أنباء وآراء

المناطق المأهولة بالبشر بيئات خصبة للحيوانات القادرة على نقل العدوى إلينا

هل يصبُّ تحويل الموائل الطبيعية إلى مناطق مأهولة بالبشر في مصلحة الحيوانات التي تؤوي العوامل القادرة على إصابة البشر بالأمراض؟ يقدم تحليل عالمي للفقاريات إجابةً عن هذا السؤال المُلحّ.  

ريتشارد إس أوستفلد، وفيليشيا كيسنج

 
  • Published online:

على أيدي البشر، تغيَّر وجه الأرض في أكثر من نصف المساحة الصالحة للسكنى، من أجل مواكبة احتياجات أعداد السكان المتزايدة باطِّراد1. وقد تسبَّب تحويل الغابات، والمراعي، والصحاري إلى مُدنٍ، وضواحٍ، وأراضٍ زراعية في انخفاض أعداد الكثير من الأنواع، أو اختفائها تمامًا؛ إلا أنه أدَّى كذلك إلى ترعرُع أنواع أخرى2. وعادةً ما تكون الأنواع المعرضة لخطر الانقراض (الأنواع الخاسرة) هي الأنواع المتخصصة (specialists)، التي تنحصر في بيئات خاصة، على غرار حيوان وحيد القرن، والنعام؛ إذ تكون لها متطلبات شديدة الخصوصية، من حيث الغذاء، أو السكن، وتكون أكبر في الحجم نسبيًّا، وأندر، وأطول عمرًا من الأنواع التي لا تعتمد على بيئات خاصة. أما الأنواع الأوفر حظًّا في البقاء (الأنواع الرابحة)، فهي على الأغلب تلك الأنواع غير المتخصصة (generalists)، التي تعيش في بيئات عامة، وتتسم بصِغر حجمها، ووفرة عددها، وقِصَر عُمرها، وسرعة دورة حياتها، مثل الجرذان، وطيور الزرزور.

وفي دراسةٍ نُشرت حديثًا في دورية Nature، بَيَّن روي جيبّ وزملاؤه3 أن احتمالية إيواء هذه الأنواع الرابحة -على مستوى العالم- للعوامل المسببة للأمراض (المُمْرِضَات) أكبر بكثير، مقارنة بالأنواع الخاسرة. ومن ثمَّ، فعندما نُقْدِم على تغيير الموائل الطبيعية، بحيث تلائم أغراضنا المختلفة، فإننا نزيد -دون قصد- من احتمالية إصابتنا بالأمراض المُعدية حيوانية المنشأ، التي تُسبِّبها مُمْرِضات قادرة على الانتقال من الحيوانات إلى البشر.

فعلى مدى عقود، تراكمت الشواهد التي تُبيِّن كيف أن إحداث تغيير في طريقة استغلال البشر للأراضي يزيد من خطر انتشار الأمراض حيوانية المنشأ. وعلى سبيل المثال، لوحظ أن القوارض التي يرجع إليها السبب في زيادة المُمْرِضات المسببة لداء المثقبيات الأمريكي (أو ما يُعرف بداء "شاجاس" Chagas)، والعديد من الأمراض التي تنتقل عبر القراد، وكذلك مجموعة من الأمراض المسماة أمراض فيروس "هانتا" Hanta، إنما تكثُر في المناطق التي يهيمن عليها البشر، وشهِدَتْ اختفاء أنواع أخرى4، غير أن مدى عمومية هذا النمط، والآليات المحددة التي ينطوي عليها، ظلَّا موضعًا للتساؤل5.

كان على الباحثين أن يتغلبوا على عقبتين اثنتين، حتى تتسنَّى لهم دراسة ما إذا كانت التغيرات التي يُحدِثها البشر في المنظومات الإيكولوجية على مستوى العالم تصبُّ في مصلحة الأنواع الفقارية التي يُرجَّح أنها تسبب الأمراض. تمثَّلت العقبة الأولى في تحديد أي أنواع الحيوانات أقرب احتمالًا إلى الاختفاء، وأيها أقرب إلى الترعرُع، وذلك عبرَ طيفٍ عريض من الأنظمة الإيكولوجية، يتدرَّج من الموائل الطبيعية التي لم تَطلْها أيدي البشر، وصولًا إلى أشدِّ المناطق خضوعًا لهيمنتهم. وقد تمكَّن الباحثون من اجتياز هذه العقبة بالاعتماد على قاعدة البيانات الخاصة بمشروع "استعراض استجابات التنوع الإيكولوجي في الأنظمة الأرضية المتغيرة"، (المعروف اختصارًا بمشروع "بريدكتس" PREDICTS). تضمُّ هذه القاعدة أكثر من 3.2 مليون سجل، مأخوذة من 666 دراسة، تتضمَّن حصرًا للحيوانات حول العالم، على اختلاف مستويات استغلال الأراضي6.

أما العقبة الثانية، فقد تمثلت في تحديد أي من هذه الأنواع يؤوي عوامل مُمْرِضة يمكنها إصابة البشر بالعدوى. وسعيًا إلى التغلُّب على هذه العقبة، جمع الباحثون معلومات من ست قواعد بيانات ترصد الارتباط بين الأنواع المضيفة (العوائل) والمُمْرِضات. وقد رصدوا 20,382 ارتباطًا بين 3883 نوعًا من العوائل الفقارية، و5694 عاملًا مُمْرضًا. ولكن مما يؤسَف له أن رصد ارتباط بين أحد الحيوانات وأحد العوامل المُمْرضة لا يدلُّ بالضرورة على أنّ بإمكان الحيوان نقل هذا العامل المُمْرض إلى البشر، أو الحيوانات الأخرى. وإدراكًا منهم لذلك، وضعوا معايير أشد صرامة؛ للتحقق من وجود الارتباط بين العوائل والمُمْرضات، من بينها تحديد ما إذا كانت هناك أدلة مباشِرة على وجود العامل المُمرض داخل العائل، أم لا، وعلى قدرة ذلك العائل على نقل المُمْرضات، أم لا.

كانت الأنماط التي رصدها الباحثون في هذه التحليلات لافتة للنظر؛ فمع توسُّع البشر في استغلال الأراضي، ازداد العدد الإجمالي للعوائل الحاملة للأمراض حيوانية المصدر، بينما انخفض العدد الإجمالي للكائنات غير الحاملة للمُمْرضات. وفي المناطق التي يشتدُّ فيها الاستغلال البشري للطبيعة، ارتفع عدد الأنواع الحاملة للأمراض، كما ارتفع عدد أفراد كلٍّ من تلك الأنواع، وكان لارتفاع عدد الأفراد التأثير الأقوى في هذا الشأن. فقد شهِدَتْ أعداد القوارض، والخفافيش، والطيور المغردة زيادةً ملحوظة في المواقع التي يهيمن عليها البشر (الشكل 1)؛ فيما كان التأثير البشري في تلك المناطق على أعداد اللواحم والرئيسيات محدودًا نسبيًّا. ومع ذلك، فقد تُصنَّف الأنواع الحاملة للأمراض، عن طريق الخطأ، على أنها أنواع غير حاملة للأمراض، إذا لم تتحرَّ الجهود البحثية التعمُّق اللازم لرصد المُمْرضات حيوانية المنشأ. ومن أجل أخذ كل ذلك بعين الاعتبار، استعان الباحثون بأحد أساليب إعادة المعايَنة الإحصائية، ويُعرف بأسلوب "بوتسترابنج" bootstrapping، الذي مكَّنهم من إعادة تصنيف بعض الأنواع غير حاملة للمُمْرضات إلى أنواع حاملة لها (عوائل)، اعتمادًا على منهجية تضمَّنت الاستعانة بعدد كبير من الأبحاث المنشورة حول الأنواع. وانتهى الباحثون من هذه المنهجية إلى النتيجة ذاتها.

الشكل 1| جرذ في أحد شوارع المدينة. يفيد جيب وزملاؤه3 بأن الفقاريات القادرة على إيواء العوامل المسببة للأمراض لدى البشر، ومنها الجرذان، تترعرع في المناطق التي خضعَت للتغيير على يد الإنسان.

الشكل 1| جرذ في أحد شوارع المدينة. يفيد جيب وزملاؤه3 بأن الفقاريات القادرة على إيواء العوامل المسببة للأمراض لدى البشر، ومنها الجرذان، تترعرع في المناطق التي خضعَت للتغيير على يد الإنسان.

Credit: Alamy

وقد حلَّت جائحة "كوفيد-19"، التي تَسبَّب في إحداثها أحد الفيروسات التاجيَّة (فيروسات كورونا) حيوانية المنشأ، لتدقَّ ناقوس الخطر، منبِّهةً العالَم إلى ما تمثله الأمراض حيوانية المنشأ من تهديدٍ لحياة البشر. وقد تَرافَق مع الوعي بخطورة هذه الأمراض انتشار فكرة مغلوطة، مفادها أن الطبيعة البرية هي المصدر الأكبر لهذه الأمراض. وتتعزز هذه الفكرة بالصور الذهنية التي ترتسم في المخيَّل الشعبي للأدغال التي تعُجُّ بالأخطار الميكروبية، وكذلك ببعض الدراسات العلمية السابقة8،7. غير أنَّ جيبّ وزملاءه يقدِّمون في دراستهم تصحيحًا مهمًّا، إذ يذهبون إلى أنَّ أكبر التهديدات المتعلقة بالأمراض حيوانية المنشأ إنما تنبع من المناطق الطبيعية التي جرى تحويلها إلى أراضٍ زراعية، ومراعٍ، ومناطق حضرية.

وهنا نتساءل، هل من قبيل المصادفة وحدَها أن نجد أنَّ الأنواع التي تترعرع في المناطق التي يهيمن عليها البشر هي -في أكثر الأحيان- الأنواع التي تُعرِّض الإنسان للإصابة بالأمراض حيوانية المنشأ، بينما الأنواع التي تقلَّصَتْ أعدادها، أو اختفت تمامًا، هي على الأغلب الأنواع غير الضارَّة؟ وهل ثمة ارتباط بين قدرة الحيوانات على تحمُّل التدخُّلات البشرية، وقدرتها على حَمل المُمْرِضات حيوانية المنشأ؟ وجد جيبّ وفريقه أن الحيوانات التي تتزايد أعدادها نتيجةً للاستغلال البشري للأراضي هي الأنواع التي تزيد احتمالية حَملها للمُمْرضات؛ ليس هذا فحسب، بل تزيد كذلك احتمالية حَملِها عددًا أكبر من الأنواع المُمْرضة، ومن ثمَّ عددًا أكبر من المُمْرِضات القادرة على إصابة البشر.

يُذكر أنَّ دراسةً حديثةً أخرى9 قد استعانت بنهج مختلف للإجابة عن الأسئلة العامة نفسها، وتوصَّلت إلى أن أنواع الثدييات التي تتزايد أعدادها على نطاقٍ واسع تَحمِل من الفيروسات حيوانية المنشأ أكثر مما تَحمِل الأنواع التي تشهد تناقصًا في أعدادها، أو الأنواع المهدَّدة بالانقراض، أو التي هي في سبيلها إليه. وتدعم هذه الملاحظات الأبحاث السابقة التي تُوَثِّق وجود علاقة عكسية بين ارتفاع معدلات التكاثر المرتبطة بالمرونة الإيكولوجية، والنشاط الكثيف للجهاز المناعي (أو ما يُعرف بالاستثمار المناعي المرتفع)، المرتبط بانخفاض حِمْل المُمْرِضات10. ويبدو -بعبارة أخرى- أن الكائنات التي تمتلك تواريخ حياتية شبيهة بتلك التي تمتلكها الجرذان أقدر من غيرها على تحمُّل العدوى. وثمة تفسير بديل، وإنْ لم يلغِ التفسير الأوَّل، يذهب إلى أن المُمْرِضات غير المتخصصة، التي تزيد احتمالية انتقالها إلى عوائل جديدة، تميل إلى التكيُّف، بحيث يتسنَّى لها استهداف العوائل التي يُرجَّح أن تلتقي بها على مدار الزمن التطوري الخاص بها11. وهذا ما ينطبق، في عالَمنا هذا، على الجرذان، وليس على وحيد القرن.

تشير التحليلات التي أجراها جيبّ وزملاؤه9 إلى أن العمل على إعادة الموائل المتضررة إلى ما كانت عليه قبل أن تتعرَّض للتدهور، وحماية المناطق الطبيعية التي لم يمتد إليها التأثير البشري، من شأنهما أن يعُودا بالنفع على الصحة العامة والبيئة على حدٍّ سواء. وهكذا، فلعلَّ جهود مراقبة المُمْرِضات حيوانية المنشأ -المعروفة حاليًّا والمحتمَل ظهورها مستقبلًا- ستكون أجدَى وأنفَع إذا ما ركَّزت على المناطق التي يهيمن عليها البشر.

References

  1. Field, C. et al. in Planetary Health: Protecting Nature to Protect Ourselves (eds Myers, S. & Frumkin, H.) 71–110 (Island, 2020).  | article
  2. Newbold, T. et al. Nature 520, 45–50 (2015). | article
  3. Gibb, R. et al. Nature 584, 398–402 (2020). | article
  4. Ostfeld, R. S. & Keesing, F. Annu. Rev. Ecol. Evol. Syst. 43, 157–182 (2012). | article
  5. Rohr, J. R. et al. Nature Ecol. Evol. 4, 24–33 (2020). | article
  6. Hudson, L. N. et al. Ecol. Evol. 7, 145–188 (2017). | article
  7. Jones, K. E. et al. Nature 451, 990–993 (2008). | article
  8. Allen, T. et al. Nature Commun. 8, 1124 (2017). | article
  9. Johnson, C. K. et al. Proc. R. Soc. B 287, 20192736 (2020). | article
  10. Previtali, M. A. et al. Oikos 121, 1483–1492 (2012). | article
  11. Ostfeld, R. S. & Keesing, F. Can. J. Zool. 78, 2061–2078 (2000). | article

ريتشارد إس. أوستفلد يعمل في مركز كاري لدراسات الأنظمة الإيكولوجية، ميلبروك، نيويورك 12545، الولايات المتحدة الأمريكية.

فيليشيا كيسنج تعمل في "برنامج البيولوجيا" بكلية بارْد في أنانديل-أون-هدسون، نيويورك 12504، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني:

 ostfeldr@caryinstitute.org

 keesing@bard.edu