أنباء وآراء

اهتزازات تتغلب على تأثير الجاذبية على مائعٍ طافٍ 

تمكَّن باحثون في الماضي من أن يجعلوا مقادير من الموائع تطفو فوق الهواء، عن طريق رجّ منظومة الهواء والمائع رأسيًّا. وقد تبين الآن أنَّه من الممكن للأجسام أن تطفو مقلوبةً عند السطح البيني الفاصل بين الهواء والمائع، وذلك من خلال تأثيرٍ مضاد للجاذبية.

فلاديسلاف سوروكين، وإيليا آي. بليخمان
  • Published online:

منذ خمسينيات القرن العشرين، اهتمت الأبحاث اهتمامًا كبيرًا بالظواهر المنافية للتوقعات، التي تحدث في الموائع تحت تأثير الاهتزازات. ومن أمثلة تلك الظواهر: إمكان غوص الفقاعات الغازية، وكذلك قدرة الجسيمات الثقيلة على الصعود إلى أعلى في مائع مُهْتَزّ1-3. كما يمكن لطبقةٍ من المائع أن تطفو فوق طبقةٍ من الهواء، عن طريق هزِّ هذه المنظومة رأسيًّا بترددٍ مرتفع نسبيًّا (حوالي 100 هرتز فأكثر)4. وفي بحثٍ نُشِرَ مؤخرًا في دورية Nature، كَشف الباحث بنجامين أبفل وزملاؤه 5 ظاهرةً مذهلةً أخرى تتعلق بطبقات الموائع الطافية في الهواء في أثناء اهتزازها، وهي أنَّه يمكن للأجسام أن تطفو مقلوبةً عند السطح السفلي للمائع، كما لو كانت قوى الجاذبية معكوسة الاتجاه (الشكل 1). وهناك إمكانية كبيرة لاستخدام هذه الظواهر في تطبيقاتٍ عملية3، منها استخدامها -على سبيل المثال- في المنظومات التي تتضمن فقاعات غاز مُعلَّقة في موائع (مثل مفاعلات أعمدة الفقاعات، التي تُستَخدَم في تفاعلات الغازات مع السوائل)، ولفصل المواد العالقة في الموائع، ونَقْلها (كما في التقنيات المستخدَمة لمعالجة المعادن ومياه الصرف).

الشكل 1 | الطفو العكسي. جعل أبفل وزملاؤه5سائلًا يطفو فوق طبقةٍ من الهواء في حاوية، عن طريق هزِّ الحاوية رأسيًّا. ولاحظوا أنَّ الأجسام يمكن أن تطفو مقلوبةً على الناحية السفلية من الحد الفاصل بين الهواء والسائل.

الشكل 1 | الطفو العكسي. جعل أبفل وزملاؤه5سائلًا يطفو فوق طبقةٍ من الهواء في حاوية، عن طريق هزِّ الحاوية رأسيًّا. ولاحظوا أنَّ الأجسام يمكن أن تطفو مقلوبةً على الناحية السفلية من الحد الفاصل بين الهواء والسائل.

Credit: Benjamin Apffel

هذه السلوكيات الاستثنائية التي تنتهجها الموائع في أثناء اهتزازها ليست سوى جزءٍ صغير من الظواهر المدهشة التي تحدث نتيجة الاهتزازات عالية التردد بشكلٍ عام. وربما يكون أفضل الأمثلة المُوثَّقة في هذا الصدد هو مثال بندول "ستيفنسون وكابيتزا"6، الذي يستقر فيه بندول صلب بغير مَيْل وهو مقلوبٌ ومُعلَّق من نقطةٍ تهتز، وهناك أيضًا بندول "تشيلومي"2، الذي يتضمن حلقةً معدنية يمكنها الانزلاق على امتداد قضيب، وتبدو تلك الحلقة كما لو كانت "طافيةً" عندما يُهَزّ القضيب رأسيًّا.

وقد استُحدِثَت منذ فترةٍ طويلة فروعٌ خاصة في علوم الميكانيكا والريولوجيا (علم جريان المواد) لدراسة التأثيرات الفيزيائية للاهتزازات عالية التردد7. وكشفت هذه الدراسات عن أن المنظومات المهتزة تنشأ فيها قوى تبلغ قيمةً متوسطة بعد مدةٍ من الزمن (تُعرَف باسم قوى الاهتزاز) إلى جانب القوى الأخرى التي تؤثر في المنظومات المماثلة غير المُهتزَّة. وقوى الاهتزاز هذه هي التي تؤدي إلى تلك الظواهر التي تبدو منافية للتوقعات، مثل غوص فقاعات الغاز في السوائل المُهتزَّة، وطفو طبقات الموائع فوق الهواء2،3. وقد استُخدِمت قوى الاهتزاز هذه في تطبيقاتٍ عملية، منها -على سبيل المثال- تمكين عدة أجسامٍ من مزامَنة حركات دورانها ذاتيًّا، وكذلك فصل المواد ونقلها7.

والآن، يضيف أبفل وزملاؤه الطفو العكسي إلى قائمة التطبيقات الممكنة لقوى الاهتزاز. ففي تجاربهم، ملأ هؤلاء الباحثون حاويةً بسائلٍ لزج، واستخدموا جهاز رجٍّ لهزِّ السائل رأسيًّا بترددٍ عالٍ؛ فهبطت إلى قاع الحاوية فقاعات الهواء التي أُضيفت إلى السائل تحت عمقٍ حرِج منه، ثم نفخ الباحثون بعد ذلك تلك الفقاعات التي غاصت إلى القاع، لإنشاء طبقة هواء مستقرة، يطفو السائل أعلاها. وقد بلغ أقصى حجم للسائل الطافي الذي درسوه نصف لتر، وبلغ أقصى عرضٍ له 20 سنتيمترًا. واللافت للنظر أنَّ أبفل وزملاءه لاحظوا أنَّ الأجسام الصغيرة (التي تصل كتلتها إلى 7 جرامات، ويصل طولها أو قطرها إلى 2.5 سنتيمتر) قد طفت مقلوبةً على الناحية السفلية من الحد الفاصل بين الهواء والسائل (الشكل 1).

وسعيًا لتفسير ملاحظاتهم تلك، طرح الباحثون فرضيةً مفادها أنَّ قوة الجاذبية الفعلية التي يتعرض لها المائع -أي قوة الجاذبية الملحوظة المؤثرة على منظومةٍ في حالة تسارُع في الاتجاه الرأسي- وتلك التي تتعرض لها الأجسام المغمورة والطافية، كلتاهما تتقلبان مع الزمن عندما تُهَز المنظومة رأسيًّا، وكذلك يتغير مع الوقت حجم الجسم المغمور الذي يطفو على الناحية السفلية من الحد الفاصل بين المائع والهواء. ويفترض أبفل وزملاؤه أنَّ هذا يتسبب في تعرُّض الجسم لقوةٍ تبلغ قيمةً متوسطة خلال مدةٍ من الزمن. ولهذه القوة تأثيرٌ "مضاد للجاذبية"، يسمح للجسم بالطفو مقلوبًا على الناحية السفلية من الحد الفاصل في حالة الاهتزازات الرأسية التي تبلغ تردداتها 80 هرتزًا فأكثر. وكما هو الحال في بندول "ستيفنسون وكابيتزا"6، وبندول "تشيلومى"2، ترتبط الحالات المستقرة للمنظومة المُهتزَّة في تجربة أبفل وزملائه بطاقات الوضع القصوى، وليس الدنيا.

وقد تقدَّم الباحثون بوصفٍ رياضي بسيط نسبيًّا لظاهرة الطفو العكسي هذه، يتضمن بعض الافتراضات المُبَسِّطة للظاهرة، مثل افتراض أنَّ العلاقة بين الضغط في طبقة الهواء وارتفاعها هي علاقة خطية. وهذا التبسيط يحدّ بعض الشيء من الدقة التي تصف بها نظريتهم سلوك منظومتهم التجريبية، وهو ما يؤدي إلى فُرُوقٍ طفيفة بينها وبين ملاحظاتهم.

وجديرٌ بالذكر أيضًا أنَّ سرعة الصوت في الموائع المُشبَّعة بالغازات تتسم بانخفاضها على غير المتوقع في مجموعةٍ كبيرة من التركيزات الحجمية لتلك الغازات. وقد لوحظ أنَّ هذا يؤدي أيضًا إلى تأثيراتٍ مضادة للجاذبية3، فعلى سبيل المثال.. في حال تركيزات الهواء التي تتراوح من 30 إلى 70%، تبلغ سرعة الصوت فقط 20 مترًا لكل ثانية (المرجع 3)، مقارنةً بحوالي 340 مترًا لكل ثانية في الهواء، وحوالي 1450 مترًا لكل ثانية في الماء. وعندما تكون سرعة الصوت منخفضةً إلى هذا الحد، يمكن لمقدارٍ مُهتَز من المائع، ارتفاعه مترٌ واحد، أن يتسع لموجةٍ واحدة أو أكثر من الموجات الثابتة الطولية (الانضغاطية) عند تردداتٍ تبلغ حوالي 50 هرتزًا. وتنجذب الجسيمات الثقيلة الصلبة وفقاعات الغاز إلى نقاط السعة الدنيا والقصوى لهذه الموجات الثابتة، وهو ما يؤدي إلى تأثيراتٍ مقاوِمة للجاذبية.

ومن ثم، يُلمِح بحث أبفل وزملائه إلى أنَّ عديدًا من الظواهر العجيبة التي تحدث في المنظومات الميكانيكية المُهتزَّة لم تُكتشَف أو تُفسَّر بعد، خاصةً عند الحدود الفاصلة بين الغازات والسوائل، وهو ما يعني وجود إمكانيةٍ كبيرة لأنْ يُجرَى مزيدٌ من الأبحاث في المستقبل حول تلك المسألة. وبصورةٍ أعم، هناك نقطة واعدة أخرى، يمكن للأبحاث أن تتناولها، وهي تحليل تأثيرات عمليات الاستثارة عالية التردد على منظوماتٍ في مجالاتٍ أخرى، مثل الكيمياء، والفيزياء، والبيولوجيا8. ففي هذه المنظومات، يمكن لعملية الاستثارة أن تتمثل في أي تغييرٍ دوري في سمةٍ من سمات البيئة أو الوسط اللذَين تحدث فيهما عمليةٌ ما. وسيكون من المثير للاهتمام أن نكتشف الظواهر المناقِضة للتوقعات، التي يمكن أن تُحْدِثها عمليات الاستثارة عالية التردد في المنظومات غير الميكانيكية، وأن نعرف مثلًا ما إذا كانت هناك ظاهرةٌ مناظِرة للجاذبية العكسية في عالَمَي الكيمياء، والبيولوجيا، أم لا.

References

  1. Bleich, H. H. J. Jet Propuls. 26, 958–964 (1956).| article
  2. Chelomei, V. N. Sov. Phys. Dokl. 28, 387–390 (1983). | article
  3. Blekhman, I. I., Blekhman, L. I., Sorokin, V. S., Vasilkov, V. B. & Yakimova, K. S. J. Mech. Eng. Sci. 226, 2028–2043 (2012). | article
  4. Wolf, G. H. Phys. Rev. Lett. 24, 444–446 (1970). | article
  5. Apffel, B., Novkoski, F., Eddi, A. & Fort, E. Nature 585, 48–52 (2020). | article
  6. Kapitza, P. L. Sov. Phys. JETP 21, 588–597 (1951).  | article
  7. Blekhman, I. I. Vibrational Mechanics: Nonlinear Dynamic Effects, General Approach, Applications (World Scientific, 2000).  | article
  8. Blekhman, I. I. & Sorokin, V. S. Nonlinear Dynam. 83, 2125–2141 (2016). | article

فلاديسلاف سوروكين يعمل في قسم الهندسة الميكانيكية في جامعة أوكلاند، أوكلاند 1010، نيوزيلندا.

إيليا آي. بليخمان يعمل في معهد إشكاليات الهندسة الميكانيكية، الأكاديمية الروسية للعلوم، سان بطرسبرج 199178، روسيا.

البريد الإلكتروني: v.sorokin@auckland.ac.nz