أنباء وآراء

فهم إشارات بيروكسيد الهيدروجين

 اكتشاف مستشعرٍ قادر على رصد بيروكسيد الهيدروجين على سطح الخلية يُقدم رؤى جديدة حول الآليات التي تستخدمها خلايا النبات في إدراك الإجهاد البيئي والاستجابة له. 

كريستين إتش. فوير

  • Published online:

تلعب الجزئيات المتفاعلة كيميائيًّا، التي تحتوي على الأكسجين، والتي يُطلق عليها اسم «نوع الأكسجين التفاعلي» ROS، دورًا جوهريًّا في أداء الخلايا لوظائفها. وتنتج خلايا النباتات أنواع أكسجين تفاعلية مختلفة، من بينها بيروكسيد الهيدروجين (H2O2)، الذي يؤدي دورًا رئيسًا في التأشير الخلوي، ويجري إنتاجه في فراغ خارج الخلية، يقع بين غشاء البلازما، والجدار الخلوي، يُطلَق عليه اسم «الممر الخلوي الغشائي» apoplast، استجابةً لمجموعة من العوامل، من بينها المُجهدات، والهرمونات النباتية، مثل حمض الأبسيسيك، والتغيرات الفيزيائية أو الكيميائية التي تحدث خارج الخلية1، لكنْ ليس معلومًا ما إذا كان استشعار بيروكسيد الهيدروجين خارج الخلوي (eH2O2) يَحْدُث على سطح الخلية، أم لا، وكيفية حدوث ذلك، إذا كان يحدث. وفي بحث نُشر في دورية Nature الدولية، يُحدِّد وو وزملاؤه2 أول مُستقبِل معروفٍ لبيروكسيد الهيدروجين على سطح الخلية.

يعمل الممر الخلوي الغشائي والجدار الخلوي كسطح بيني ديناميكي بين خلايا النبات، والعالم الخارجي بجميع مخاطره، وتحدياته، وفرصه. ينتقل بعض من بيروكسيد الهيدروجين خارج الخلوي (eH2O2) من الممر الخلوي الغشائي إلى السيتوبلازم عبر بروتينات قنوية تسمَّى «الأكوابورينات»3 aquaporins، لكنْ على عكس السيتوبلازم، يحتوي الممر الخلوي الغشائي على عدد قليل نسبيًّا من الجزيئات التي تقاوِم عملية الأكسدة1. ولذا بإمكان أنواع الأكسجين التفاعلية، ومن بينها بيروكسيد الهيدروجين، أن تظل حية في الممر الخلوي الغشائي لفترة أطول بكثير من فترة بقائها حيةً في السيتوبلازم. وهذا سبب مقنع للاعتقاد بأنه يوجد مستشعر لبيروكسيد الهيدروجين خارج الخلوي داخل الممر الخلوي الغشائي.

وعلى الرغم من أننا لا نعرف إلا أقل القليل عن الهدف الأولي لبيروكسيد الهيدروجين خارج الخلوي، فإن النتائج المترتبة على إنتاجه أكثر وضوحًا بكثير4. فمِن الواضح أن بيروكسيد الهيدروجين خارج الخلوي يحفز تدفق أيونات الكالسيوم (+Ca2) إلى داخل الخلية، مما يؤدي بعد ذلك إلى نقل الإشارات بطريقة منهجية بين الخلايا في صورة موجات، وهو ما يعمل على تنشيط عمليات معينة، مثل مقاومة العوامل المسببة للأمراض، أو التكيف مع الإجهاد في مختلف أجزاء النبات5. وإضافة إلى ذلك، تعمل إشارات بيروكسيد الهيدروجين خارج الخلوي على تنظيم النمو المستقطَب لأنابيب حبوب اللقاح، والشُعيرات الجذرية6، كما تتحكم في عملية فتح الثغور وغَلْقها3؛ وهي مسام على الطبقة الخارجية لأوراق النبات تُشكِّلها خليتان حارستان. وتسمح هذه الثغور بعبور حر للجزيئات، مثل ثاني أكسيد الكربون والأكسجين، إلى داخل النبات عند فتحها، ويمكن أن تُغلق لمنع فقدان النبات للماء.

شرع وو وزملاؤه في تحديد مُستقبِلات بيروكسيد الهيدروجين خارج الخلوي الموجودة على سطح الخلية، التي تحفز تأشير أيونات الكالسيوم باستخدام نهج «متطور» قائم على الفحص الجيني. عالَج الباحثون بذور نبات «رشاد أذن الفأر»Arabidopsis thaliana  بمادة كيميائية تحفز تطفُّر الحمض النووي، ثم أجروا فحصًا للنباتات الناتجة لتحديد النباتات الطافرة التي أظهرت تدفقًا منخفضًا لأيونات الكالسيوم، استجابةً لبيروكسيد الهيدروجين، وأطلقوا على النباتات الطافرة اسم «زيادات أيونات الكالسيوم المستحثة ببيروكسيد الهيدروجين 1» hpca1.

تعرَّف الباحثون بعد ذلك على بروتين HPCA1، وأشاروا إلى أن HPCA1 إنزيمٌ ممتد في الغشاء، ينتمي إلى فئة من البروتينات تحمل اسم «كينازات مستقبلات التكرارات الغنيّة بالليوسين (LRR)». كما أثبتت المجموعة أيضًا أنَّ بروتين HPCA1 يحتوي على زوجين مميزين من بقايا الحمض الأميني سيستين في نطاقه خارج الخلوي. ومن المعروف7 أنَّ بيروكسيد الهيدروجين يستهدف أكسدة مجموعات الثيول الموجودة في بقايا حمض السيستين. وقد أوضح الباحثون أنَّ وجود بيروكسيد الهيدروجين خارج الخلوي يؤدي إلى أكسدة بقايا السيستين خارج الخلوي ببروتين HPCA1 في الخلايا الحارسة. وهذا التعديل يعمل على تفعيل نشاط كيناز داخل الخلايا لبروتين HPCA1، وهو ما يُحفِّز تنشيط قناة أيونات الكالسيوم، وتدفق تلك الأيونات، ويلي ذلك انغلاق الثغور (شكل 1).

شكل 1 | بروتين HPCA1. حدَّد وو وزملاؤه2 أول مستشعِر خارج خلوي لبيروكسيد الهيدروجين (H2O2) في النباتات، وهو بروتين HPCA1. يحظى هذا البروتين بنطاق داخل خلوي لإنزيم الكيناز، وأيضًا بنطاق خارج خلوي يبرُز في الممر الخلوي الغشائي؛ وهو الحيّز الموجود بين غشاء البلازما لخلية النبات، وجدارها الخلوي. ويحتوي بروتين HPCA1 على زوجين مميزين من بقايا الحمض الأميني سيستين. وقد أثبت الباحثون أنَّ بيروكسيد الهيدروجين يعمل على أكسدة مجموعات الثيول (غير مبينة بالشكل) الموجودة على هذه البقايا، ما يؤدي إلى تكوين حمض السلفنيك (SOH) -غير مبين بالشكل- وروابط ثنائية السلفيد. وتُحدِث عملية الأكسدة هذه تغيرًا في الشكل الفراغي، ونشاطًا لإنزيم الكيناز؛ الأمر الذي يؤدي بدوره –عبر آليات غير معلومة– إلى فتح قنوات أيونات الكالسيوم (+Ca2)، وتدفق تلك الأيونات إلى داخل الخلية، وهو ما يحفز مسارات تأشير داخلية ومنهجية.

شكل 1 | بروتين HPCA1. حدَّد وو وزملاؤه2 أول مستشعِر خارج خلوي لبيروكسيد الهيدروجين (H2O2) في النباتات، وهو بروتين HPCA1. يحظى هذا البروتين بنطاق داخل خلوي لإنزيم الكيناز، وأيضًا بنطاق خارج خلوي يبرُز في الممر الخلوي الغشائي؛ وهو الحيّز الموجود بين غشاء البلازما لخلية النبات، وجدارها الخلوي. ويحتوي بروتين HPCA1 على زوجين مميزين من بقايا الحمض الأميني سيستين. وقد أثبت الباحثون أنَّ بيروكسيد الهيدروجين يعمل على أكسدة مجموعات الثيول (غير مبينة بالشكل) الموجودة على هذه البقايا، ما يؤدي إلى تكوين حمض السلفنيك (SOH) -غير مبين بالشكل- وروابط ثنائية السلفيد. وتُحدِث عملية الأكسدة هذه تغيرًا في الشكل الفراغي، ونشاطًا لإنزيم الكيناز؛ الأمر الذي يؤدي بدوره –عبر آليات غير معلومة– إلى فتح قنوات أيونات الكالسيوم (+Ca2)، وتدفق تلك الأيونات إلى داخل الخلية، وهو ما يحفز مسارات تأشير داخلية ومنهجية.

كبر الصورة

وفي غياب بيروكسيد الهيدروجين خارج الخلوي، لم تُظهِر نبتات hpca1 أي اختلافات عن النبتات برية النوع. إلا أن خلاياها الحارسة كانت أقل حساسيةً لبيروكسيد الهيدروجين خارج الخلوي، مقارنةً بالخلايا الحارسة في النبتات برية النوع، حيث أظهرت مستويات أقل من تدفق أيونات الكالسيوم استجابةً لبيروكسيد الهيدروجين خارج الخلوي. لذا، من الضروري وجود بروتين HPCA1، من أجل تحويل إشارة بيروكسيد الهيدروجين خارج الخلوي إلى استجابة فسيولوجية. وإضافة إلى ذلك، كان الإنتاج المعتمِد على حمض الأبسيسيك لبيروكسيد الهيدروجين خارج الخلوي بواسطة الخلايا الحارسة معيبًا في نباتات hpca1 الطافرة. وتجدر الإشارة إلى أنَّ وظيفة بروتين HPCA1 في تأشير بيروكسيد الهيدروجين خارج الخلوي لم تكن مقتصرة على الخلايا الحارسة، وقدّم الباحثون أدلة على أنَّ تأشير بيروكسيد الهيدروجين خارج الخلوي يساعد على نقل إشارات بيئية إلى أنوية أنواع متعددة من الخلايا، من أجل تنظيم التعبير الجيني.

تؤدي أكسدة السيستين بواسطة بيروكسيد الهيدروجين إلى تكوُّن حمض السلفنيك (SOH)، الذي يلعب دورًا محوريًّا في تأشير الاختزال-الأكسدة redox. وتُعد أحماض السلفنيك وسائط غير مستقرة إلى حد ما، يمكن أن تخضع لمزيد من الأكسدة لتتحول إلى حمض السلفينيك (SO2H) وحمض السلفونيك (SO3H)، أو يمكن أن تتعرض إلى «تفاعلات تبادلية» لتكوِّن روابط ثنائية السلفيد. ولكي يؤدي بروتين HPCA1 وظيفته كمُستقبِل لبيروكسيد الهيدروجين خارج الخلوي على النحو المناسب، لا بد أن تكون عملية أكسدة السيستين قابلة للانعكاس بسهولة، بحيث يُعاد تكوين بقايا الثيول التي يمكن أكسدتها مرة أخرى، غير أنَّ العوامل التي تلعب دورًا وسيطًا في اختزال بروتين HPCA1 المؤكسد غير معروفة. وأحد العوامل المرشحة لهذا الدور هو نظام مرتبط بغشاء لنقل الإلكترونات، مثل ذلك الذي يعمل على اختزال أحد الأشكال المؤكسَدة لجزيء حمض الأسكوربيك المضاد للأكسدة في الممر الخلوي الغشائي8. وتُعد البروتينات المرتبطة بغشاء وبروتينات الممر الخلوي الغشائي الشبيهة بالثيوردوكسين أيضًا من العوامل المرشحة المُفترضَة؛ باعتبار أنَّ الثيوردوكسين عامل اختزال محدد جيدًا لبقايا السيستين المؤكسَدة من البروتينات.

اكتشف وو وزملاؤه آلية لاستشعار بيروكسيد الهيدروجين خارج الخلوي بوساطة مستقبلات الكيناز، لا تُماثِل أيًّا من المستقبلات أو المستشعرات المعروفة لبيروكسيد الهيدروجين خارج الخلوي المكتشَفة في كائنات حية أخرى. ومع ذلك، قد يكون بروتين HPCA1 جزءًا من مجموعة أوسع بكثير من المستشعرات التي تستخدمها النباتات في إدراك التغيرات البيئية والاستجابة لها من خلال إشارات أنواع الأكسجين التفاعلية. وقد كان تحديد تلك المستقبِلات مهمةً بالغة الصعوبة لأسباب كثيرة، أبرزها انتماء العوامل المرشحة المحتملة إلى فئات كبيرة للغاية من البروتينات. وسوف تكون الفحوص المعقدة –كتلك التي استخدمها وو وزملاؤه– ضرورية لاستخلاص العوامل التي تنتمي إلى تلك الفئات وتلعب دورًا في استشعار أنواع الأكسجين التفاعلية وتأشيرها. وبمجرد تحديد تلك المستشعرات، سوف يصبح من السهل نسبيًّا تعديل خصائصها لإنتاج نباتات ومحاصيل نموذجية تتمتع –على سبيل المثال– بحساسية زائدة أو منخفضة لإشارات بيروكسيد الهيدروجين البيئية، ومن ثم تُظهِر قدرة معدَّلة على تحمُّل التهديدات البيئية.

لا يتحكم بيروكسيد الهيدروجين وحده في تنظيم عملية إغلاق الثغور؛ بل يحدث ذلك أيضًا استجابةً لارتفاع نِسَب ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي9،3. ومن ثم، سيكون من المثير للاهتمام معرفة الكيفية التي تؤدي بها بروتينات مثل HPCA1 وظيفتها في شبكات تأشير تفاعلات الاختزال والأكسدة، التي من المرجح أن تؤهل النباتات للحياة في عالَم مستقبلي ترتفع فيه نِسَب ثاني أكسيد الكربون. فارتفاع نِسَب ثاني أكسيد الكربون يمكن أن يُحفِّز عملية التمثيل الضوئي، ويُثبط عملية التنفس الضوئي؛ والتغيرات التي تحدث في نسبة التمثيل الضوئي إلى التنفس الضوئي تؤثر تأثيرًا واسع المدى على توازن تفاعلات الاختزال والأكسدة الخلوية، نظرًا إلى أنَّ عملية التنفس الضوئي تنتج جزيء بيروكسيد هيدروجين في عُضيّة واحدة (الجسيم التأكسدي) لكل جزيء أكسجين يجري تمثيله في عضية أخرى (البلاستيدات الخضراء) أثناء عملية التمثيل الضوئي. وربما كانت هناك مستشعرات أخرى لبيروكسيد الهيدروجين تعمل جنبًا إلى جنب مع بروتين HPCA1 لنقل رسائل تفاعلات الاختزال والأكسدة الخاصة بكل عُضيّة إلى النواة، إضافةً إلى الرسائل الواردة من الوجه الخارجي إلى غشاء البلازما.

References

  1. Foyer, C. H. & Noctor, G. Plant Cell Environ. 39, 951–964 (2016). | article
  2. Wu, F. et al. Nature 578, 577–581 (2020). | article
  3. Rodrigues, O. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 114, 9200–9205 (2017). | article
  4. Smirnoff, N. & Arnaud, D. New Phytol. 221, 1197–1214 (2019). | article
  5. Choi, W.-G., Miller, G., Wallace, I., Harper, J., Mittler, R. & Gilroy, S. Plant J. 90, 698–707 (2017). | article
  6. Mangano, S. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 114, 5289–5294 (2017). | article
  7. Paulsen, C. E. & Carroll, K. S. Chem. Rev. 113, 4633–4679 (2013). | article
  8. Foyer, C. H., Kyndt, T. & Hancock, R. D. et al. Antioxid. Redox Signal. https://doi.org/10.1089/ars.2019.7819 (2020). | article
  9. Melotto, M., Zhang, L., Oblessuc, P. R. & He, S. Y. Plant Physiol. 174, 561–571 (2017). | article

كريستين إتش. فوير تعمل بكلية العلوم البيولوجية، كلية العلوم الحياتية والبيئية بجامعة برمنجهام، إدجباستون B15 2TT، المملكة المتحدة. البريد الإلكتروني: c.h.foyer@bham.ac.uk