أخبار

كيف يمكن للمدارس أن تُعِيد فتح أبوابها بأمان في ظل الجائحة

من الأهمية بمكان ارتداء الكمامات، ومراعاة خفْض عدد الطلاب في الفصول، واتباع تدابير النظافة الشخصية، لكنْ لا غِنى كذلك عن حتمية الحدّ من التفشي المجتمعي للفيروس.   

سمريتي مالاباتي

  • Published online:
وَضَعَت مدارس كثيرة في أنحاء شتى من العالم تدابير للحفاظ على مسافات آمنة بين طلابها.

وَضَعَت مدارس كثيرة في أنحاء شتى من العالم تدابير للحفاظ على مسافات آمنة بين طلابها.

Lauren DeCicca/Getty

في جميع أنحاء كوريا الجنوبية، يُخيم الصمت على المدارس وقت الغداء، حينما يتناول الأطفال طعامهم قبالة حواجز بلاستيكية تفصِلُهم عن أترابهم1. ويرتدون الكمامات على مدار اليوم الدراسي، ما عدا أثناء الأوقات التي يُراعَى فيها التباعد الاجتماعي والمسافات الآمنة في الفناء المدرسي. كما تُقاس درجات حرارة أجسادهم مرتين كل صباح: مرةً في المنزل، وأخرى عند بوابات المدرسة.

قد يكون هذا هو الواقع الجديد الذي سيعيشه ملايين الأطفال حول العالم. ومن ثم، فمع اقتراب عطلة الصيف من نهايتها في نصف الكرة الأرضية الشمالي -في بقاعٍ تشمل الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وبعض الدول الأوروبية، حيث أوصِدَت أبواب المدارس خلال تفشِّي جائحة فيروس كورونا الجديد- تناقِش الحكومات توقيت إعادة فتح المدارس، والتدابير اللازمة للقيام بذلك، إذ يشير عدد متنام من الدراسات إلى وجود سُبُل تكفل تحقيق ذلك على نحو آمن، مِن أهمِّها: توخي النظافة الشخصية، والتباعد الجسدي، ووضع تدابير للصحة العامة، من شأنها التصدِّي سريعًا لأية حالة انتشارٍ للعدوى. ويظل الحل الأهم والأكثر حسمًا هو خفض التفشي المجتمعي للفيروس.

وفي هذا الصدد، تقول زوي هايد، اختصاصية علم الأوبئة بجامعة جنوب أستراليا، في مدينة بِرث: "تُقدم لنا دول آسيوية –لا سيما كوريا الجنوبية– مثالًا جديرًا بأنْ يُحتذى به في كيفية إعادة الطلاب إلى المدارس، لتعليمهم وجهًا لوجه، في ظل الجائحة".

ومع ذلك، يرى باحثون أن عدد حالات الإصابة بالفيروس قد يعاود الارتفاع إذا فتحت المدارس أبوابها قبل أن تنخفض نِسَب الانتشار المجتمعي للعدوى.

بيئة عالية المخاطر

قد تغدو المدارس بيئة عالية المخاطر، على حد قول يانج جون تشوي، طبيب الأطفال واختصاصي علم الأوبئة في جامعة هاليم في مدينة تشنتشون، في كوريا الجنوبية، الذي يعلل ذلك بأن الأطفال يتكدسون -في كثير من الأحيان- داخل غرف رديئة التهوية في المدارس لثماني ساعات، أو أكثر، كما تنشأ درجة عالية من الاختلاط فيما بينهم، لأنهم يَفِدون من أنحاء شتى من الحي الذي تقع فيه مدرستهم، إما عبر وسائل المواصلات العامة في حال البعض، أو –كما يحدث في كثير من الأحيان- برفقة أولياء أمورهم.

كان قد بدا في وقت سابق من تفشِّي الجائحة أن استجابة الأطفال للفيروس قد تختلف عنها لدى البالغين، وأنهم أقل نقلًا للعدوى، لأن أعراضهم كانت طفيفة، مقارنة بالبالغين، بيد أنه ظهرت في الوقت الحالي أدلة على أن هؤلاء الصغار قادرون على نقل الفيروس إلى غيرهم من الأفراد، لا سيما مَن يشاركونهم العيش في منازلهم2،3. كما بيَّنت عدة دراسات أن الأطفال ليسوا أقل نقلًا للعدوى إذا ما تعرضوا للإصابة بها4.

ومن هنا، تقول هايد: "إذا أعيد فتح المدارس في المناطق التي تشهد تفشيًا مجتمعيًّا مرتفعًا للفيروس، فسوف تندلع فاشياتٌ كبرى لا محالة، وسيكون وقوع الوفيات هو النتيجة الحتمية". والحق أننا نلمس أدلةً على ذلك في نوبات التفشي المتفرقة التي نشبت بالفعل، وتبعاتها، ومنها تلك التي شهدتها مدرسة ثانوية في إسرائيل، ومعسكر في الولايات المتحدة.

خفْض التفشي المجتمعي

أظهرت الدراسات في كل من كوريا الجنوبية1، وأوروبا، وأستراليا5 أن بإمكان المدارس معاودة فتح أبوابها بأمان في حال انخفاض التفشي المجتمعي للجائحة. وقد عاد الأطفال في كوريا الجنوبية إلى فصولهم المدرسية في منتصف مايو الماضي، عندما هبط معدل حالات الإصابة المؤكَّدة بالمرض هناك إلى أقل من 50 حالة يوميًّا (أي ما يعادل تقريبًا حالة واحدة من كل مليون شخص). غير أنه حتى مع هذا المعدل المنخفض، وضعت حكومة البلد تدابير لمكافحة تفشي الفيروس، منها فتح المدارس على مراحل، بدءًا بالمدارس الثانوية، ثم مدارس التعليم الأساسي. كما اقتصر الحضور على نسبةٍ من الطلاب في المدارس الكبيرة، أو التي تقع في مناطق تشهد ارتفاعًا في عدد الحالات. ويُذكر أنّ المدارس كانت تغلق أبوابها، وتعود إلى التدريس عبر الإنترنت، إذا تبين ظهور إصابة بها.

وقد وجدت دراسةٌ أجراها باحثون في العاصمة الكورية الجنوبية، سول، ولم تخضع بعد لمراجعة أقران، أنه لم يحدث ارتفاع مفاجئ في عدد الإصابات بمرض "كوفيد-19" بين البالغين من العمر 19 عامًا فأقل خلال الشهرين التاليين على إعادة فتح المدارس1. وأفادت بيانات حكومية بأنه لم يُصَب بالعدوى في المدارس إلا طفل واحد من بين كل 111 طفلًا من طلاب المدارس بين مايو ويوليو الماضيين. وفي أغلب الأحيان، حَدَثَ أنْ انتقلتْ العدوى إلى هؤلاء الأطفال المصابين من أفراد أسرتهم، أو من مواقع أخرى. ويُعقِّب تشوي على ذلك قائلًا: "الدرس المستفاد هو أنّ بإمكاننا -من خلال تبنِّي السياسات المناسِبة- مكافحة انتشار العدوى في المدارس، وذلك إذا تحققت الظروف التي ينخفض فيها التفشي المجتمعي للفيروس، إذ ليس هناك ما يجعل كوريا بدعًا بين الدول".

كذلك خلُص استقصاء أجراه المركز الأوروبي لمكافحة الأمراض والوقاية منها إلى أنّ فتح المدارس من جديد في عدة بلدان أوروبية -الذي بدأ في منتصف مايو الماضي- لم تنجم عنه حتى الآن أية زيادة ملحوظة في نسب التفشي المجتمعي للفيروس.

أما في أستراليا، فقد أغلقت ولاية نيو ساوث ويلز (NSW) مدارسها إغلاقًا جزئيًّا في ذروة تفشِّي الجائحة بالولاية، في مارس الماضي، لكنها أبقت على عمل دور حضانة الأطفال. ومن هنا، اضطلعت كريستين ماكارتني -مدير المركز الوطني الأسترالي لبحوث التحصين والرصد في سيدني- مع زملائها بتحليل بيانات المدارس ودور حضانة الأطفال بالولاية، خلال الفترة من أواخر يناير إلى أوائل إبريل، حيث ظلت المدارس مفتوحة لأطفال العاملين في مجال الرعاية الصحية، أو مَن لا يملكون بديلًا.

وخلال فترة إجراء هذه الدراسة، بلغ متوسط عدد حالات الإصابة اليومي في الولاية 193 حالة (ما يعادل 24 حالة بين كل مليون شخص)، بيد أن هذه الاصابات حدثت بنسبة 58% في أوساط العائدين من خارج البلاد. ووجدت ماكارتني وزملاؤها أنه من بين 7700 مَدرسة ودار حضانة أطفال، لم تسجَّل حالات حدوث عدوى أولية على مدار فترة الدراسة إلا في 25 منها5، ولم تنتقل العدوى إلى المحيطين إلا في أربعٍ من هذه المنشآت.

وتشير ماكارتني إلى أنه عند النظر في هذه النتائج، يجب وضْعها في سياقها، المتمثل في قوة تدابير الصحة العامة التي اتخذتها الولاية لمواجهة الجائحة. فقد نجحت الولاية في الحفاظ على ارتفاع معدلات إجراء الفحوص لسكانها، ورصْد حالات الإصابة سريعًا، وتتبع المخالطين، كما أغلقت حدودها، مع فرْض سياسات حجر صحي صارمة. وفي هذا الصدد، تقول ماكارتني: "إذا خرج انتشار الجائحة عن السيطرة في المجتمع، فلا شك لدينا أنه سيطول المدارس"، منوِّهةً إلى أنه جرى تحديد مدارس كبؤر انتشار للجائحة في ولاية فيكتوريا المجاوِرة، عندما شهد عدد الحالات ارتفاعًا هناك مؤخرًا.

فصولٌ مكتظة

في المناطق التي تشهد تفشيًا مجتمعيًّا مستمرًا للجائحة، باتت المدارس والمعسكرات مواقع اندلاع فاشيات كبرى. وعلى سبيل المثال، اجتاح الفيروس معسكرًا ليليًّا في ولاية جورجيا الأمريكية في منتصف يونيو الماضي. كانت ولاية جورجيا، في اليوم الأول من أيام المعسكر، قد سجَّلت 993 حالة إصابة جديدة بـ"كوفيد-19"، إلا أنَّ المشاركين في المعسكر قد قُسِّموا إلى مجموعات، ليناموا في كبائن جماعية، وصل عدد أفراد المجموعة الواحدة إلى 26 فردًا، ولم يُطلَب منهم ارتداء الكمامات، وكانوا يمرحون معًا، ويُنشِدون الأغاني يوميًّا؛ فكانت النتيجة أنه من بين 344 فردًا شاركوا في المعسكر، وخضعوا لفحوص الكشف عن فيروس "سارس-كوف-2"، ثبتت إصابة نسبة هائلة منهم بالفيروس، بلغَتْ ثلاثة أرباع هذا العدد6.

وقد رُصدت فاشية كبرى أخرى في مدرسة ثانوية في القدس بإسرائيل، بعد مضي عشرة أيام على إعادة فتح جميع المدارس هناك في منتصف مايو الماضي. فمع بدء الأطفال معاودة حضور الصفوف الدراسية في مدارسهم، سجَّلت إسرائيل حوالي 127 حالة إصابة يوميًّا في أوائل مايو، ما يعادل 15 حالة إصابة بين كل مليون شخص.

ومع تجاوُز درجة حرارة الجو 40 درجة مئوية، جلس الطلاب في مدرستهم الثانوية داخل فصول دراسية مكيَّفة الهواء مع أكثر من 30 فردًا من زملائهم في الصف الدراسي، دون ارتداء كمامات. ونتيجةً لذلك، أُصيب في موجة التفشي تلك 153 طالبًا، و25 فردًا من العاملين في المدرسة، و87 شخصًا من أشقاء وآباء وأصدقاء هؤلاء المصابين7.

وهكذا، فإن البيئات المدرسية يمكن أن تعزِّز خطر تفاقم تفشي الفيروس في المجتمعات. وعلى سبيل المثال، ضربت فاشية هائلة مدرسة كبيرة في مدينة سانتياجو في تشيلي في مارس الماضي، بعد مرور تسعة أيام فقط على رصد أولى حالات الإصابة بـ"كوفيد-19" في البلاد. كان كل فصل في المدرسة يضمُّ أكثر من 30 طفلًا، إضافةً إلى الاجتماعات التي عكفَتْ الإدارة على عقدها بين الآباء والمعلمين. ومن ثم، رصد الباحثون وجود أجسام مضادة لفيروس "سارس-كوف-2" في 10% من طلاب المدرسة، و17% من العاملين فيها، في الفحوص التي أجروها بعدها بقرابة شهرين8.

تشير حوادث التفشي هذه في كل من إسرائيل وتشيلي إلى أن ارتفاع أعداد الطلاب في الفصول المدرسية قد يلعب دورًا في انتشار العدوى في المدارس، على حد قول إدوارد جولدستاين، اختصاصي الأوبئة والأمراض المعدية في كلية هارفارد تي إتش تشان للصحة العامة في بوسطن بولاية ماساتشوستس.

ويتعين على المدارس تطبيق تدابير تحقِّق درجة معقولة من التباعد الاجتماعي، وذلك -على سبيل المثال- بجعل اليوم الدراسي ينقسم إلى نوبة صباحية، وأخرى مسائية، لخفض عدد الأطفال في الفصول الدراسية، ومنع تجمع الآباء والمعلمين عند مداخل المدارس ومخارجها، حسبما يقترح ميجيل أورايان، الباحث المتخصص في الأمراض المعدية لدى الأطفال بجامعة تشيلي في سانتياجو، الذي قاد الدراسة عن فاشية مدرسة سانتياجو.

أما كاثرين أوجر، الباحثة المتخصصة في طب الأطفال في المركز الطبي لمستشفى سينسيناتي للأطفال بولاية أوهايو، فترى أنه إذا أعادت المدارس فتح أبوابها في المناطق التي تشهد معدلات تفشٍّ مجتمعي مرتفعة، فسوف يكون الحرص على ارتداء الكمامات، وخفض عدد الطلاب في الفصول، وغسل الأيدي، وإجراء الفحوص، ورصد الحالات المصابة وتتبعها، إجراءاتٍ بالغة الأهمية.

وتختتم بقولها: "إذا عادت المدارس إلى ما كانت عليه، فسوف نكون في ورطة".

References

  1. Yoon, Y., Kim, K.-R., Park, H., Kim, S. y. & Kim Y.-J. Preprint at medRxiv https://doi.org/10.1101/2020.08.03.20165589 (2020). 
  2. Dattner, I. et al. Preprint at medRxiv https://doi.org/10.1101/2020.06.03.20121145 (2020). 
  3. Hu, S. et al. Preprint at medRxiv https://doi.org/10.1101/2020.07.23.20160317 (2020). 
  4. Jones, T. C. et al. Preprint at medRxiv https://doi.org/10.1101/2020.06.08.20125484 (2020).
  5. Macartney, K. et al. Lancet Child Adol. Health https://doi.org/10.1016/S2352 4642(20)30251-0 (2020). | article
  6. Szablewski, C. M. et al. Morb. Mortal. Wkly Rep. 69, 1023–1025 (2020). | article
  7. Stein-Zamir, C. et al. Eurosurveillance https://doi.org/10.2807/1560-7917.ES.2020.25.29.2001352 (2020). | article
  8. Torres, J. P. et al. Clin. Infect. Dis. https://doi.org/10.1093/cid/ciaa955 (2020). | article