افتتاحيات

قضية هنريتا لاكْس: على العِلْم أن يصحِّح أخطاء الماضي

في الذكرى المئوية لهنريتا لاكْس، يجب على الباحثين بذل المزيد من الجهد، لضمان عدم أخْذ الخلايا البشرية، دون موافقة أصحابها.

  • Published online:

مرَّ حوالي عشرين عامًا على ذلك اليوم البعيد، حين كانت إريكا جونسون تَحضر أحد دروس البيولوجيا في مدرستها الثانوية، إلا أنه ما زال منقوشًا في ذاكرتها. كان المعلم يُشرِف على طلابه، بينما هم منهمكون في إجراء التجارب على خلايا مأخوذة من خط خلايا واسع الاستخدام، يُعرف بخط "هِيلا" HeLa. كان ذلك الخط من الخلايا مستخرَجًا من نسيج مأخوذ من سيدة تُدعى هنريتا لاكْس، وكانت والدة جونسون من عائلة لاكْس. تتذكر جونسون مشاعرها في تلك اللحظة، قائلة: "هذه أمُّ جدتي، تلك التي ألتقطها بأصابعي الآن". وتعلِّق بقولها: "كان موقفًا غريبًا للغاية".

وافق الشهر الماضي مرور مائة عام على ميلاد السيدة لاكْس، التي لقيت حتفها في عام 1951، عن عمر ناهز واحدًا وثلاثين عامًا، إثر إصابتها بسرطان عنق الرحم الفتَّاك. كان الأطباء في مستشفى "جون هوبكينز" -الواقعة في مدينة بالتيمور بولاية ميريلاند- قد أخذوا عينات من خلاياها السرطانية قبل وفاتها بشهور، بغرض التشخيص والعلاج، وأعطوا بعضًا من تلك الأنسجة إلى باحث آخر، دون علم لاكْس، أو موافقتها. وفي المختبر، اتضح أنَّ خلاياها تتمتع بقدرة استثنائية على البقاء على قيد الحياة، والتكاثر. لقد كُتب لها البقاء. وبعد ذلك، شارك الباحث تلك الخلايا مع عددٍ كبير من العلماء الآخرين، حتى صارت من ركائز العمل البحثي في مجال الأبحاث البيولوجية. واليوم، أضحَتْ الأبحاث المرتكِزة على خلايا "هيلا" تمثل الأساس الذي يستند إليه جانب كبير من الطب الحديث؛ إذ دخلت في كثير من الاكتشافات الأساسية المتعلقة بالعديد من المجالات الطبية، ومنها أبحاث السرطان، وأمراض المناعة، والأمراض المعدية. ومن بين أحدث التطبيقات التي استُعين فيها بتلك الخلايا؛ الأبحاث المعنية بتطوير لقاحات مرض "كوفيد-19".

تُلقي قصة هنريتا لاكْس الضوء، أيضًا، على التفرقة العنصرية المتغلغلة في منظومة الرعاية الصحية والمنظومة البحثية الأمريكيتين. كانت لاكْس سيدة سوداء، وكان المستشفى الذي سُحِبَتْ فيه العيِّنة منها أحد المستشفيات القلائل التي تقدِّم الرعاية الصحية للسود. وعلى مدى عقود بعد وفاتها، لم يطلب الأطباء والعلماء الحصول على موافقة عائلتها، قبل الإفصاح -مرارًا وتكرارًا- عن اسمها على الملأ، وقبل عرض سجلاتها الطبية على وسائل الإعلام؛ بل لقد نشروا التسلسل الجيني لخلاياها عبر الإنترنت (قبل أن يُحذف بعدها بفترة وجيزة، إثر تصاعد الانتقادات). وفي وقتٍ لاحق، نشرت مجلة Nature التسلسل الجيني لأحد خطوط "هيلا" الأخرى، بعدما توصلت عائلة لاكْس إلى اتفاق مع معاهد الصحة الوطنية الأمريكية (NIH)، وافقَتْ العائلة بموجبه على النشر (A. Adey et al. Nature 500, 207–211; 2013).

"خلايا "هِيلا" مأخوذة من سيدة أمريكية ذات أصول أفريقية، من لحمٍ ودم، وقد كانت لها أُسْرتها، وحياتها الخاصة".

وفي عامنا هذا، وقع حدثان استثنائيان: أوَّلهما، انطلاق حركة المناداة بالعدالة العرقية، تحت شعار "حياة السود مهمة" #BlackLivesMatter. والثاني، ما خلَّفه مرض "كوفيد-19" من خسائر كانت أشدَّ فداحة على أصحاب البشرة الملوَّنة. وكلا الأمرين يُلحّ على العلماء، ويُضاف إلى سجلٍّ حافلٍ بالمظالم العنصرية التي وقعت في الماضي. وفي هذا الإطار، دعا البعض إلى تقليل الاعتماد على خلايا "هيلا" في البحث العلمي، أو حتى التوقف عن استخدامها تمامًا. وأما الحُجة التي يسوقونها، فهي أنَّ هذه الخلايا قد أُخِذت دون علم لاكْس، ودون موافقتها. ومن ثمَّ، فإنَّ أي استخدام لها يُعَد عملًا منافيًا للأخلاق، وامتدادًا للظلم الواقع عليها (وإنْ لم يكن ذلك مخالفًا للقانون في ذلك الحين).

وهذا ليس ما يريده الكثيرون من أفراد عائلة لاكْس. فلهنريتا لاكْس عشرات الأحفاد، منهم مَن يتصدَّر حملة جديدة لإحياء ذكراها المئوية، وهي حملة ( #HELA100 https://hela100.org)، التي تدعو -في المقابل- إلى الاحتفاء بحياتها، وإرثها. وفي تصريحٍ أدلَتْ به حفيدتها جيري لاكْس-واي لمجلة Nature، قالت: "أريد من العلماء أن يقروا بأنَّ خلايا «هيلا» مأخوذة من سيدة أمريكية ذات أصول أفريقية، من لحمٍ ودمٍ، وقد كانت لها أُسْرتها، وحياتها الخاصة".

أما حفيدها ألفريد لاكْس كارتر، فيرى أن الجانب الأهمّ في مسألة خلايا "هيلا" يتمثل في أنها قد أدت إلى تقدُّم الأبحاث المتعلقة بالسرطان؛ وهو تكريم ملائم للسيدة التي أودى بحياتها هذا المرض. وإضافةً إلى ذلك، أخبره أشخاص كثيرون أنهم قد تمكنوا من إنجاب طفل من خلال الإخصاب المختبري، الذي ما كان ليتحقق لولا وجود خلايا "هيلا". ويقول: "لقد أُخِذَتْ هذه الخلايا بطريقة سيئة، لكنها قدمت للبشرية خيرًا كثيرًا"، وهي تخدم البشر على اختلاف أصولهم العرقية، دون تمييز.

مراجعة السياسات

على مدار السنوات العشر الماضية، تعاون العلماء مع عائلة لاكس من أجل وضع قواعد أكثر إحكامًا لتنظيم استخدام هذه العينات الثمينة. وبالرغم من ذلك.. لا يزال هناك الكثير من العمل الذي ينبغي إنجازه؛ والخطوة الأولى تتمثل في تنظيم إجراءات الحصول على الموافقة. وقد أعرب مدير معاهد الصحة الوطنية الأمريكية، فرانسيس كولينز، عن رغبته في أن يراجع المجتمع البحثي "القاعدة العامة" Common Rule، وهي حزمة من السياسات تحمي الأشخاص المشاركين في الأبحاث التي تمولها حكومة الولايات المتحدة (C. D. Wolinetz and F. S.Collins J. Am. Med. Assoc. http://doi.org/d7k7; 2020).

وبموجب هذه المراجعة، سيتعين الحصول على موافقة كل مَن تُستخدم عيّناته البيولوجية في الأبحاث، حتى وإنْ استُخدمَتْ العينة "دون إفصاح عن هوية" صاحبها.

يُذكر أن جهودًا سابقة قد بُذِلت في عام 2017، من أجل إنفاذ هذا التعديل، غير أنها باءت بالفشل. أما الآن، فقد حان الوقت لإعادة النظر في مسألة الحصول على الموافقة. وكان بعض الباحثين قد نبَّهوا، فيما سبق، إلى أنَّ ذلك التعديل من شأنه وضْع أعباء إضافية على كاهل الباحثين، إلا أنه لا بد من إيجاد حلٍّ وسط. وفي آخِر مراجعة لتلك "القاعدة العامة" من قِبل وزارة الصحة والخدمات البشرية في الولايات المتحدة، طرحَتْ الوزارة إجراء مجموعة من التغييرات الأخرى، قد توفر سبيلًا بديلًا للمضيِّ قدمًا في التصدي لمسألة الحصول على موافقة الأشخاص عند أخْذ عيناتهم البيولوجية، على أن ينعقد بشأنها نِقاش يضمُّ العلماء، وأطيافًا من المجتمع، على حدٍ سواء.

وثمة خطوة ثانية، ومنفصلة، تتمثل في ضرورة الاعتراف بوجود تفرقة عنصرية متجذرة في الأبحاث الأساسية، والعمل على التخلص منها؛ حيث إنّ ممارسات التمييز العنصري المُمنهج، التي كانت مُتَّبعة في الوقت الذي أُخِذت فيه الخلايا من لاكْس، لا تزال قائمةً حتى اليوم.

وفي ظل الحالة الراهنة، التي تفرض على الجميع النظر إلى قضية الظلم العنصري بعين الاعتبار، ارتأى بعض الباحثين الذين استخدموا خلايا "هيلا" أن يقدِّموا تعويضًا ماليًّا عن كل مرة استُخدِمت فيها الخلايا في الأبحاث، دون الحصول على موافقة. أما بالنسبة إلى المؤسسات البحثية الأخرى، وباحثين آخرين، فعليهم أن يراجعوا ما إذا كانت أبحاثهم قائمة على مظالم عنصرية جرت في الماضي، أم لا، وكيفية حدوث ذلك. كما يجب عليهم التفكير في أفضل السبل الممكنة لإصلاح ذلك.

وأنْ تكون خلايا لاكْس قد أُخِذت في عصر مختلف، كانت تحكُم مفهومَ الموافقة فيه اعتباراتٌ مختلفة، فهذا لن يبرِّر أبدًا ما حدث. وإذا لم يكن في إمكاننا التراجع عما اقترفناه في الماضي، فليس أقلَّ من أنْ نعترف بأخطاء الأجيال السابقة، والأخطاء التي لا تزال مستمرة حتى اليوم.

لا بد من تحقيق العدالة. وقد حان الوقت للبدء في تحقيقها.