أنباء وآراء

طريقتان لإصلاح تلف الحمض النووي الناجم عن الكحول

يمكن لناتجٍ ثانوي من نواتج لمعالجة الأيضية للكحول داخل الجسم أن يتسبب في تلفٍ بالجينوم، عن طريق إنشاء روابط بين أشرطة الحمض النووي المتقابلة. وقد يؤدي اكتشاف آليةً آمنة لإصلاح هذا التلف إلى فتح الطريق أمام سبل بحثية جديدة لتطوير عقاقير لعلاج تلك الحالة.

آيرين جالينا، وجوليان بي. داكسين

  • Published online:

إنّ الألدهيدات هي جزيئاتٌ تتسم بميلها الشديد إلى التفاعل كيميائيًّا، ويمكنها دخول الجسم من البيئة المحيطة، وتستطيع عمليات الأيض الخلوية إنتاجها أيضًا. وأحد الألدهيدات المرتبطة بصحة الإنسان هو الأسيتالديهيد، الذي ينتج حينما تعالج الخلايا ما يتناوله الإنسان من كحول. وإذا تراكم الأسيتالديهيد في الخلايا، فإنَّه يتفاعل مع الحمض النووي، ويمكنه أن يربط شريطين منه ببعضهما البعض، وهو ما يُسفِر عن نوعٍ من التلف ضارّ للغاية، يُعرف باسم الروابط بين أشرطة الحمض النووي1 (ICLs). وتُنتج تلك الروابط أيضًا بواسطة العديد من العقاقير المضادة للسرطان لقتل الخلايا السرطانية. وفي بحثٍ نُشر مؤخرًا في دورية Nature، أشار هودسكينسون وآخرون2 إلى اكتشاف آليةٍ لإصلاح الروابط المُنشأة بين أشرطة الحمض النووي بواسطة الأسيتالديهيد، وهي آلية أكثر أمانًا من النهج الشائع المُتبَّع لعلاج هذا التلف.

يرتبط العجز عن إصلاح روابط ICLs بالمرض الوراثي النادر المُسمَّى «أنيميا فانكوني» Fanconi anaemia، المعروف اختصارًا باسم FA. تنتج تلك الحالة المرضية عن طفرات في أيٍ من جينات FANC، البالغ عددها 22 جينًا، وتُشَفِّر البروتينات التي تسهم في إصلاح روابط ICLs3. ويعاني المصابون بمرض «أنيميا فانكوني» من عدم استقرار الجينوم، وفشل نخاع العظام، والشيخوخة المبكرة، كما تزيد احتمالات إصابتهم بالسرطان. ومنذ سبعينيات القرن الماضي، أدرك العلماء أنَّ خلايا المصابين بذلك المرض شديدة التأثر بالعقاقير المحفزة لتكوُّن الروابط بين أشرطة الحمض النووي4، لكنَّهم لم يعثروا على أدلةٍ جينية5 تشير إلى كون تلف الحمض النووي الناجم عن الأسيتالديهيد هو أحد العوامل الرئيسة المسببة لمرض «أنيميا فانكوني» إلا بحلول عام 2011. ولم تكن آلية إصلاح هذا التلف معروفة بعد.

وتجلَّت بعد ذلك الحاجة إلى إزالة الأسيتالديهيد من الخلايا، لمنع هذا التلف (الآفات) بالحمض النووي بعد اكتشاف نظام حماية من مستويين داخل الأجسام الحية للفئران يحميها من هذا الجزيء شديد التفاعل5. يتضمن المستوى الأول من الحماية إنزيم aldehyde dehydrogenase 2، المعروف اختصارًا باسم ALDH2، الذي يحول الأسيتالديهيد إلى جزيئات أسيتات غير ضارة (الشكل 1). ومن الشائع وجود هذا الإنزيم خاملًا لدى كثير من أفراد الشعوب الآسيوية، ويكون ذلك مرتبطًا بارتفاع نسبة الإصابة بالسرطانات الناجمة عن تناول الكحوليات6. أما المستوى الثاني من الحماية، فيتمثل في إصلاح تلف الحمض النووي الناتج عن الأسيتالديهيد.

شكل 1 |  الدفاعات الخلوية ضد الأسيتالديهيد. عندما يتناول البشر الكحول، فإنه يتحوَّل في الكبد إلى مركّب الأسيتالديهيد السام بواسطة إنزيم alcohol dehydrogenase، المعروف اختصارًا باسم ADH. ويمكن أن يتكون الأسيتالديهيد عن طريق عملياتٍ أيضية أخرى، أو قد يدخل الجسم من البيئة المحيطة (غير مُبيَّن بالشكل). ويعمل إنزيمٌ آخر على إزالة سموم الأسيتالديهيد، وهو إنزيم aldehyde dehydrogenase 2، المعروف اختصارًا باسم ALDH2، لكن أحيانًا يتراكم الأسيتالديهيد في الخلايا، ويُكوِّن داخلها روابط بين القواعد في جزيئات الحمض النووي. ويمكن إصلاح هذا التلف عن طريق مسار «أنيميا فانكوني»، في عمليةٍ تتضمن قص الحمض النووي على أحد جانبي الرابطة، لكنَّ قص الحمض النووي عمليةٌ قد تكون خطيرةً، ويمكن أن تؤدي إلى إعادة ترتيب الكروموسومات والإصابة بالسرطان. وفي هذه الدراسة، يشير هودسكينسون وزملاؤه2 إلى اكتشاف مسارٍ ثانٍ لإصلاح الروابط بين أشرطة الحمض النووي ICLs، تُقص فيه الرابطة نفسها، وليس أحد شريطي الحمض النووي. وتعيد تلك الآلية إحدى القاعدتين اللتين تكونت بينهما الرابطة إلى حالتها السابقة، بينما تترك ناتجًا كيميائيًّا على الأخرى. وبهذا، تمنع عملية الإصلاح هذه إعادة ترتيب الكروموسومات.

شكل 1 |  الدفاعات الخلوية ضد الأسيتالديهيد. عندما يتناول البشر الكحول، فإنه يتحوَّل في الكبد إلى مركّب الأسيتالديهيد السام بواسطة إنزيم alcohol dehydrogenase، المعروف اختصارًا باسم ADH. ويمكن أن يتكون الأسيتالديهيد عن طريق عملياتٍ أيضية أخرى، أو قد يدخل الجسم من البيئة المحيطة (غير مُبيَّن بالشكل). ويعمل إنزيمٌ آخر على إزالة سموم الأسيتالديهيد، وهو إنزيم aldehyde dehydrogenase 2، المعروف اختصارًا باسم ALDH2، لكن أحيانًا يتراكم الأسيتالديهيد في الخلايا، ويُكوِّن داخلها روابط بين القواعد في جزيئات الحمض النووي. ويمكن إصلاح هذا التلف عن طريق مسار «أنيميا فانكوني»، في عمليةٍ تتضمن قص الحمض النووي على أحد جانبي الرابطة، لكنَّ قص الحمض النووي عمليةٌ قد تكون خطيرةً، ويمكن أن تؤدي إلى إعادة ترتيب الكروموسومات والإصابة بالسرطان. وفي هذه الدراسة، يشير هودسكينسون وزملاؤه2 إلى اكتشاف مسارٍ ثانٍ لإصلاح الروابط بين أشرطة الحمض النووي ICLs، تُقص فيه الرابطة نفسها، وليس أحد شريطي الحمض النووي. وتعيد تلك الآلية إحدى القاعدتين اللتين تكونت بينهما الرابطة إلى حالتها السابقة، بينما تترك ناتجًا كيميائيًّا على الأخرى. وبهذا، تمنع عملية الإصلاح هذه إعادة ترتيب الكروموسومات.

كبر الصورة

ولأنَّ تثبيط كلٍّ من جينات FANC، وALDH2 يلخص سمات مرض «أنيميا فانكوني» لدى الفئران، يُعتقد أنَّ الروابط بين أشرطة الحمض النووي ICLs هي تلك الآفات السامة للخلايا (القاتلة لها) التي تنشأ بواسطة الأسيتالديهيد5. ومما يؤيد هذا الرأي ملاحظة أن شدة مرض «أنيميا فانكوني» ترتبط7 بوجود طفرةٍ في جين ALDH2 لدى اليابانيين المصابين بالمرض، إلا أنه ليس بالإمكان دراسة تلك الروابط بين أشرطة الحمض النووي مباشرةً في الأنظمة الخلوية أو الأنظمة داخل الأجسام الحية باستخدام التقنيات المتاحة حاليًّا. ومن ثمّ، يظل التساؤل مطروحًا بشأن ما إذا كانت تلك الروابط الناجمة عن الأسيتالديهيد تتراكم لدى المصابين بمرض «أنيميا فانكوني»، أم لا.

وثمة نظامٌ مختبري خالٍ من الخلايا مُستمَد من بيض الضفادع8 أشارت إليه أبحاث سابقة كان مستخدَمًا على نطاقٍ واسع لدراسة الآليات الكامنة وراء إصلاح الروابط الناشئة بين أشرطة الحمض النووي، نتيجة عوامل أخرى، من بينها عقار «سيسبلاتين» cisplatin المستخدَم في علاج السرطان9. يتيح هذا النظام تحليل جزيئات الحمض النووي، التي تحتوي على آفة وحيدة في الحمض النووي في موقعٍ معين. وفي حالة الروابط الناشئة بسبب عقار «سيسبلاتين»، كشف هذا النظام الخالي من الخلايا آلية إصلاحٍ متطورة تعتمد على بروتينات FANC10،9. ويتطلّب هذا النمط في إصلاح التلف نسخ الحمض النووي، وقص أشرطته من أجل «تحرير» الروابط وإزالتها (الشكل 1).

وفي دراسة هودسكينسون وزملائه، عكف الباحثون على مواجهة التحدي الهائل المتمثل في تخليق جزيء حمض نووي يحتوي على رابطة ICL وحيدة في موقع معين، وناجمة عن الأسيتالديهيد، ثم درسوا كيفية إصلاح هذا التلف في النظام الخالي من الخلايا. وتبيَّن لهم أنَّ عملية الإصلاح تتطلب مسارًا نشطًا لـ«أنيميا فانكوني» FA pathway (وهي آلية تتضمن بروتينات FANC). ويتفق ذلك مع الأدلة الجينية التي تشير إلى أنَّ بروتينات FANC ضرورية في نظام الحماية ذي المستويين، الذي يقي من التلف الناجم عن الأسيتالديهيد، غير أن الباحثين اكتشفوا -على نحو غير متوقع- أنَّ حوالي نصف الروابط بين أشرطة الحمض النووي قد جرى إصلاحها بواسطة آليةٍ أخرى أسرع. وكشف المزيد من البحث أنَّ هذه الآلية الأخرى تتضمن أيضًا نسخ الحمض النووي، لكنَّها مستقلة عن مسار «أنيميا فانكوني».

ومن المثير للدهشة أنَّه في آلية الإصلاح السريعة تلك، لا تُقص أشرطة الحمض النووي؛ وإنما تُقص رابطة ICL نفسها من الداخل على الأرجح. ويترتّب على نمط الإصلاح هذا تحول الرابطة إلى قاعدةٍ سليمة لم تتضرر على أحد شريطي الحمض النووي، لكنَّه يترك ناتجًا كيميائيًّا إضافيًّا على الشريط الآخر (الشكل 1)، ويمكن للإنزيمات المتخصصة في نسخ الحمض النووي أن تتجاوز ذلك الناتج، لإتمام عملية الإصلاح. وتذكِّرنا هذه الآلية بالآلية التي تصلح الروابط الناشئة بين أشرطة الحمض النووي ICLs، نتيجة عقار «السورالين»11 psoralen، لكنَّها تتضمَّن إنزيماتٍ مختلفة. وبتجنُّب قص الحمض النووي -وهو إجراء مصحوب بعمليات إعادة ترتيب للجينوم، التي تُعَد إحدى السمات المميزة للسرطان والشيخوخة- تحظى آلية الإصلاح السريع بميزةٍ مهمة، مقارنةً بآلية مسار «أنيميا فانكوني». وبهذا.. تقدم النتائج التي توصّل إليها هودسكينسون وزملاؤه مجتمعةً لمحةً شاملة حول كيفية إزالة الروابط الناشئة بين أشرطة الحمض النووي، نتيجة الأسيتالديهيد، وتعزز كذلك فكرة إسهام تلك الآفات في الإصابة بمرض «أنيميا فانكوني».

ولم يحدد الباحثون بروتينًا بعينه بوصفه المسؤول عن قص الروابط في آلية الإصلاح التي اكتشفوها مؤخرًا. لذا، لا يسعنا سوى التكهُّن بما إذا كان القص يحدث تلقائيًّا، نتيجةً لقوى ميكانيكية ناشئة أثناء عملية النسخ خلال فك الحمض النووي، أم أنَّه نتيجةً لنشاطٍ إنزيمي. وإذا كان القص ناتجًا بالفعل عن عمليةٍ إنزيمية، فإنَّ تحديد مكونات المسار المسؤول عن تلك العملية سيمثل تحديًا كبيرًا، لكنَّه يمكن أن يتيح فُرصًا لتطوير علاجات؛ إذ إنَّ تحفيز هذا المسار ربما يخفف حدة أعراض «أنيميا فانكوني»، أو يقلل معدلات الإصابة بالسرطانات الناجمة عن تناول الكحوليات.

إن تحديد البروتين (البروتينات) الذي يسهم في قص الروابط سيتيح للباحثين إجراء تجارب داخل الأجسام الحية، لاختبار ما إذا كان وجود عائق أمام آلية الإصلاح البديلة سيزيد من سُميّة الأسيتالديهيد، أم لا، لا سيَّما في الظروف التي لا تزيل فيها عمليات الأيض سموم هذا الجزيء. وإضافة إلى ذلك، فإنَّ طفرات الجينات المُشفِّرة للبروتينات التي تسهم في وظيفة هذا المسار قد تكشف عن وجود مجموعةٍ جديدة من الأشخاص المصابين باضطرابٍ مشابه لمرض «أنيميا فانكوني». وفي الوقت الحالي، تؤكّد دراسة هودسكينسون وزملائه على حاجتنا إلى تطوير وسائل اختبار أفضل لدراسة الروابط بين أشرطة الحمض النووي ICLs، وغيرها من أنواع تلف الحمض النووي في الخلايا. وبدراسة آليات إصلاح أضرارٍ بعينها تصيب الحمض النووي بفعل مركّباتٍ مثل الأسيتالديهيد -أو غيره من المطفرات التي تنشأ في الجسم- سنكتشف -على الأرجح- آليات دفاع خلوية أخرى تحمينا من تَلَف الحمض النووي المتسبب في موت الخلايا.

References

  1. Wang, M. et al. Chem. Res. Toxicol. 13, 1149–1157 (2000). | article
  2. Hodskinson, M. R. et al. Nature 579, 603–608 (2020). | article
  3. Fiesco-Roa, M. O., Giri, N., McReynolds, L. J., Best, A. F. &Alter, B. P. Blood Rev. 37, 100589 (2019). | article
  4. Sasaki, M. S. & Tonomura, A. Cancer Res. 33, 1829–1836(1973). 
  5. Langevin, F., Crossan, G. P., Rosado, I. V., Arends, M. J. &Patel, K. J. Nature 475, 53–58 (2011). | article
  6. Chang, J. S., Hsiao, J.-R. & Chen, C.-H. J. Biomed. Sci. 24, 19 (2017). | article
  7. Hira, A. et al. Blood 122, 3206–3209 (2013) | article
  8. Walter, J., Sun, L. & Newport, J. Mol. Cell 1, 519–529(1998). | article
  9. Räschle, M. et al. Cell 134, 969–980 (2008) | article
  10. Knipscheer, P. et al. Science 326, 1698–1701 (2009). | article
  11. Semlow, D. R., Zhang, J., Budzowska, M., Drohat, A. C. &Walter, J. C. Cell 167, 498–511 (2016). | article

آيرين جالينا، وجوليان بي. داكسين يعملان بكلية الصحة والعلوم الطبية، مركز مؤسسة نوفو نورديسك لأبحاث البروتينات، جامعة كوبنهاجن، DK-2200 كوبنهاجن، الدنمارك. 

بريد إلكتروني: julien.duxin@cpr.ku.dk