أنباء وآراء

وصفةٌ تقلب الموازين لإنتاج الأنيلينات 

ينظر الكيميائيون إلى حلقات البنزين عمومًا باعتبارها وحدات بناء، تُعَد سلفًا لتكوين جزيئاتٍ أكبر حجمًا، لكنَّ باحثين عارضوا تلك الفكرة بما اكتشفوه في تفاعلاتٍ إنتاج مركّبات الأنيلين، التي تُعَدّ سلائف لكثيرٍ من المنتجات الكيميائية عالية القيمة.

فاليري إيه. شميدت

  • Published online:

تمكَّن علماء الكيمياء -بفضل عقودٍ من الأبحاث- من توفير أدواتٍ لصناعة مجموعة متنوعة من الجزيئات العضوية، من خلال تسلسلاتٍ قصيرة من التفاعلات عالية الإنتاجية، مستفيدين في ذلك من وحدات بناء كيميائية رخيصة ومتوفرة بكمياتٍ كبيرة. وعندما يُكشَف عن تفاعلٍ جديد يُغيِّر جذريًّا ماهية وحدات البناء التي يمكن استخدامها، فإنَّ هذا التفاعل يمكن أن يقلب الموازين. وفي بحثٍ نُشِرَ مؤخرًا في دورية Nature، أفاد الباحث شاشيكانت ديجيه وزملاؤه1 باكتشافهم واحدًا من هذه التفاعلات التي ربما تُحدِث تحولًا جذريًّا في مجال الكيمياء، وهو تفاعلٌ يَستخدم الضوء، واثنين من الفلزات الانتقالية الحفَّازة، لإنتاج المركّبات المعروفة باسم الأنيلينات، وهي من المكونات الرئيسة التي تدخل في صناعة المستحضرات الدوائية، والكيماويات الزراعية، والصبغات، والمواد الإلكترونية، والبوليمرات2،3.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه عندما يصف علماء الكيمياء جزيئاتٍ عضوية معينة بكونها عطرية، فإنَّهم لا يشيرون بذلك إلى رائحتها، بل يصفون -في الواقع- احتواءها على عدد محدد من الإلكترونات المترابطة في منظوماتٍ دائرية، وهو ما يقلل من طاقة هذه الجزيئات، كتلك المحتوية على حلقات البنزين. ومركّبات الأنيلين تتألف من حلقات بنزين، ترتبط بكل منها ذَرَّة نيتروجين واحدة، وتشبه رائحتها -في كثير من الأحيان- رائحة السمك، غير أنَّ تلك الرائحة هي من أقل خصائصها أهميةً وإثارةً للاهتمام.

وقد كانت مجموعات الأنيلين أحد المكونات المستخدَمة في صناعة ثلاثةٍ من المستحضرات الدوائية العشرة الأعلى مبيعًا حول العالم في عام 2019، ألا وهي: "إليكويس" Eliquis (أبيكسابان apixaban)، و"ريفليميد" Revlimid (ليناليدوميد lenalidomide)، و"زاريلتو" Xarelto (ريفاروكسابان rivaroxaban)، التي تجاوز إجمالي قيمة مبيعات متاجر التجزئة منها 28 مليار دولار أمريكي (انظر: go.nature.com/2dirpwf، المرجع رقم 4). وإضافةً إلى ذلك، تُعَد مركّبات الأنيلين سلائف لواحدٍ من المونومريْن اللازميْن لإنتاج مواد البولي يوريثان، التي تُستخدم بدورها في إنتاج كل شيء، بدءًا من الأقمشة المطاطة، والفوم القابل للضغط، وانتهاءً بعجلات ألواح التزلج، والأفعوانيات5، وهي جميعها منتجات تجارية عالية القيمة. ولذلك، فإنَّ إيجاد طرقٍ متنوعة لإنتاج الأنيلينات من المواد الكيميائية المتوفرة أمر بالغ الأهمية.

تُشتَق مركّبات الأنيلين البسيطة عمومًا من مركّبات البنزين، والتولوين، والزيلين (التي يُشار إليها مجتمعةً بالاختصار BTX)، وهي بتروكيماويات متاحة بتكلفةٍ منخفضة، وكمياتٍ ضخمة. وتحتوي هذه الوحدات البنائية على حلقة بنزين، يمكن الاستعاضة فيها عن إحدى روابط الكربون والهيدروجين (C–H) برابطةٍ بين الكربون والنيتروجين (C-N)، دون الإخلال بالمنظومة العطرية، وهو ما يؤدي إلى إنتاج البِنْية العطرية للأنيلينات، التي تتسم بإضافة النيتروجين إليها. وتُسمَّى هذه الطريقة في إنتاج مركّبات الأنيلين مسار النترتة والاختزال2 (شكل رقم 1أ).

شكل 1| طرق لتصنيع الأنيلينات. أ) في مسار النترتة والاختزال المُكوَّن من خطوتين، تحل مجموعة أمينية أولية (NH2)محل ذَرّة هيدروجين في حلقة البنزين، وذرات الهيدروجين الموجودة على ذرات الكربون الأخرى غير موضحة في الشكل. ب) في تفاعلات الاستبدال العطرية، يحل أحد المركّبات الأمينية محل ذَرّة هالوجين (X)، في وجود مادة قاعدية، أو حفَّازة. وفي كلٍّ من العمليتين (أ) و(ب)، تأتي حلقة البنزين الخاصة بالأنيلين من المادة الأولية، ولا تتغير إلا المجموعات المرتبطة بالحلقة (موضحة باللون الأزرق). جـ) يصف ديجيه وزملاؤه1تفاعلات الأمْيَنة النازعة للهيدروجين، التي تُكوَّن فيها حلقة البنزين الخاصة بالأنيلين من حلقة كيتون حلقي (الحلقات الموضحة باللون الأحمر)، وتتحول مجموعة كاربونيل (C=O) إلى مجموعة أمينية (موضحة باللون الأزرق). وتتطلب هذه التفاعلات مادة إريديوم حفَّازة مُنشَّطة بالضوء، ومادة كوبالت حفَّازة. ويمكن أن يمثل الرمز R1 أي مجموعة كيميائية؛ بينما الرمزان R2، وR3 يمثلان ذَرّة هيدروجين، أو أي مجموعة هيدروكربونية.

شكل 1| طرق لتصنيع الأنيلينات. أ) في مسار النترتة والاختزال المُكوَّن من خطوتين، تحل مجموعة أمينية أولية (NH2)محل ذَرّة هيدروجين في حلقة البنزين، وذرات الهيدروجين الموجودة على ذرات الكربون الأخرى غير موضحة في الشكل. ب) في تفاعلات الاستبدال العطرية، يحل أحد المركّبات الأمينية محل ذَرّة هالوجين (X)، في وجود مادة قاعدية، أو حفَّازة. وفي كلٍّ من العمليتين (أ) و(ب)، تأتي حلقة البنزين الخاصة بالأنيلين من المادة الأولية، ولا تتغير إلا المجموعات المرتبطة بالحلقة (موضحة باللون الأزرق). جـ) يصف ديجيه وزملاؤه1تفاعلات الأمْيَنة النازعة للهيدروجين، التي تُكوَّن فيها حلقة البنزين الخاصة بالأنيلين من حلقة كيتون حلقي (الحلقات الموضحة باللون الأحمر)، وتتحول مجموعة كاربونيل (C=O) إلى مجموعة أمينية (موضحة باللون الأزرق). وتتطلب هذه التفاعلات مادة إريديوم حفَّازة مُنشَّطة بالضوء، ومادة كوبالت حفَّازة. ويمكن أن يمثل الرمز R1 أي مجموعة كيميائية؛ بينما الرمزان R2، وRيمثلان ذَرّة هيدروجين، أو أي مجموعة هيدروكربونية.

كبر الصورة

ولكن هناك مسارٌ بديل، هو أن تحلّ روابط الكربون والنيتروجين محلّ روابط الكربون والهالوجين في مشتقات البنزين، والتولوين، والزيلين6، إما باستخدام مادةٍ قاعدية قوية، إذا كانت حلقة البنزين عالية النشاط، أو باستخدام محفزاتٍ فلزية مُعقَّدة. وهذه التفاعلات تُعرَف عمومًا باسم تفاعلات الاستبدال العطرية (شكل رقم 1ب). وكلٌّ من مسارات النترتة والاختزال، وتفاعلات الاستبدال العطرية ترتكز -في الأساس- على الفكرة المترسخة التي تقضي بأنَّ الجزيئات العطرية المعقدة لا تتكون إلَّا من وحدات بناء تحتوي بالفعل على حلقاتٍ عطرية. ولذلك، فإنَّ البِنى العطرية لا تُكوَّن عمومًا من الصفر خلال عمليات التصنيع العضوي، بل تُستخدم كمواد خام، "مضاف" إليها مجموعاتٌ كيميائية أخرى.

وتشبه هذه العملية الطريقة التي يفكر بها الخبازون في إعداد فطائر التفاح، حيث تُعَد هذه الفطائر باستخدام عجين الخَبز، لإعداد الطبقة الخارجية، ويُستخدم التفاح للحشو. والتفاح هو المكون الوحيد الذي يمكن استعماله في تلك الحالة، إذ من المستحيل إعداد حشوة التفاح من مكوناتٍ أخرى. ولحسن حظ الخبازين، فإنَّ التفاح رخيص نسبيًّا، ومتوفر بكمياتٍ كبيرة في معظم المناطق، غير أنَّه يُنظَر إلى الموارد اللازمة لزراعته وإنمائه وحصاد ثماره الناضجة وتوزيعها وكأنها من الأشياء التي تتوفر تلقائيًّا دون مجهود. وهذا يُضاهي استعمال مركّبات البنزين، والتولوين، والزيلين على مر التاريخ لصنع منتجاتٍ جزيئية أكثر تعقيدًا، باعتبار تلك المركّبات "مكونات" رخيصة ومتاحة بكمياتٍ كبيرة. فالعملية الجيولوجية التي تستغرق وقتًا طويلًا لإنتاج النفط الخام من المواد العضوية، بالإضافة إلى عملية توفير الموارد الكثيرة اللازمة لاستخراج النفط، واستخلاص مركّبات البنزين، والتولوين، والزيلين منه، ثم توزيعها من أجل استعمالها في عمليات التصنيع، يُسلم بسهولتهما.

ولكنْ ماذا لو لم تكن ثمار التفاح هي المكون الوحيد الذي يمكن استخدامه في إعداد الحشوة؟ ماذا لو أمكن بطريقةٍ ما أن نستعيض عنها ببذور التفاح -التي تحتوي على جميع المعلومات الجينية الأساسية اللازمة لإنتاج هذه الثمرة- ومعها القليل من التوابل الخاصة، وأن نُعِد مع ذلك فطيرة تفاحٍ مثالية؟ في هذا التصور (الذي نُقِرُّ بكونه مُستبعَدًا)، سيتعين علينا أن نغير فكرتنا عن أن ثمار التفاح هي المكون الأساسي الوحيد لتلك الفطيرة. وما فعله ديجيه وزملاؤه -في الأساس- في دراستهم هو إجراء تفاعلٍ كيميائي يضاهي إعداد فطيرة التفاح من بذور هذه الثمرة.

استغل الباحثون واحدةً من السمات الأساسية لمركّباتٍ تحتوي على النيتروجين، تُسمَّى بالأمينات، وهذه السمة هي ميلها إلى التفاعل مع مجموعات الكربونيل (C=O)، لتكوين رابطةٍ بين الكربون والنيتروجين. وتنتج عن هذه التفاعلات مركباتٌ تُعرَف باسم الإينامينات، وهي مركباتٌ تحتوي على حلقةٍ غير عطرية، يمكن أن تفقد بسهولة إلكترونًا، لتكتسبه مادةٌ حفَّازة مُنشَّطة بالضوء من الإريديوم (انظر الشكل رقم 1b في الورقة البحثية1). ويؤدي فقدان الإلكترون إلى إنتاج مركّبٍ وسيط نشط، يُسمَّى شِق الإينامينيوم، يحتوي على إلكترونٍ غير مقترنٍ بغيره. ويتفاعل هذا الشِق بعد ذلك مع مادةٍ حفَّازة من الكوبالت، تزيل ذرات الهيدروجين بالتتابع من الحلقة غير العطرية، مكونةً بهذا الحلقة العطرية للأنيلين. ويُسمِّي العلماء هذه العملية في مجملها عملية الأمْيَنة النازعة للهيدروجين (شكل 1جـ)، وهي تسمح بإنتاج الأنيلينات من السلائف غير العطرية.

ويُذكر أنه سبق أن استخدم العلماء مواد إريديوم حفَّازة مُنشَّطة بالضوء في عمليات أكسدة إلكترونات مفردة7 (وهي عمليات يُفقَد خلالها إلكترون من الجزيء)، كما سبق استخدام مواد الكوبالت الحفَّازة في إزالة ذرات الهيدروجين من الجزيئات8. غير أن ديجيه وزملاؤه تمكنوا، عن طريق مزج هاتين العمليتين معًا، من إنتاج تفاعلٍ، تأثيره أكبر من إجمالي تأثيراتهما. وقد أفادت أبحاثٌ سابقة بطرقٍ أخرى لتحضير الحلقات العطرية من الصفر9،10، لكنَّ تلك الطرق كان من الصعب استخدامها في عملية التصنيع العضوي.

وفي الدراسة، يثبت الباحثون أنَّ تفاعلهم يمكن أن ينتِج طائفة واسعة من الأنيلينات، يحتوي ثلثاها تقريبًا على أنماطٍ بنيوية توجد عادةً في المركّبات النشطة بيولوجيًّا، أو المستحضرات الدوائية. فقد أوضحوا بالفعل أنَّ التفاعلات التي اكتشفوها يمكن استخدامها في إعداد سبعة أدوية، من بينها المخدر الموضعي "ليدوكايين" lidocaine، وعقار "فيسنارينون" vesnarinone الذي يُستخدم لعلاج أمراض القلب والأوعية الدموية. هذا بالإضافة إلى أنَّ استخدام عملية الأمْيَنة النازعة للهيدروجين في تصنيع هذين المركبين يتيح تفادي المشكلات المصاحبة لطرق الإنتاج الصناعية المُستخدَمة حاليًّا، التي تبدأ بوحدات بناء عطرية.

وقد تكون هناك فائدة للتفاعلات التي اكتشفها ديجيه وزملاؤه في الحالات التي لا تحدث فيها تفاعلات النترتة والاختزال انتقائيًّا عند رابطةٍ مفردة بين الكربون والهيدروجين على إحدى الحلقات العطرية، أو إذا كانت تفاعلات الاستبدال العطرية منخفضة الإنتاجية، أو باهظة التكلفة إلى حدٍ يمنع استخدامها. ولكنَّتفاعلات مسار النترتة والاختزال تتسم بفعاليتها وقابلية زيادة إنتاجيتها في العموم، كما أنَّها تعتمد على مواد أولية غير مكلفة، ولذلك.. فقد أتاحت تصنيع الأنيلينات بكمياتٍ ضخمة، وهو ما يفسر جزئيًّا استخدام المركّبات المحتوية على الأنيلينات على هذا النطاق شديد الاتساع. وفي المقابل، فإنَّنا نجهل عمليات الهندسة الكيميائية اللازمة لزيادة إنتاج تفاعلات ديجيه وزملائه، المعتمِدة على التنشيط الضوئي والتحفيز بالإريديوم، وهذا سيكون من العوامل المؤثرة في مدى الاعتماد على هذه التفاعلات في إنتاج الكيماويات التجارية. وإضافةً إلى كل ما سبق.. يُعَد الإريديوم واحدًا من أكثر العناصر ندرةً في قشرة الأرض، مما يحدّ من الإمدادات المتاحة من مادته الحفَّازة، ويزيد من تكلفتها.

ومع كل ذلك، فقد أوضح ديجيه وزملاؤه أنَّ تصنيع الأنيلينات ليس من الضروري أن يتقيد بالقواعد التقليدية التي تُملِي علينا كيفية استخدام الحلقات العطرية المُعَدَّة سلفًا. وسيتبيَّن مع الوقت ما إذا كانت التفاعلات التي كشفها الباحثون سوف تحلّ بالكامل محلّ الممارَسات المُتَّبعة حاليًّا، أم لا، لكنَّ توفُّر مجموعةٍ أكبر من الخيارات لصنع الأنيلينات هو أمرٌ رائع.

References

  1. Dighe, S. U., Juliá, F., Luridiana, A., Douglas, J. J. & Leonori, D. Nature 584, 75–81 (2020). | article
  2. Kahl, T. et al. in Ullmann’s Encyclopedia of Industrial Chemistry https://doi.org/10.1002/14356007.a02_303.pub2 (Wiley, 2011). 
  3. Vogt, P. F. & Gerulis, J. J. in Ullmann’s Encyclopedia of Industrial Chemistry https://doi.org/10.1002/14356007.a02_037 (Wiley, 2000).
  4. McGrath, N. A., Brichacek, M. & Njardarson, J. T. J. Chem. Educ. 87, 1348–1349 (2010).  | article
  5. Szycher, M. Szycher’s Handbook of Polyurethanes 2nd edn (CRC, 2012). 
  6. Hartwig, J. F., Shekhar, S., Shen, Q. & Barrios-Landeros, F. in PATAI’s Chemistry of Functional Groups (eds Rappoport, Z. et al.https://doi.org/10.1002/9780470682531.pat0391 (Wiley, 2009).
  7. Prier, C. K., Rankic, D. A. & MacMillan, D. W. C. Chem. Rev. 113, 5322–5363 (2013). | article
  8. Dempsey, L. L., Brunschwig, B. S., Winkler, J. R. & Gray, H. B. Acc. Chem. Res. 42, 1995–2004 (2009). | article
  9. Iosub, A. V. & Stahl, S. S. ACS Catal. 6, 8201–8213 (2016). | article
  10. Liu, X., Chen, J. & Ma, T. Org. Biomol. Chem. 16, 8662–8676 (2018). | article

فاليري إيه. شميدت تعمل في قسم الكيمياء والكيمياء البيولوجية بجامعة كاليفورنيا في سان دييجو، لاهويا، كاليفورنيا 92093، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: vschmidt@ucsd.edu