أخبار

عالِم رياضيات أطلق ثورة في علوم الفيزياء

دافيديه كاستلفيكي
  • Published online:

Credit: Bob Paz/Caltech

كشف عالِم الفيزياء الرياضياتية، باري سيمون، في عام 1983 عن علاقة مثيرة للدهشة بين ظاهرة تحدث في المواد، وفرع من علوم الرياضيات يُعرف بالطوبولوجيا، وهو فرع يُعنى بدراسة الأشكال الفيزيائية التي تطرأ عليها تغيرات باستمرار. وفي الوقت الحالي، أثبت هذا المجال أهميته الشديدة في فهْم أشكال الموجات الكمّية التي تتكون عن طريق الإلكترونات الموجوة داخل مواد محددة، حيث يمكن لهذه الموجات أن تُكوّن أشكالًا طوبولوجية مثل الدوّامات، والعُقد، والضفائر، كما تنتج العديد من الخواص الغريبة. وقد كان لأبحاث سيمون الفضل في تفسير ظاهرة غريبة ترتبط بالمقاومة الكمّية تُسمى "تأثير هول الكمّي"، التي سيشهد هذا الشهر مرور 40 عامًا على وضع أول توصيف لحدوثها في أحد أشباه الموصلات على يد عالِم الفيزياء الألماني كلاوس فون كليتزينج. ففي ظروف معينة، تتزايد المقاوَمة الكهربائية في المواد زيادة كبيرة -بالإمكان توقعها- بدلًا من التزايُد بصورة مطردة، ويرجع ذلك إلى سلوك الإلكترونات الطوبولوجي. وقد أوضح سيمون -بالتعاون مع زملائه- أن المعادلات التي وُضعت لتوصيف تأثير هول الكمّي كانت في حقيقتها تعبر عن ظاهرة طوبولوجية. ويستخدم الباحثون الآن الأفكار المستقاة من هذا المجال للتنبؤ بظواهر فيزيائية أخرى، ويأملون أن يصبح بإمكانهم استخدام ملاحظات فريق سيمون في مجالات معينة، مثل الحوسبة الكمّية. ومن هنا، أجرت دورية Nature حوارًا مع سيمون، لسؤاله عن الكيفية التي بدأ بها كل هذا، وعن العلاقة بين الفيزياء، والرياضيات.

 

ما الذي دفعك إلى التفكير بأن ثمة علاقة بين تأثير هول الكمّي، والطوبولوجيا؟

المثير للدهشة فيما يخص تأثير هول الكمّي هو أن ظاهرة يبدو أنها تحدث بصورة مطردة، يتضح لنا أنها مجزأة إلى كميات، أي تحدث على أقسام ذات قِيَم متمايزة. وعندما رأيت المعادلة التي وضعها ديفيد ثاوليس (عالم الفيزياء النظرية) لتفسير تأثير هول الكمّي، انصرف ذهني مباشرة إلى مبدأ في الطوبولوجيا يُعرف بالهوموتوبي (التماثل الطوبولوجي). وأبسط الأمثلة التي تَرِد على الذهن لهذا المبدأ هو الكيفية التي يمكن بها لدائرةٍ ما أن تغيِّر باستمرار النقاط الفراغية التي تشغلها لتتحول إلى شكلها. وفي حال تحوُّل دائرة ما لتُمَاثِل دائرة أخرى، هناك نقطة محورية، هي: أن واحدة من الدائرتين تلتف حول الأخرى عددًا صحيحًا من المرات. وإذا قمنا بتغيير شكل الدالة التي تحقِّق ذلك التماثل باستمرار، سنجد أنّ قيمة هذا العدد لن تتغيّر.

 

أَشَرْتَ في أبحاثك إلى أن هذا التأثير الطوبولوجي، الذي يُطلَق عليه "عدد الالتفاف"، يجعل المقاومة في أشباه الموصلات تقفز بين قِيَم متمايزة، فهل كنت تعتقد أن هذا الاكتشاف سيحظى بالنجاح لهذه الدرجة؟

كنت أعي أن هذا الاكتشاف سيثير ضجة، لأنه سيجذب انتباه علماء فيزياء الطاقة العالية، ممن اعتادوا بالفعل التعامل مع أفكار من عالم الطوبولوجيا، لكنني لم أدرك أنه سيكون له هذا التأثير الذي استمر طويلًا في مجال فيزياء الأجسام الصلبة.

 

بوصفك عالِم رياضيات، هل تفكر بطريقة مختلفة عمّا يفكر به علماء الفيزياء النظرية؟

هناك خط يفصل فصلًا حادًّا بين عمل علماء الفيزياء وعلماء الرياضيات، وهو مسألة "البرهنة" على شيء ما بالمعنى الرياضياتي. إنه بالضبط الفارق بين الشرح، والبرهان. فالمجالان مختلفان تمامًا في أسلوبهما.

 

وكيف تصف العلاقة بين هذين المجتمعين العلميين؟

يعتمد هذا على المجالات الفرعية التي نحن بصددها. وعلى سبيل المثال، اعتاد علماء فيزياء المواد المكثفة على النظرة المتعالية التي ينظر بها إليهم مجتمع علماء فيزياء الطاقة العالية. وكمثال، كان عالِم فيزياء الجسيمات موري جيلمان يصف فيزياء المواد المكثفة بأنها "فيزياء الحالة المنحطة"، إلى حد أن هذا دفع علماء فيزياء المواد المكثفة إلى عدم النظر بتعال إلى التخصصات الأخرى. كذلك جرت العادة بين علماء فيزياء الطاقة العالية، وعلماء الفيزياء المختصين بدراسة نظرية الأوتار على تبَنِّي نظرة سلبية تجاه الرياضيات. ويغيب أحيانًا الاحترام المتبادل بين هذه الأطراف.

 

وهل يمثل هذا ضررًا على الأبحاث؟

إنه ضار بالحياة بالتأكيد، فهو يجعلها أقل إمتاعًا.. لكن هل يمثل ضررًا على مجالنا المهني؟ هل كان العِلْم سيتقدم أكثر لولاه؟ لا أعرف، لكن عندما يبلغ الأمر درجة تمنع فيها هذه القضايا الثقافية التعاوُن بين التخصصات، فهو يشكل عندئذ ضررًا كبيرًا، بيد أنه حتى لو كان العلماء أكثر قبولًا لبعضهم بعضًا، فليس واضحًا -في بعض الأحيان- ما إذا كان ذلك سيجعلهم قادرين على التعاوُن على نحو فعّال، أم لا.

 

هل تَحَسّن التفاعل بين هذين المجتمعين العلميين منذ عام 1980؟

ما زال هناك معسكر منفصل لكل تخصص، لكنّ المشهد العام قد تغيّر بشكل كبير. والاهتمام المتبادَل بين كلا المجالين صار أكبر ممّا كان عليه قبل 40 سنة. وتدهشني -على سبيل المثال- الطفرة التي طرأت على استخدام أفكار علم الطوبولوجيا في مجال فيزياء المواد المكثّفة. إنها مذهلة بحق.

 

أجرى الحوار: دافيديه كاستلفيكي

حُررت هذه المقابلة مراعاةً لطول المقال، والوضوح.