افتتاحيات

ماذا نعرف عن الجائحة؟

في أول افتتاحية، من سلسلة من افتتاحيات تعتزم Nature نشرها حول فيروس كورونا الجديد، نعرض لأبرز النتائج التي تمخَّض عنها سباق العلماء لإزالة الغموض المحيط بهذا الفيروس.

  • Published online:

على مدى ثمانية أشهر، استحوذ فيروس كورونا الجديد "سارس-كوف-2"، ومرض "كوفيد-19" الذي يسببه هذا الفيروس، على اهتمام آلاف الباحثين، في جهدٍ عالمي غير مسبوق.

وسوف نُسلط الضوء -عبر سلسلة من الافتتاحيات- على أبرز النتائج العلمية التي كشفَتْ عن الخصائص الأساسية للمرض، والفيروس المسبِّب له، بما في ذلك الطُرُق الجديدة للعلاج والوقاية. نبدأ هذا الأسبوع بكيفية اكتشاف الفيروس، وطرق انتقال العدوى، وتأثيراته المختلفة على جسم الإنسان.

فك شفرة الفيروس

عندما تفشَّي مرض مشابه للمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (سارس) في مدينة ووهان الصينية، في نهاية عام 2019، اشتبه العلماء في انتقال فيروس جديد من الفيروسات التاجية (فيروسات كورونا) إلى البشر. وقد لوحظ ارتباط العديد من الحالات الأولى، التي أمكن التعرُّف عليها، بالتجول في سوق بعينه للحيوانات الحية في المدينة.

وعلى الفور، شرع الباحثون في الصين في العمل على عزل الفيروس، وتحديد تسلسُله الجيني. عندما ظهر فيروس سارس الأصلي، المعروف الآن باسم "سارس-كوف-1"، وتبيَّن انتقاله إلى البشر في عام 2002، استغرق الحصول على تسلسُلٍ كامل لجينوم الفيروس شهورًا. أما هذه المرة، فقد مكَّن التقدم في تقنيات تحديد التسلسل الجيني العلماء من فك شفرة الحمض النووي الريبي (RNA) الخاص بالفيروس في غضون أسابيع من تاريخ ظهور الحالات الأولى.

ففي الحادي عشر من شهر يناير الماضي، قام يونج-تشن تشانج -من جامعة فودان، الواقعة في مدينة شنجهاي- وزملاؤه بإيداع تسلسل جينوم فيروس أمكن عزله من شخصٍ يبلغ من العمر 41 عامًا، كان يعمل في سوق الحيوانات المُشار إليه، في قاعدة بيانات عامة. وبذلك، نبَّهوا العالم إلى وجود فردٍ جديد من أفراد عائلة فيروسات كورونا، يرتبط بفيروس "سارس-كوف-1". وفي وقت لاحق، نشرت دورية Nature النتائج التي توصَّلوا إليها1.

وعلى الرغم من أن فريق تشانج قد اعتمد في تحديد تسلسل الفيروس على مريض واحدٍ فقط، فإن الجهود البحثية لمجموعات أخرى، كانت تعمل بالتزامن مع هذا الفريق، قادت إلى تحديد الفيروس نفسه لدى أشخاص آخرين مصابين بالتهاب رئوي. وهكذا، جَزَمَ هؤلاء الباحثون كلهم بأن هذا الفيروس الجديد هو المسبِّب للمرض. كما توصَّل أحد الفرق البحثية، يقوده شي تشينجلي، الباحث بمعهد ووهان لعلم الفيروسات، إلى أنَّ أقرب الأقرباء المعروفين للفيروس الجديد هو واحد من فيروسات كورونا، يتخذ من الخفافيش عائلًا له2.

ليس فيروسًا تنفسيًّا فقط

في الحادي عشر من فبراير الماضي، أوردت التقارير الأوَّلية عن المرض، الذي أُطلق عليه اسم "كوفيد-19"، أنه مرض تنفسي حاد، شبيه بالمرض الناجم عن الإصابة بفيروس "سارس-كوف-1". وأظهرت صور الأشعة على الصدر ظلالًا تتخللها بُقع -تُعرف باسم "عتامة الزجاج المصنفر"- في رئتي العديد من المرضى، وفقًا لما أفادت به الدراسات المبكرة الواردة من مستشفيات ووهان3. وإضافة إلى ذلك، لوحظ أن احتمالية الاحتياج إلى تلقِّي الرعاية الطبية في وحدات العناية المركزة ترتفع بين كبار السن، والرجال، والأشخاص المصابين بأمراض أخرى؛ فيما بدا أن إصابة الأطفال بالمرض أقل شدة4.

وسرعان ما اتَّضح أن "سارس-كوف-2" ليس فيروسًا تنفسيًّا فحسب؛ إذ يمتد تأثيره إلى الأوعية الدموية كذلك، مما يتسبب في الإصابة بالجلطات5، والسكتات الدماغية6.

وقد تبيَّن من تشريح جثث المتوفِّين من جرَّاء الإصابة بمرض "كوفيد-19" وجود الفيروس في أعضاء أخرى غير الرئتين، تشمل الكلى، والكبد، والقلب، والمخ، وكذلك وُجِد في مجرى الدم7. والآن، بات من المعلوم أن أعراض المرض يمكن أن تشمل مضاعفات تصيب الجهاز الهضمي، والجهاز العصبي، والجهاز البولي، والقلب، والأوعية الدموية، وغير ذلك من المضاعفات8.

شيءٌ في الهواء

لم يمضِ وقتٌ طويل، حتى تبيَّن أن فيروس "سارس-كوف-2" قادر على الانتقال بين البشر. وقد تنتقل العدوى عبر الاختلاط المباشر، أو غير المباشر؛ من خلال الرذاذ المنبعث من المريض أثناء السعال، على سبيل المثال، أو حتى عن طريق الزفير البسيط. والأمرُ الذي لم يتضح آنذاك -ولا يزال محل نِقاش إلى الآن- هو حجم قطيرة الرذاذ، التي يمكنها نقل العدوى، والمسافة التي يمكن أن تقطعها في الهواء.

إنّ القطيرات الأكبر سوف تسقط بسرعة على الأرض، أما القطيرات الأصغر حجمًا والأخف وزنًا -المعروفة بالهباء الجوي- فيمكن أن تبقى عالقةً في الهواء. إذن، فبإمكان الفيروس المحمول على مثل هذه القطيرات الصغيرة أن ينتقل لمسافة أبعد، ومن ثم، يزيد خطر نقل العدوى في الأماكن المغلقة، رديئة التهوية.

وقد كانت إمكانية انتقال فيروس كورونا الجديد عبر هذه الطريقة موضوع دراسة نُشرت في إبريل الماضي حول الديناميكا الهوائية لفيروس "سارس-كوف-2" في مستشفيين بمدينة ووهان9. ووجد الباحثون أن هناك أماكن بالمستشفيين المذكورَين، ولا سيما تلك الأماكن التي يتردد عليها الموظفون، قد حَوَت تركيزات عالية نسبيًّا من الحمض النووي الريبي الفيروسي في قطيرات بحجم الهباء الجوي، بيد أنَّ الفريق لم يوضح ما إذا كانت تلك القطيرات قادرةً على إحداث العدوى، أم لا.

مرض خفيّ

مع بدء انتشار الفيروس في أنحاء العالم أجمع، كان هناك اعتقاد بأن الأشخاص قد ينقلون العدوى الفيروسية، وإنْ لم تظهر عليهم أيّ أعراض.

ففي شهر مارس، كشفت بيانات الباخرة السياحية "دايموند برينسس" Diamond Princess أن 17.9% ممن كانوا على متنها، وجاءت نتائج فحوصهم إيجابية، ومن ثم تأكَّدت إصابتهم بمرض "كوفيد-19"، لم تظهر عليهم أيّ أعراض10. كان أكثر من 3700 شخص قد وُضعوا قيد الحجر الصحي على متن الباخرة في فبراير، بعدما اكتُشفت إصابة راكبٍ سابق بالمرض. وفي شهر إبريل، أظهرت دراسة، أُجريت على 94 شخصًا، أن "التناثر الفيروسي" viral shedding –ويُقصد به إطلاق فيروس في البيئة– قد بلغ ذروته -فيما يبدو- قبل ظهور الأعراض، أو بالتزامن معه11.

ها قد قطعنا شوطًا لا بأس به في فهم نشأة الجائحة، وكيفية انتشارها في شتى أرجاء العالم؛ وذلك عن طريق دراسة خصائص الفيروس، وطرق انتقاله، وكيفية حدوث المرض. وفي الحلقات القادمة من هذه السلسلة من الافتتاحيات، سوف نتناول البحوث المعنية بطرق مكافحة هذا الفيروس، ونتعرَّض كذلك للتقدم المُحرَز على صعيد تطوير العلاجات واللقاحات.

References

  1. Wu, F. et al. Nature 579, 265–269 (2020). | article
  2. Zhou, P. et al. Nature 579, 270–273 (2020). | article 
  3. Huang, C. et al. Lancet 395, P497–P506 (2020). | article
  4. Lu, X. et al. N. Engl. J. Med. 382, 1663–1665 (2020). | article
  5. Ackermann, M. et al. N. Engl. J. Med. 383, 120–128 (2020). | article
  6. Oxley, T. J. et al. N. Engl. J. Med. 382, e60 (2020). | article
  7. Puelles, V. G. et al. N. Engl. J. Med. 383, 590–592 (2020). | article
  8. Gupta, A. et al. Nature Med. 26, 1017–1032 (2020). | article
  9. Liu, Y. et al. Nature 582, 557–560 (2020). | article
  10. Mizumoto, K., Kagaya, K., Zarebski, A. & Chowell, G.Eurosurveillance 25,2000180 (2020). | article
  11. He, X. et al. Nature Med. 26, 672–675 (2020). | article