أنباء وآراء

الليزر الكَمِّي التعاقبي يوجد عند الحافة  

تُنتِج الأجهزة المعروفة باسم أجهزة الليزر الكَمِّي التعاقبي إشعاع تيراهرتز مفيدًا، لكنها عادة ما تكون حساسة للغاية لعيوب التصنيع. وقد أمكن مؤخرًا التغلب على هذا القصور باستخدام خاصية تُسمى «المتانة الطوبولوجية». 

سونيل ميتال وإيدو واكس

  • Published online:

للموجات الكهرومغناطيسية التي تقع تردداتها في نطاق التيراهرتز (300 جيجاهرتز إلى 10 تيراهرتز) تطبيقات في العديد من المجالات، من التصوير بالأشعة والفحص الأمني إلى علوم الغلاف الجوي والعلوم البيولوجية. وتوفر أجهزة أشباه الموصلات التي تُسمى «الليزر الكَمِّي التعاقبي» quantum cascade lasers (QCLs) أكثر الطرق إحكامًا وكفاءة لتوليد إشعاعات تيراهرتز. وداخل أجهزة الليزر الكَمِّي التعاقبي تتخذ طاقات الإلكترونات ترتيبًا تعاقبيًّا تنازليًّا متدرجًا عبر سلسلة من مستويات الطاقة الكمية المنفصلة، وينبعث منها فوتون في كل خطوة1، لكنّ أجهزة الليزر الكمي التعاقبي –كحال جميع أشباه الموصلات الليزرية المدمجة- حساسة لعيوب التصنيع؛ مما يؤدي إلى تفاوت نتائج تردد مخرجات الليزر من جهاز إلى جهاز آخَر. وفي بحث نُشر في دورية Nature، يشير زنج وزملاؤه2 إلى صُنع جهاز ليزر كَمِّي تعاقبي في نطاق التيراهرتز، يخلو من هذا العيب. ويفتح هذا الإنجازُ البابَ أمام تصنيع أجهزة ليزر تيراهرتز وإلكترونيات بصرية تتمتع باستقرار غير مسبوق، وقابلية لإعادة الإنتاج.

تَستخدِم أجهزة الليزر عملية تُعرَف باسم «التغذية المرتدة البصرية» من أجل تعزيز كثافة الضوء، وتحفيز الإلكترونات على إطلاق الفوتونات. وثمة طريقة شائعة لاستخدام هذه التغذية المرتدة، تُستخدم فيها بِنْية تُسمى «التجويف البصري»، وتتكون عادةً من مرايا تعكس الضوء المنبعث مرة أخرى إلى الجهاز. إلا أن أجهزة الليزر المُدمجة تَستخدِم بِنى أكثر تعقيدًا، مثل البلورات الضوئية؛ وهي مواد ذات مُعامل انكسار يتغير دوريًّا. وإذا جرى تصميم هذه الدورية بعناية، يمكن استخدام البلورات الضوئية لتعكس موجات الضوء ذات التردد المطلوب فقط، وبذا تتحقق المعالجة الليزرية3. غير أن هذا النهج حساس للغاية للخلل؛ لأنّ أي عيوب في البلورات الضوئية تسبب انعكاسات تؤدي إلى موجات ذات ترددات غير مرغوبة، تتنافس مع الموجات المطلوبة، مما يؤدي إلى عدم استقرار كثافة الضوء، وضعف كفاءة الليزر.

وقد شهدت السنوات القليلة الماضية ظهور بِنى ضوئية «طوبولوجية»، بوصفها وسيلة لصنع أجهزة ضوئية غير حساسة للخلل. وقد نشأ هذا المجال البحثي من تطوُّر مفاهيم فيزياء المواد المُكثَّفة. فقد تمكّن علماء فيزياء المواد المكثفة، على مدى العقدين الماضيين، من استخدام الأوصاف الرياضية للتناظرات والطوبولوجيا في توصيف أشكال مختلفة للمادة. وتُعتبر المواد الغريبة المعروفة باسم "العوازل الطوبولوجية"4 ذات أهمية خاصة للأبحاث الحالية.

وهذه المواد -كما هو واضح من اسمها- هي مواد عازلة؛ أي أنها لا توصل الكهرباء في داخلها، غير أنها تستضيف عند حدودها حالات إلكترونية ذات قدرة توصيلية. ويمكن لهذه الحالات الحدودية أن تحمل التيار الكهربي في اتجاه واحد فقط، ولذا، فهي تتسم بالمتانة ضد الخلل الذي من شأنه أن يؤدي إلى تشتيت ناقلات الشحنة الكهربية، لولا وجود هذه الحالات. وتُعَد متانة هذه الحالات الحدودية من مظاهر الخصائص الطوبولوجية الشاملة للمادة. فالعوازل الطوبولوجية غير حساسة على الإطلاق للخلل، إلى حد أنها كانت تُستخدَم سابقًا لتحديد وحدة المقاومة (الأوم).

وعلى الرغم من أن الفيزياء الطوبولوجية نشأت في مجال الإلكترونيات، فقد بدأت تُلهِم مجال الضوئيات5. إن الخلل والتشتت أكثر إشكالية في البصريات من الإلكترونيات؛ لأن الفوتونات تُظْهِر تأثيرات تداخلية قوية يمكن أن تؤدي إلى سلوك معقد لليزر يصعب التحكم فيه. ويتيح نقل الحماية الطوبولوجية إلى المجال البصري إمكانية صُنع منظومات بصرية قوية. وبصفة خاصة، يمكن أن تبعث أجهزة الليزر الطوبولوجية الضوء بطريقة قوية تصمد في مواجهة التشتت وغيره من عواقب العيوب. بيد أن النماذج السابقة لأجهزة الليزر الطوبولوجية6-8 كانت تعمل عند ترددات أعلى من نطاق التيراهرتز.

تغلَّب زنج وزملاؤه على هذا القيد بدمج الحماية الطوبولوجية في جهاز ليزر كَمِّي تعاقبي. ولتحقيق ذلك، استخدموا نموذجًا طوبولوجيًّا يُعرف باسم «منخفض تأثير هول»، الذي يعتمد على كسر تناظر الانعكاس المكاني لشبكة بلورية9 (يتحقق تناظرها في ظل مزيج من الدوران بدرجة 180° وانعكاس المرآة). واستخدم المؤلفون تحديدًا ركيزة من أرسينيد الجاليوم-أرسينيد الألومنيوم جاليوم كمادة تجميع؛ أي الوسط الذي يحدث فيه تضخيم الضوء. وكانت هذه الركيزة تحتوي على بِنى شبه موصلة ذات طبقات تُسمى «الآبار الكمية»، صُمِّمَت لدعم المعالجة الليزرية الكَمّية التعاقبية.

حفر الباحثون شبكة مثلثة من الفجوات في مادة التجميع (الشكل 1). وقد أدّت تناظرات هذه الشبكة إلى ظهور منخفضين في بِنْية نطاق الطاقة-الزخم؛ وهي العلاقة بين طاقة الفوتونات وزخمها في المادة. وصنع الباحثون الفجوات على شكل شبه سداسي، بحيث كسروا التناظر المكاني-الانعكاسي للشبكة، وجعلوا المنخفضين متكافئين طوبولوجيًّا. وأدّى ذلك إلى تشكيل حالات حافة طوبولوجيّة عند السطح البيني الواقع بين الشبكتين البلورتين، حيث انقلب اتجاه الفجوات (والمنخفضات) في إحدى الشبكتين في مقابل الأخرى.

الشكل (1) تصميم ليزر طوبولوجي صنع زنج وآخرون2 جهاز ليزر يبعث إشعاع تيراهرتز من السطح البيني الواقع بين شبكتين بلورتين مثلثتين، تتكونان من فجوات شبه سداسية في مادة الركيزة. والشبكتان البلوريتان غير متكافئتين طوبولوجيًّا؛ لأن اتجاه الفجوات انقلب في إحدى الشبكتين بالنسبة إلى الأخرى، مما أدَّى إلى ظهور الحالات الضوئية الغريبة التي تسمى «حالات الحافة» edge states عند السطح البيني للشبكة البلورية. والطبيعة الطوبولوجية لحالات الحافة هذه تمنح الليزر متانة ضد عيوب التصنيع.

الشكل (1) تصميم ليزر طوبولوجي صنع زنج وآخرون2 جهاز ليزر يبعث إشعاع تيراهرتز من السطح البيني الواقع بين شبكتين بلورتين مثلثتين، تتكونان من فجوات شبه سداسية في مادة الركيزة. والشبكتان البلوريتان غير متكافئتين طوبولوجيًّا؛ لأن اتجاه الفجوات انقلب في إحدى الشبكتين بالنسبة إلى الأخرى، مما أدَّى إلى ظهور الحالات الضوئية الغريبة التي تسمى «حالات الحافة» edge states عند السطح البيني للشبكة البلورية. والطبيعة الطوبولوجية لحالات الحافة هذه تمنح الليزر متانة ضد عيوب التصنيع.

كبر الصورة

استخدم زنج وزملاؤه حالات الحافة الطوبولوجيّة هذه لتصميم وتصنيع دائرة رنين قوية (وهي نوع من التجويف البصري الذي يحبس الضوء في ترددات «رنين» معينة) على شكل مثلث (الشكل 1). وهذا التجويف المثلث -إلى جانب تضخيم الضوء من مادة الركيزة- هو الذي يُشكِّل جهاز الليزر الطوبولوجي. ويُنتِج الليزر ضوءًا ذا ترددات عديدة، تفصلها فجوات تردد متماثلة. وتتوافق هذه الترددات مع ترددات دائرة رنين التجويف المثلث، وتقع ضمن نطاق تردد مادة تجميع الليزر الكَمّي التعاقبي.

قاس الباحثون انبعاث الضوء من نقاط مختلفة على طول محيط التجويف، واكتشفوا أن الانبعاث عند كل نقطة له الترددات نفسها لدائرة الرنين. ويدل هذا على أن هذه الموجات انتقلت عبر طول التجويف، مجتازةً الانحناءات الحادة (60°) عند زوايا المثلث. وإضافة إلى ذلك، وجد زنج وزملاؤه أن ترددات الليزر لم تتغير عندما ظهرت العيوب، في صورة فجوات إضافية حول التجويف؛ مما يدل على متانة أجهزة الليزر الكمي التعاقبي.

يتمتع هذا الليزر بميزة رئيسة أخرى، وهي «ضخ» الطاقة في الجهاز كهربائيًّا. فقد كانت أجهزة الليزر الطوبولوجية السابقة6-8 تُضَخ بصريًّا، مما يعني أنها تتطلب مصدر ليزر آخر لحَثّ الليزر الطوبولوجي على توليد الضوء. ونظام الضخ هذا يحدّ بشدة من التطبيقات العملية، إلا أنه -على غرار العديد من أجهزة الليزر شائعة الاستخدام (مثل مؤشرات الليزر)- يمكن حث جهاز الليزر الكمي التعاقبي، الذي ابتكره زنج وزملاؤه، عن طريق تيار كهربائي مباشرة؛ مما يسمح بتشغيله -من حيث المبدأ- بواسطة بطارية، أو مقبس حائط، بدلاً من الاستعانة بجهاز ليزر آخر.

تُعتبر المتانة في مواجهة العيوب والخلل إحدى السمات المميزة للفيزياء الطوبولوجية، غير أن ثمة ملمَحًا آخر مهمًّا يكمن في نوع عدم التناظر المسمى «عدم التناظر المِرآتي». ففي منخفض تأثير هول، على وجه التحديد، يرتبط المنخفضان بفوتونات ذات استقطاب دائري معاكس على مستوى المادة. فإذا كانت الفوتونات المُستقطَبة دائريًّا إلى اليمين تنتقل إلى اليسار، فإن الفوتونات المُستقطَبة دائريًّا إلى اليسار ستنتقل إلى اليمين. ويُمثل تحقيق عدم التناظر المرآتي هذا خطوة مستقبلية حاسمة نحو أجهزة ليزر التيراهرتز الطوبولوجية، التي تتدفق فيها موجات الضوء حول دائرة رنين في اتجاه واحد فقط. ويمكن دمج عدم التناظر المرآتي إمّا عن طريق كسر تناظر عكس الزمن صراحة (وهو التناظر الذي يكون فيه عكس اتجاه موجات الضوء مكافئًا لعكس اتجاه الزمن)، أو عن طريق إدخال تضخيم الضوء الاتجاهي إلى التجويف.

تمهِّد نتائج زنج وزملائه الطريق لدراسة الطوبولوجيا في جانب من الطيف الكهرومغناطيسي، كان يتعذر الوصول إليه من قبل. ويتمثل أحد مجالات الاهتمام الكبير للبحوث المستقبلية في تطبيق نماذج طوبولوجية أخرى، مثل العوازل الطوبولوجية الغريبة (ذات المرتبة الأعلى)، لصنع أجهزة ليزر تيراهرتز قوية لديها خصائص هندسية أخرى. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تبعث أجهزة الليزر هذه الضوء عند زوايا تجويف مثلث، وليس عند حوافه.

وثمة أفق رائع آخر، يتمثل في استكشاف النظم الفيزيائية غير الهرميتية (المفتوحة) عند ترددات التيراهرتز، وهي النظم التي يؤدي تضخيم الضوء وفقدانه فيها إلى ظهور سمات معينة، مثل تناظر التكافؤ-الزمن (وهو تناظر في ظل مزيج من انعكاس المرآة وعكس الزمن)، والنقاط الاستثنائية (وهي سمات طيفية تُناظِر اندماج موجات الرنين)10. وهكذا، قد يكون تحقيق الضوئيات الطوبولوجية في نطاق التيراهرتز بمثابة عامل مُحفِّز لتطوير أجهزة عملية، إضافة إلى إتاحة فهْم أساسي أفضل للفيزياء الطوبولوجية، والإلكترونيات البصرية المعقدة (غير الخطية).

References

  1. Faist, J. et al. Science 264, 553–556 (1994). | article
  2. Zeng, Y. et al. Nature 578, 246–250 (2020). | article
  3. Baba, T. Nature Photon. 2, 465–473 (2008) | article
  4. Hasan, M. Z. & Kane, C. L. Rev. Mod. Phys. 82, 3045–3067 (2010). | article
  5. Ozawa, T. et al. Rev. Mod. Phys. 91, 015006 (2019). | article
  6. Bandres, M. A. et al. Science 359, eaar4005 (2018). | article
  7. Bahari, B. et al. Science 358, 636–640 (2017). | article
  8. St-Jean, P. et al. Nature Photon. 11, 651–656 (2017). | article
  9. Ma, T. & Shvets, G. New J. Phys. 18, 025012 (2016). | article
  10. El-Ganainy, R. et al. Nature Phys. 14, 11–19 (2018). | article

سونيل ميتال، وإيدو واكس يعملان في المعهد الكَمِّي المشترك بجامعة ميريلاند، كوليدج بارك، ميريلاند 20742، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: mittals@umd.edu؛  edowaks@umd.edu