افتتاحيات

قد يخسر العِلْمُ الجِيلَ القادم من باحثي ما بعد الدكتوراة

فاقمت الجائحة محنة باحثي ما بعد الدكتوراة، ويجب على جهات التمويل أن تُقدِّم لهم ما هو أكثر من الدعم المعنوي.

  • Published online:

يعي باحثو ما بعد الدكتوراة ماهية عدم الاستقرار الوظيفي؛ فهم يعملون سنواتٍ -وأحيانًا عقودًا- بموجب تعاقداتٍ متعاقبة قصيرة الأجل. وقد يسفر هذا الوضع عن شعورهم بقدرٍ هائل من القلق وعدم الطمأنينة. وكما توضح نتائج استطلاعٍ جديد أجْرته دورية Nature، فإنَّ الجائحة تُفاقِم محنة باحثي ما بعد الدكتوراة، وقد يواجه الجيل الحالي أشد أزمةٍ مهنية وصحية شهدها المجال حتى الآن.

في ذلك الاستطلاع، سألت الدورية عددًا من باحثي ما بعد الدكتوراة عن تأثير الجائحة على خططهم الوظيفية الحالية والمستقبلية، وعلى صحتهم ورفاهيتهم، وعمَّا إذا كانوا يشعرون بأنهم يحظون بدعم مشرفيهم، أم لا.

أُجرِيَ هذا الاستطلاع في شهري يونيو ويوليو من العام الجاري، وشارك فيه أكثر من 7600 شخص من 19 تخصصًا. وهذه العينة التي تناولها الاستطلاع –المؤلَّفة من مجموعةٍ اختار أفرادها المشارَكة بأنفسهم، وتتوزع على 93 بلدًا- لا تمثل العالم بأكمله؛ إذ إنَّ الغالبية العظمى من المُستطلَعين كانوا في أوروبا وأمريكا الشمالية، والمشهد الذي تكَشَّف يثير القلق بلا شك، إذ يرى ستة من كل عشرة أشخاص شاركوا في الاستطلاع أنَّ الجائحة أثَّرت سلبًا على فرصهم المهنية، كما شعر ربع المشاركين أنَّ مشرفيهم لم يبذلوا جهدًا كافيًا لدعمهم خلال الجائحة. وإضافةً إلى ذلك، أفاد 23% من المُستطلعين بأنَّهم سعوا للحصول على المساعدة، لمواجهة القلق أو الاكتئاب الناجم عن عملهم، كما أعرب آخرون، بلغت نسبتهم 26% من المشاركين، عن رغبتهم في الحصول على مثل هذه المساعدة، لكنَّهم لم يسعوا بعد للحصول عليها. ويتفق ذلك مع نتائج أخرى تتعلق باعتلال الصحة العقلية لأسبابٍ ترتبط بالجائحة.

ومما يثير القلق بالقدر ذاته أنَّ 51% من المشاركين في الاستطلاع الأخير فكَّروا في ترك العمل بمجال البحث العلمي، بسبب مشكلات الصحة العقلية المرتبطة بعملهم. والأمر المأساوي أن يمر بمحنةٍ كهذه كل هذا العدد من الباحثين ممن هم في مقتبل حياتهم المهنية. وإذا كان هذا العدد الكبير منهم يخلُص إلى أنَّه لا مستقبل له في مجال العلوم، فمن المتوقع أن تواجه مجالات المعرفة والاكتشاف والاختراع مشكلات في المستقبل.

وتُقدِّم لنا الردود المكتوبة في الاستطلاع صورةً أكثر تفصيلًا عن الوضع. وعلى سبيل المثال، كتب مهندسٌ في الهند أنَّه عاجزٌ عن قبول عرضٍ للعمل خارج البلاد كباحثٍ في مرحلة ما بعد الدكتوراة، بسبب القيود المفروضة على السفر، نتيجة تفشي الجائحة. كما وصف باحثٌ في ألمانيا كيف كانت تُلغَى عروض العمل التي تُقدم إليه، وأعرب فيزيائيٌ في البرازيل عن خوفه من أن تُقدِم حكومة بلاده على تقليل المنح الدراسية. وهذه القصص الفردية تعكس حقيقة، مفادها أنَّ الجامعات، التي تتعرض حاليًّا لضغوطٍ مالية بسبب الجائحة، تُجمِّد تعييناتها حاليًّا، وتُقلِّص المناصب بها على نطاقٍ واسع.

وقد عرضنا نتائج الاستطلاع على عديدٍ من منظمات التمويل الكبرى في أستراليا، وأوروبا، والولايات المتحدة، وسألنا هذه المنظمات عمَّا تفعله للمساعدة في حل هذه الأزمة. وأوضحت الطرق التي تدعم بها الباحثين ممن هم في مقتبل حياتهم المهنية، على سبيل المثال، من خلال تمديد المواعيد النهائية للمشروعات البحثية. ففي ظل ركود معظم الاقتصادات الوطنية، تُعَد الجهود الرامية جميعها إلى مساعدة العاملين في المجال البحثي مُرَحَّبًا بها، مهما كانت بسيطةً؛ ولكن بكل أسف، فالتدابير البسيطة لن تكفي وحدها لإنقاذ العديد من المهن العلمية الأكاديمية.

وعلى سبيل المثال، صرحت المؤسسة الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة (NSF) بأنَّها مدَّدت المواعيد النهائية للمشروعات البحثية، ووجَّهت الجامعات إلى الاستمرار في دفع رواتب باحثي ما بعد الدكتوراة الذين تموِّلهم المؤسسة، في الوقت الذي لزم فيه وقف الأبحاث، لكنْ لم يتضح مَن يُموِّل هذا الاستمرار في دفع الرواتب؛ إذ لا تُقدِّم المؤسسة أي تمويلٍ إضافي، والجامعات غير مُجبرة على الامتثال لطلباتها، ولا ينبغي لها أن تكون كذلك. ولم تختلف إجابات جهات التمويل الأخرى على أسئلتنا، إذ أوضحت أنَّ آجال المنح البحثية تُمَد حاليًّا، لكنَّ هذه الجهات لا توفر تمويلًا إضافيًّا. وهذا ليس مُنصِفًا، ولا يحقق استدامة البحث العلمي.

ولا يمكن أن نتوقع من الجامعات أن تتحمل هذه التكلفة الإضافية. فالجائحة وضعتها في مأزق مالي بالفعل، لا سيما المؤسسات التعليمية التي تعتمد في دخلها على الرسوم التي يسددها الطلاب من الدول الأخرى. والحركة العالمية لهؤلاء الطلاب ستقل كثيرًا عن المعتاد في العام الدراسي المقبل. ونتيجةً لذلك، ستفقد مؤسسات تعليمية جزءًا كبيرًا من ذلك الدخل. وفي المؤسسات التي تدخُل فيها إيرادات الرسوم الدراسية في دعم البحوث ماليًّا، سيكون العاملون في مجال البحوث التعاقدية أكثر عرضةً لفقدان وظائفهم، ومنهم باحثو ما بعد الدكتوراة. وفي مجالات عديدة سيؤثر هذا بقدرٍ أكبر على النساء والمنتمين إلى الأقليات، الذين يشكلون جزءًا كبيرًا نسبيًّا من العاملين في أبحاث ما بعد الدكتوراة.

وهذه الحالة من عدم الاستقرار تزيد من وطأة الضغط الواقع على باحثي ما بعد الدكتوراة، الذين يخشون حقًّا مِن أن يتسبب وقف تجاربهم وعدم اكتمال مسوداتهم البحثية في إعاقة سعيهم للحصول على المنح والوظائف. وتشير نتائج استطلاعنا إلى أنَّ الكثيرين يتطلعون إلى ترك مناصبهم في الوقت الحالي، انطلاقًا من توقُّعهم أنَّ القادم أسوأ. لذا، ينبغي أن يفكر قادة المؤسسات البحثية والجامعات في طرقٍ مبتكرة لدعم الباحثين ممن هم في مقتبل حياتهم المهنية.

أمَّا كبار الباحثين الذين يرغبون في أن يعثر زملاؤهم من الشباب الواعدين على وظائف طويلة الأجل في الأوساط الأكاديمية، فعليهم البحث عن طرقٍ تتيح إمكانية استمرار هؤلاء الباحثين في وظائفهم. وينبغي أيضًا أن يدعموا -بالقدر ذاته- مَن يرغبون في العثور على وظائف ترضيهم في مجال العلوم بأماكن أخرى. المهم هو أنْ يجد الموهوبون وظائف مُرضية في ذلك المجال. كما ينبغي أن يتحلى الباحثون الرئيسون بالمرونة والصبر، وأن يُظْهِروا الدعم لجميع أعضاء فرقهم البحثية. ويتعين عليهم وعلى مؤسساتهم المطالبة بإصرارٍ أكبر من ذي قبل بتوفير خدمات الصحة العقلية، وتسهيل الحصول عليها.

وقد آن الأوان أيضًا لوضع حد للنهج الروتيني المتبع في عملية تقييم البحوث، أو إرخاء تدابيره. فحتى من قبل الجائحة، كان الباحثون ممن هم في مقتبل حياتهم المهنية يواجهون ضغوط عملية التقييم المستمر هذه، فضلًا عن العمل في ظل مناخٍ أكثر تنافسية، وأقل استقرارًا مما شهده سابِقوهم. وقد أدت الجائحة إلى مفاقمة هذا الوضع. وهذه الأزمة الطاحنة والمُلحة التي يواجهها الأفراد قد تغدو الآن أزمةً وجودية لمنظومة البحث العلمي، التي تتطلب من باحثي ما بعد الدكتوراة الحاليين أن يصبحوا قادة البحث العلمي مستقبلًا في الأوساط الأكاديمية، وفي الصناعات، والحكومات، وعالَم المؤسسات غير الربحية. ولا يمكننا أن نسمح للجائحة بأن تدمر مهن هؤلاء الشباب الأذكياء، المرجح أن يسهم كثيرٌ منهم في إيجاد حل لها.