أخبار

هل ينبغي تغيير قواعد تسمية الفيروسات في أثناء جائحة؟

يرى بعض علماء الفيروسات أنَّ هناك حاجة ملحة إلى توحيد معاييرتسمية الفيروسات، في حين يرى آخرون أن التوقيت الحالي غير مناسب لذلك. 

سمريتي مالاباتي
  • Published online:
جزيئات من فيروس كورونا حسبما تظهر تحت المجهر الإلكتروني النافذ.

جزيئات من فيروس كورونا حسبما تظهر تحت المجهر الإلكتروني النافذ.

Credit: AMI Images/Science Photo Library

يتبادل علماء الفيروسات النقاش حول ما إذا كان يجب أن يوضع لاحقًا خلال هذا العام نظام موّحد لتسمية أنواع الفيروسات، أم لا، إذ يرى بعض الباحثين أن الطريقة الحالية المستخدَمة في تسمية الفيروسات تتسم بالعشوائية؛ وأن ثمة حاجة عاجلة بالتبعية- إلى توحيد نُظم التسمية هذه، غير أنَّ علماء آخرين يرون أنَّ الوقت الحالي ليس مناسبًا لخوض نقاشات أكاديمية بشأن أعراف تسمية الفيروسات، في الوقت الذي تنصب فيه جهود علماء الفيروسات على مواجهة الجائحة.

وتجدر الإشارة إلى أن علماء الفيروسات يتبنون في الوقت الحالي عدة طرق لتسمية أنواع الفيروسات (الأنواع هي الرتبة الأساسية في علم التصنيف). وتعتمد هذه الطرق -في كثير من الأحيان- على مكان اكتشاف الفيروس، أو الحيوانات المضيفة له، أو المرض الذي يسببه. ويحاجج كثيرون بأنَّ غياب أعراف التسمية في هذا السياق يحبط الباحثين الذين يتعرّفون على فيروسات جديدة بصورة منتظمة. كما أنه يسبب التباسًا حينما يكون الاسم الشائع للفيروس هو اسم النوع نفسه الذي ينتمي إليه، مثلما هو الحال مع "فيروس الفاريولا" Variola virus، المُسبِّب لمرض الجدري.

وقد اقترحت اللجنة الدولية لتصنيف الفيروسات (ICTV)، وهي جهة تشرف على تسمية التصانيف الفيروسية، نظامًا سيُطرح للتصويت في شهر أكتوبر من العام الجاري(S. G. Siddell et al. Arch. Virol. 165, 519–525; 2020). وإذا جرى تفعيل هذا النظام، فقد يؤدي إلى تغيير الطريقة التي تجري بها تسمية جميع أنواع الفيروسات المعروفة تقريبًا، التي يزيد عددها على 6500 نوع.

وفي ذلك الصدد، يقول إدوارد هولمز، عالِم الفيروسات من جامعة سيدني بأستراليا: "لا شك أنَّ وضع نظام تصنيف موحَّد لتسمية أنواع الفيروسات جيد وصائب؛ إذ إنَّ "النظام" الحالي لذلك يتسم بالفوضوية الشديدة، وهو من أهم أسباب إحباط علماء الفيروسات، الذين يتعرفون بشكل دوري على فيروسات جديدة". ومع ذلك، يقول هولمز إنَّ السعي وراء وضع هذا النظام "لا يمكن وصفه بالـ"عاجل"، إذا ما قورن بالجهود المطلوبة لمكافحة جائحة عالمية".

ومن ناحية أخرى، يرى باحثون آخرون أنَّ الوقت الحالي هو الأمثل لاتخاذ هذا الإجراء. فعلى حد قول إريك ديلوارت، عالِم الفيروسات من جامعة كاليفورنيا بولاية سان فرانسيسكو الأمريكية، شهدت السنوات الخمس عشرة الأخيرة تزايدًا في أعداد الفيروسات والأنواع المكتشَفة، بفضل تقنية تحديد التسلسل الجيني. ويضيف قائلًا: "هذا هو العصر الذهبي لاكتشاف الفيروسات. وهو وقت مناسب للشروع في تصنيف هذا السيل من الجينومات الفيروسية".

الضغط الزمني

يأتي ذلك الجدال في خضم مناقشات دائرة بشأن مسألة تسمية أخرى، وهي كيفية تصنيف عشرات الآلاف من جينومات فيروس "سارس-كوف-2" SARS-CoV-2 المسبب لمرض "كوفيد-19" COVID-19، التي يجري العمل على تحديد تسلسلاتها في جميع أنحاء العالم، إذ تُوصف مجموعات الفيروسات التي تجمع بينها قرابة تطورية باسم السلالات، ومن المهم تتبُّع هذه السلالات، تحسبًا لنشوء طفرات بها، تعزز خطورة الفيروس، أو تجعله أكثر قدرة على الإصابة بالعدوى. ويُذكر أن اللجنة الدولية لتصنيف الفيروسات لا تضع قواعد، إلا فيما يخص التصنيف على مستوى الأنواع، غير أنَّ هولمز وغيره من علماء الفيروسات المستقلين عن اللجنة اقترحوا منهجية لتسمية سلالات فيروس "سارس كوف- 2" (A. Rambaut et al. Nature Microbol. http://doi.org/gg47xd;2020).

وفي الوقت الحالي، لا توجد أية شروط يجب توافرها في اسم نوع الفيروس، إلا أن يُكتب بالخط المائل (مع كتابة الحرف الأول من الكلمة الأولى منه بحرف كبير)، وأن يكون مفهومًا بدرجة كافية، وأن يضم أقل عدد ممكن من الكلمات، بالرغم من وجود بعض الأسماء الطويلة، مثل "فيروس إندونيسيا المُسبب لتجعد واصفرار أوراق الطماطم" Tomato yellow leaf curl Indonesia virus. وقد نشر بعض أعضاء اللجنة التنفيذية الخاصة باللجنة الدولية لتصنيف الفيروسات -في الثالث من ديسمبر الماضي- ورقة بحثية في دورية "أركايفز أوف فايرولوجي" Archives of Virology يقترحون فيها نسقًا جديدًا للتسمية، تقتصر فيه أسماء أنواع الفيروسات على كلمتين فحسب.

وفي هذا النسق، ستكون الكلمة الأولى -حسب اقتراح الباحثين- هي اسم جنس الفيروس (الذي ينتهي بالمقطع "virus")، والذي يُعرَّف بأنه مجموعة من الأنواع تملك بعض السمات المشتركة. وتقترح الورقة ثلاثة اختيارات للكلمة الثانية. ويتمثل الخيار الأول في استخدام مصطلح لاتيني بصورة دائمة، تماشيًا مع قواعد مماثلة تُطَبّق على تسمية الكائنات الحية، مثل نوع الإنسان العاقل Homo Sapiens. أما الخيار الثاني، فسوف يُقْصِر تكوين الكلمة الثانية على الأرقام، أو الحروف، مثلما هو الحال في الاسم AlphacoronaVirus 1 (فيروس كورونا ألفا 1)، بينما يتمثل الخيار الثالث في فتح الباب أمام استخدام أية تشكيلة من الحروف أو الأرقام. وبعبارة أخرى، قد يُختصر الاسم الثاني إلى كلمة واحدة يمكن أن تكون لاتينية، أو تكون مبنية من أرقام أو حروف.

جاءت هذه الورقة نتيجة لمداولات علنية على مدار عدد من السنوات، دعت الباحثين إلى تقديم إفاداتهم بالرأي قبل الثلاثين من يونيو من العام الجاري، أي قبيل القرار الذي ستتخذه اللجنة في اجتماعها المقبل في شهر أكتوبر من هذا العام، ثم سيُطرح ذلك القرار في عملية تصويت عليه، يشارك فيها جميع أعضاء اللجنة الدولية لتصنيف الفيروسات.

قلق مجتمعي

يقول كثيرون من علماء الفيروسات إنهم لم ينتبهوا إلى هذه الورقة البحثية وقت ظهورها، وإنهم كانوا منخرطين آنذاك في التصدي لفيروس كورونا. وعلى سبيل المثال، تقول كاثرين سبيندلر، عالمة الفيروسات في جامعة ميشيجان بمدينة آن أربر، وأمين صندوق الجمعية الأمريكية لعلم الفيروسات (ASV)، وهي إحدى كبرى الجمعيات العالمية لعلم الفيروسات، وتضم ما يزيد على 3000 عضو في حوالي 20 بلدًا: "في ظروف مثالية، كنا سننظر جميعًا في هذه الدوريات العلمية، غير أنَّ حجم الأدبيات العلمية التي ينبغي علينا الإلمام بها قد تزايد بدرجة كبيرة". وتضيف سبيندلر، التي عَرَفَت بشأن هذه المداولات بعد الموعد النهائي لتقديم إفادات الرأي الذي حل في الثلاثين من يونيو المنصرم: "لا يؤثر التصنيف على عملي، فهو مسألة تظهر حينما أكتب ورقة بحثية". وقد كتبت سبيندلر في التاسع من يوليو مع باقي أعضاء اللجنة التنفيذية للجمعية الأمريكية لعلم الفيروسات، رسالة إلى اللجنة الدولية لتصنيف الفيروسات صرحوا فيها بأنَّ جمعيتهم لم تحظ بوقتٍ كاف للنظر في المسألة.

وفي الرابع من يوليو، قامت الجمعية الأسترالية لعلم الفيروسات (AVS) –التي تمثل حوالي 700 عضو في أستراليا ونيوزيلندا– بإرسال خطاب إلى اللجنة الدولية لتصنيف الفيروسات، جاء فيه: "إننا نعتقد أنَّ عام 2020، عام "كوفيد-19"، ليس بالتوقيت المناسب لإجراء تغيير كبير في منهجية تسمية أنواع الفيروسات، فأعضاء جمعيتنا عاكفون بكل طاقاتهم على التعامُل مع مهام أخرى، ولم يتح للعديد منهم وقت للتفكير في المسألة كما ينبغي".

وردًّا على المخاوف المتعلقة بالتوقيت الحالي، يقول رئيس اللجنة الدولية لتصنيف الفيروسات، أندرو ديفيسون، وهو عالِم فيروسات من جامعة جلاسجو بالمملكة المتحدة، إنَّ نسخةً من هذا الاقتراح كانت موجودة ضمن جدول أعمال الجمعية على مدار عامين تقريبًا، لكنه يتوقع أنْ تراعي اللجنة جميع العوامل وثيقة الصلة في اجتماعها، معلّقًا على ذلك بقوله: "أتفق مع الرأي القائل إنّ هذه الأوقات التي نشهدها ليست عادية".

وفضلًا عن ذلك، تذكر كل من الجمعية الأمريكية والأسترالية لعلم الفيروسات أنَّهما تعارِضان فكرة فرض أسماء لاتينية؛ إذ سيستلزم ذلك من علماء الفيروسات أن يتعلّموا قواعد اللغة اللاتينية، وسيكون تنفيذ ذلك عملية مرهقة. وتفضل الجمعيتان الخيار المتمثل في إتاحة استخدام أية كلمة لتسمية الأنواع، بيد أنَّ أكثر خيار تفضله الجمعية الأسترالية لعلم الفيروسات، حسبما ورد في رسالتها، هو إبقاء الوضع على ما هو عليه؛ حيث تقول جيلدا تاشِدجيان، وهي رئيس الجمعية الأسترالية لعلم الفيروسات، وعالمة فيروسات في معهد بيرنِت في ملبورن بأستراليا: "ما من حاجة تدعو إلى مراجعة النظام بأكمله".

وبالرغم من ذلك، يقول جينز كون -عالِم الفيروسات في منشأة الأبحاث المتكاملة في فورت ديتريك بولاية ميريلاند الأمريكية، وعضو اللجنة التنفيذية للجنة الدولية لتصنيف الفيروسات- إنَّه عند تسمية أحد الأنواع، لن يحتاج علماء الفيروسات إلا إلى معرفة اللاحقة اللاتينية المناسبة. ويضيف قائلًا إنّ المصطلحات اللاتينية ستكون عالمية، ولن تستلزم ترجمتها في الأوراق البحثية التي تُنشر بلغات غير اللغة الإنجليزية.

التنوع في فيروس "سارس-كوف-2"

تقل درجة الخلاف بين علماء الفيروسات، حينما يتعلق الأمر بالحاجة الملحّة إلى الوصول إلى تَوافُق حول تسمية السلالات الكثيرة لفيروس "سارس-كوف-2"، التي تُسمَّى حسب كل حالة على حدة. يقول هولمز: "من الواضح أننا سنحصل في النهاية على ما يزيد على مائة ألف من التسلسلات الجينومية المكتملة لفيروس "سارس-كوف-2"، وهو عدد ضخم للغاية. ومن هنا، تتضح أهمية التوصل إلى نهج منطقي بسيط يُستخدم على نطاق واسع في تصنيف تنوع بهذه الدرجة".

ولا توجد جهة رسمية تختص بتحديد الطريقة التي تجري على أساسها عملية تسمية سلالات الفيروسات. ويعلق هولمز على ذلك بقوله: "لقد تدخلنا من أجل محاولة تنظيم هذه العملية. أما إذا كانت طريقتنا ستُستخدم، أم لن تُستخدَم، فذاك أمر آخر يعود بالفعل إلى المعنيين به".

اقترح هولمز وزملاؤه طريقة فعالة تعطي الأولوية لتسمية السلالات التي تسببت في اندلاع وباء، وفيها ستُسمى السلالات بالنشطة، أو غير المرصودة، أو الخاملة، بناءً على مدى حداثة عزلها. وسوف يُعاد تقييم هذه التسميات بصفة منتظمة، بناءً على ما إذا كانت السلالات مستمرة في الانتشار، أم لا. وقد وصف الباحثون طريقتهم هذه في ورقة بحثية -نُشِرت بتاريخ الخامس عشر من يوليو الماضي- في دورية "نيتشر مايكروبولوجي" Nature Microbiology، ويبدو أنها قد حظيت بالتأييد بين علماء الفيروسات. وإضافةً إلى ذلك، فقد طوّر الفريق أدوات يمكن استخدامها عبر الإنترنت، كي تساعد المستخدمين على تحديد السلالة التي ينتمي إليها التسلسل الموجود لديهم.

ويقول إليوت ليفكويتز -وهو عالِم فيروسات من جامعة ألاباما في برمنجهام، وعضو باللجنة التنفيذية الخاصة باللجنة الدولية لتصنيف الفيروسات- إنَّ نظامًا كهذا من شأنه تسهيل رصد السلالات التي تبدي خصائص مُمْرِضة فريدة عند ظهورها.

References

  1. Siddell, S. G. et al. Arch. Virol. 165, 519–525 (2020). | article
  2. Rambaut, A. et al. Nature Microbiol (2020). | article