رؤية كونية

كيف لإدارة الغذاء والدواء أن تحمي نزاهتها من المؤثرات السياسية؟

قبل الجائحة بفترةٍ طويلة، وضعت الإدارة معايير لضمان استناد قراراتها إلى أسسٍ علمية.

جوشوا شارفستين
  • Published online:

JOHNS HOPKINS BLOOMBERG SCHOOL OF PUBLIC HEALTH©

في أول يوم عمل لي بوصفي قائمًا بأعمال مُفوّض إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA)، في شهر مارس من عام 2009، أدركتُ أنني قد التحقتُ بوكالةٍ حكومية تحوم حولها الشكوك. ففي ذلك الشهر، توالَتْ التقارير الإخبارية التي تتهم الإدارة بالإخفاق في أداء دورها الأصيل، المتمثل في حماية المواطن الأمريكي من العلاجات غير الآمنة، على خلفية إجازتها جهازًا طبيًّا لعلاج المرضى، بعدما خضعَتْ "لحملة ضغطٍ غطَّت على رفض العلماء المتكرر له". وعلى الفور، قررتُ إجراء تحقيق فيما إذا كانت المؤثرات السياسية قد وضعَتْ نزاهة الوكالة على المحكّ. ومن أجل القيام بهذه المهمة، كان لا بد من الإجابة عن هذا السؤال: ما المقصود بالنزاهة في إدارة الغذاء والدواء؟

واليوم، أرى أن الإجابة عن هذا السؤال أكثر أهميةً من أي وقتٍ مضى. ففي شهر إبريل من العام الجاري، رفع أحد النُّشطاء دعوى قضائية تزعم تعرُّض الإدارة لضغطٍ غير لائق من البيت الأبيض، من أجل الترويج لعلاجٍ لمرض "كوفيد-19" لم تثبُت فعاليته (وهو عقار الملاريا "هيدروكسي كلوروكوين" hydroxychloroquine). كانت الإدارة قد أجازت الاستخدام الطارئ للعقار في شهر مارس، تحت ضغطٍ من الرئيس دونالد ترامب، ثم تراجعت عن ذلك بعد أسابيع.

وفي شهر أغسطس، وقف مفوض الإدارة الحاليّ، ستيفن هان، مع الرئيس، عشية انعقاد المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري، لإعلان التصريح باستخدام البلازما المُستخلَصة من دماء المتعافين من مرض "كوفيد-19" كعلاجٍ للمصابين. وأدلى الرئيس بتصريحاتٍ مضللة حول الأدلة الداعمة لهذا العلاج، واتَّهم موظفي الإدارة بأنهم كانوا يعوقون إصدار الموافقات على العلاج لدواعٍ سياسية، دون أن يقدم الدليل على ذلك.

وسعيًا إلى وضع تعريف للنزاهة في إدارة الغذاء والدواء، قبل عشر سنوات، استعَنْتُ بكبير علماء الإدارة، وأبرز محاميها، وكذلك كبير مسؤولي السياسات فيها. وقد اتفق الثلاثة على وضع ثلاثة معايير (انظر: go.nature.com/2gx1hz)، أوَّلها: أنَّ القرارات ينبغي أن تكون "مستندةً إلى تقييمٍ دقيق لأفضل الأدلة العلمية المتاحة"، بالاعتماد على "الخبرات المناسبة، بما في ذلك اللجوء إلى اللجان الاستشارية". وقد لاحظنا، في الظرف الراهن، أن الإدارة لم تستشِرْ مثل هذه اللجان –حتى الآن- لاتخاذ قرارٍ مهم بشأن مرض "كوفيد-19". وبدلًا من ذلك، تسرَّبت إلى الصحافة انتقادات العلماء غير التابعين للإدارة لتصرفاتها، ومن بينهم قادة معاهد الصحة الوطنية الأمريكية؛ ما أثار الشكوك حول ما إذا كانت المخاطر المحتملة والعواقب غير المقصودة قد دُرِسَت كما ينبغي.

وينصُّ المعيار الثاني على ضرورة "التوصل إلى القرارات، وتوثيقها، من خلال آليةٍ تُعزِّز الانفتاح الفكري"، بحيث تكون "أسس القرارات النهائية وعمليات صنع القرار ... مُوثَّقةً ومفصَّلةً بشكل كافٍ". ويمكن القول، بعبارةٍ أخرى، إن الشفافية تقع في القلب من مفهوم النزاهة؛ فبدون رؤية الدليل، وسماع تبرير منطقي، غالبًا ما يَفترِض الناسُ الأسوأ.

"هل سيكون صوت إدارة الغذاء والدواء مجرّد واحدٍ من تلك الأصوات التي أفسدَتْها السياسة؟".

وعلى الصعيد العالمي، يؤدي انعدام الشفافية في عملية صنع القرار إلى تراجع الثقة في عديدٍ من الحكومات التي جاءت استجابتها للجائحة دون المستوى. وكذلك لم تُفصح إدارة الغذاء والدواء إلا عن القليل فيما يتعلق بآلية صُنع القرار لديها، مُضيِّعةً بذلك فرصة بناء الوعي وحشد الدعم. ومن الجدير بالذكر أنه خلال فترة عملي في الإدارة، تصدَّى قادتها للتحديات، ومنها التحديات التي ارتبطت بالجدل حول مدى أمان عقاقير مرض السكري، عن طريق إصدار مذكراتٍ مُفصَّلة، ونشر مقالاتٍ شارِحة في الدوريات الطبية، وإجراء المقابلات الصحفية.

أمَّا المعيار الثالث للنزاهة، فيتمثل في أنَّ القرارات ينبغي أن "تُتَّخذ دون أي تدخُّل خارجيٍ أو غير لائق". كما نصَّ هذا المعيار على "عدم إخفاء البيانات، أو قمع الآراء، أو تشويهها، أو التلاعُب بها"، وكذلك مراعاة "ألَّا تؤثر الضغوط التي يمارسها أشخاصٌ من خارج الإدارة على قراراتها الرقابية".

وما من شكٍّ في أنَّ الهجمات التي يشنُّها ترامب على الإدارة إنما تستهدف التأثير على عملية صنع القرارات لديها. ففي الشهر الماضي، زعم ترامب -دون دليلٍ أيضًا- أنَّ "الدولة العميقة، أو شخصًا ما داخل إدارة الغذاء والدواء" يُعرقِل الإجراءات الحكومية الرامية إلى مكافحة مرض "كوفيد-19". وصرَّح رئيس موظفي البيت الأبيض علنًا بأنَّ مقصد الرئيس هو "الضغط" على الإدارة.

وبالعودة إلى واقعة الجهاز الطبي المثير للجدل، أصدرت الإدارة في شهر سبتمبر عام 2009 النتائج الأولية لتحقيقها في إجازة الجهاز (انظر: go.nature.com/3jan9nj). وكشف تقريرها عن وقوع عدة مخالفات "للعمليات والإجراءات والممارسات" خلال عملية المراجعة، فضلًا عن استبعاد موظفين رئيسين من النقاش العلمي حول الجهاز، و"الإخفاق في التعامل مع الضغوط الخارجية على صانعي القرار على النحو الملائم". وأخذت الإدارة -بقيادة مارجريت هامبورج- هذه النتائج على محمل الجد (في ذلك الوقت.. كنتُ أشغل منصب النائب الأول للمفوض). وعليه، اتخذنا الإجراءات اللازمة لسحب ترخيص الجهاز، وآلينا على أنفسنا سدَّ الثغرات المُكتشَفة، وتحسين عملية المراجعة التي تخضع لها الأجهزة الطبية كافة. وحينئذٍ، خرج تصريح من تشارلز جراسلي، السيناتور الجمهوري عن ولاية أيوا، الذي تكررت انتقاداته للإدارة، قال فيه: "إنَّ هذه الطريقة في التفكير، والالتزام باتخاذ ما يلزم من إجراءات، على نحو ما وجدنا في هذا التقرير، خليقةٌ بأنْ تمكّن الإدارة من بناء جدار الثقة بينها وبين المجتمع".

إذًا، كيف يمكن لإدارة الغذاء والدواء أن تذُود عن نزاهتها اليوم؟ لنا أن نجد بادرةً إيجابية في تعهُّد هان بعقد اجتماعٍ للّجنة الاستشارية قبل الموافقة على أي لقاحٍ لمرض "كوفيد-19"، أو التصريح باستخدامه. كما قال هان في عدة مناسبات إنَّ الإدارة سوف تتخذ قراراتها بناءً على "الأدلة العلمية المُحكمة، والبيانات السليمة"، دون غيرها. وبعيدًا عن عبارات الطمأنة هذه، يتعيَّن على هان رفْض الضغوط السياسية التي يمارسها البيت الأبيض، والإفصاح عن تفاصيل عملية مراجعة اللقاحات، والتعهُّد بنشر البيانات الأساسية ومذكرات القرارات.

إنَّ النزاهة ضرورية لحفاظ إدارة الغذاء والدواء على مصداقيتها. فالمرضى المصابون بمرض "كوفيد-19"، وكذلك الأطباء الذين يعالجونهم، يتخذون بالفعل قراراتٍ صعبة، استنادًا إلى أدلةٍ محدودة. وقريبًا، سيحتاج الأمريكيون إلى تقييم مزايا التطعيم، في خضمِّ هذا المزيج من المعلومات المضللة، والارتباك الذي يفاقمه الاستقطاب السياسي ووسائل التواصل الاجتماعي. فهل سيكون صوت إدارة الغذاء والدواء مجرَّد واحدٍ من تلك الأصوات التي أفسدَتْها السياسة؟ أم أنه سيكون الصوت الجليَّ الذي تتطلبه اللحظة الراهنة؟

ومع اقتراب عدد الوفيات من جرَّاء الإصابة مرض "كوفيد-19" في الولايات المتحدة من 200 ألف حالة، تصبح نزاهة الجهة الرائدة في تنظيم شؤون الصحة العامة في البلاد أكثر من فكرةٍ مُجرَّدة. إنها مسألة حياةٍ، أو موت.

جوشوا شارفستين وكيل عميد كلية جونز هوبكنز بلومبرج للصحة العامة لشؤون ممارسات الصحة العامة والمشاركة المجتمعية، الواقعة في مدينة بالتيمور بولاية ميريلاند.

البريد الإلكتروني: joshua.sharfstein@jhu.edu