجتهن للبيانات الفلكية. كما أُوصي أيضًا بالاطلاع على حوارها مع برنامج التاريخ الشفوي، التابع للمعهد الأمريكي للفيزياء، الذي أجراه معها أوين جينجريتش، عالِم الفلك والمؤرخ بجامعة هارفارد في عام 1986 (انظر:  go.nature.com/37nm0vr). يرصد هذا الحوار ما كانت تتمتع به من حيوية وقدرة نادرة على التحدث مستخدِمةً جملًا مُركّبة، وبالغة الدقة.

جوسيبينا فابيانو من كبار علماء الفيزياء الفلكية في مركز هارفارد-سميثسونيان للفيزياء الفلكية في كامبريدج بولاية ماساتشوستس، ومديرة قسم نظم البيانات بمركز تشاندرا للأشعة السينية.

البريد الإلكتروني: gfabbiano@cfa.harvard.edu