صندوق الأدوات

التكنولوجيا الحيوية تُعطي دَفعة لمساعي إنتاج لقاحات «كوفيد-19»

التقدُّم التقني في مجال تطوير اللقاحات يدفع نحو القضاء على فيروس كورونا، وغيره من مُسبِّبات الأمراض الأخرى كذلك.  

أمبر دانس

  • Published online:
باحثون في شركة "سينوفاك بيوتِك"  Sinovac Biotechفي الصين يعكفون على تطوير لقاحٍ ضد فيروس "سارس-كوف-2".

باحثون في شركة "سينوفاك بيوتِك"  Sinovac Biotechفي الصين يعكفون على تطوير لقاحٍ ضد فيروس "سارس-كوف-2". 

Nicolas Asfouri/AFP/Getty

بحلول شهر يناير الماضي، كان بارني جراهام قد توصَّل إلى تطوير لقاحٍ جديدٍ جاهزٍ لخوض مرحلة الاختبار؛ وهو لقاح لفيروس نيباه، الذي يصيب الجهاز التنفسي، ويتسبب في التهاباتٍ دماغية، كما تبيَّن من حالات تفشٍّ سابقة لفيروسات في جنوب شرق آسيا. وجراهام هو اختصاصيّ لقاحات، ويشغل منصب نائب مدير المعهد الوطني الأمريكي للحساسية والأمراض المُعدية (NIAID) في بيثيسدا بولاية ميريلاند. وفي ذلك الوقت، كان يعمل مع شركة "موديرنا ثيرابيوتكس" Moderna Therapeutics -التي يقع مقرها في كامبريدج بولاية ماساتشوستس- على إنتاج لقاحٍ من نوعٍ لم يسبق اعتماده للاستخدام من قبل. فبخلاف غالبية اللقاحات، التي تقوم صناعتها على مُمْرضات سليمة، أو على مكوناتها البنيوية، يُصَنّع لقاح شركة "موديرنا" من الحمض النووي الريبي لأحد هذه المُمْرضات. وكان جراهام وفريقه يأملون في أن ينجح اللقاح -من خلال الحمض النووي الريبي الذي يحتوي عليه- في حثِّ خلايا الأشخاص على تصنيع البروتين، مُهيِّئًا بذلك الجهاز المناعي لتوليد استجابةٍ وقائية. 

كان أعضاء الفريق بصدد إخضاع لقاح فيروس نيباه للتجارب على البشر، حين نَمَا إلى علمهم أنَّ مرضًا يسبَّبه فيروس كورونا جديد -بات يُعرَف الآن بفيروس "سارس-كوف-2" SARS-COV-2- يجتاح مدينة ووهان بالصين. لذا، سرعان ما غيَّروا وجْهتهم، وإنْ لم يغيِّروا التصميم الذي يقوم عليه لقاحهم. وبالاستعانة بمسودة تسلسل جينوم فيروس "سارس-كوف-2"، التي أُتيحت على الإنترنت في الحادي عشر من يناير الماضي، قررت شركة "موديرنا" التفرُّغ للعمل على الحمض النووي الريبي لفيروس كورونا، وشرعَتْ في نقل لقاحٍ محتمل إلى المعهد الوطني الأمريكي للحساسية والأمراض المُعدية، بغرض إخضاعه للتجارب الإكلينيكية. وقد استغرقت هذه العملية ستة أسابيع فقط، لتصبِح بذلك أسرع عملية انتقال من مرحلة انطلاق مشروع إنتاج لقاح إلى مرحلة اعتباره لقاحًا مُرشَّحًا للاستخدام في التاريخ الطبي. 

يُعَد فريق جراهام واحدًا مِن أكثر مِن 150 فريقًا تسابق الزمن من أجل تطوير لقاحاتٍ من شأنها خفض حدَّة مرض "كوفيد-19" COVID-19، أو الوقاية من الإصابة بفيروس "سارس-كوف-2" المسبِّب له. وبفضل موجة التقنيات الجديدة في مجال ابتكار اللقاحات، فإن فرصة القضاء على أي فيروس جديد مواتية لعلماء اليوم أكثر من أيِّ وقتٍ مَضَى. وفي ذلك، يقول درو وايزمان، اختصاصي علم المناعة في جامعة بنسلفانيا في ولاية فيلادلفيا: "إن التحدي الحقيقي يتمثَّل في سرعة إنجاز هذه المهمة"، غير أنَّ السرعة –حسب قول وايزمان- ينبغي ألَّا تأتي على حساب السلامة، أو الفاعلية؛ أي مدى نجاح اللقاح في وقاية البشر من الإصابة بالمرض.

إنَّ بعض النُّهُج المتَّبعة حاليًا في ابتكار اللقاحات، ومنها النَّهْج المعتمِد على الحمض النووي الريبي، تساعد الباحثين على تطوير لقاحاتٍ مُرشَّحة، وتجربتها بسرعةٍ فائقة. وفي كلمته أمام إحدى لجان الكونجرس في الثالث والعشرين من يونيو الماضي، قال أنتوني فاوتشي -مدير المعهد الوطني الأمريكي للحساسية والأمراض المُعدية- إنَّه ينظر "بتفاؤل حذِر" إلى إمكانية طرح لقاحٍ فعَّال بحلول أوائل العام المقبل. ويشاركه في هذا التفاؤل بعض اختصاصيِّي اللقاحات، كما أوضحوا في تصريحاتٍ أدلوا بها لدورية Nature؛ ولو أنَّهم يذهبون إلى أنَّ اللقاح الأول قد لا يحمل أفضل تركيب ممكن، وأنَّه من المرجّح إنتاج إصدارات مُحسَّنة في وقت لاحق. ويمكن للقاحات عديدة تخضع للتطوير حاليًّا أن تصبح الجيل الثاني لتلك اللقاحات. وثمة فِرَق بحثية عدَّة تعكف على إجراء تحليلاتٍ بِنيوية، وأخرى حاسوبية، للتفاعلات التي تتمّ بين الجهاز المناعي والمستضدات الفيروسية؛ وهي أجزاء من الفيروسات تُحفِّز الجسم على إطلاق استجابة مناعية. وقد جُرِّبت هذه التقنيات بالفعل في مواجهة العديد من المُمْرضات، وتُطبَّق الآن على فيروس "سارس-كوف-2". 

تأهُّب واستعداد

 حانت اللحظة التي طالما تأهَّب لها علماء اللقاحات.. فبعد التفشي الكبير لفيروس إيبولا في غرب أفريقيا بين عامي 2014، و2016، أعلنت منظمة الصحة العالمية قائمةً قصيرة من المُمْرضات التي رجّحت المنظمة أنها ستتسبب تَفَشٍّ شديد للأمراضٍ في المستقبل (انظر: go.nature.com/2deknbt). وتضمنت هذه القائمة فيروس كورونا، الذي يسبِّب المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة "سارس-كوف" SARS-CoV، وفيروس كورونا "ميرس-كوف" MERS-CoV، الذي ينتمي إلى العائلة الفيروسية نفسها، ويسبِّب متلازمة الشرق الأوسط التنفسية. كما ضمَّنت المنظمة في بيانها مكانًا لفيروس محتمَل آخر، لم يكن معروفًا بعد. وفي عام 2017، أطلق تحالف ابتكارات التأهب الوبائي (CEPI) مبادرة عالميَّة تهدف إلى توحيد جهود المؤسسات العامة، والخاصة، والخيرية، وكذلك منظمات المجتمع المدني، من أجل تطوير لقاحاتٍ تمنع تفشِّي الأوبئة في المستقبل. 

ومع أنَّ فيروس "سارس-كوف-2" فيروس جديد، يملك الباحثون معرفةً واسعة بفيروسات كورونا بوجهٍ عام. وفضلًا عن ذلك.. تعلَّموا الكثير من دراسات اللقاحات التي بدأت أثناء انتشار فيروسَي "سارس"، و"ميرس" في عامي 2003، و2012 على الترتيب. ويُعرَف أحد المستضدات المُرشَّحة الواعدة، التي يمكن الاعتماد عليها في تطوير لقاحٍ لفيروس "سارس-كوف-2"، بالبروتين الشوكي، الذي يبرُز على سطح الفيروس، ويُضفي عليه مظهر "التاج"، الذي اشتُقَّ منه اسم الفيروسات التاجيَّة (أو فيروسات كورونا). يلتصق البروتين الشوكي بالخلايا، و"يفتحها"؛ لينفُذَ الفيروس إلى داخل الخلية. ومن ثَمَّ، فإن وجود جسم مضاد يرتبط بالبروتين الشوكي، ويمنع الفيروس من دخول الخلايا، من شأنه أن يمنع الفيروس من إحداث المرض. وتُعَد مثل هذه "الأجسام المضادة المُحيِّدة" هدفًا للعديد من اللقاحات. ومن بين اللقاحات المُراد تطويرها كذلك لقاحاتٌ يمكنها تحفيز الخلايا التائية، التي تُمثِّل نوعًا من الخلايا المناعية اللازمة لتوليد استجابةٍ مناعية كاملة.

متطوع في منطقة سويتو بجنوب أفريقيا يُحقَن بلقاح فيروس "سارس-كوف-2" في تجربةٍ إكلينيكية على البشر.

متطوع في منطقة سويتو بجنوب أفريقيا يُحقَن بلقاح فيروس "سارس-كوف-2" في تجربةٍ إكلينيكية على البشر.

Siphiwe Sibeko/AFP/Getty

وقد رُصدت مبالغ مالية هائلة -عامة وخاصة، على حدٍّ سواء- لتمويل هذه الجهود، إذ يُقدِّر تحالف ابتكارات التأهب الوبائي أنَّ إنتاج اللقاح الذي يطوِّره بالتعاون مع شركة الأدوية العملاقة "جلاكسو سميث كلاين" (GSK)، التي يقع مقرها في لندن، سيتكلَّف ملياري دولار أمريكي؛ وقد تمكَّن من جمْع أكثر من نصف هذا المبلغ بالفعل، فيما يستثمر التحالف كذلك مئات الملايين من الدولارات مع شركاء آخرين، من بينهم شركة "أسترا زينيكا" Astra-Zeneca، في مدينة كامبريدج بالمملكة المتحدة، وشركة "نوفافاكس" Novavax في مدينة جايثرسبيرج بولاية ميريلاند الأمريكية. وكذلك ضخَّت هيئة البحث والتطوير الطبي الحيوي المتقدم (BARDA)، بالولايات المتحدة، حوالي 3.8 مليار دولار في تطوير لقاحاتٍ تعمل عليها عدة شركات، من بينها "موديرنا"، و"ميرك" Merck، و"يانسن" Janssen، إلى جانب شركتَي "أسترا زينيكا"، و"نوفافاكس".

إن هذه الأموال لازمةٌ لتطوير اللقاح، وإخضاعه للتجارب الإكلينيكية، وتصنيع كمياتٍ كافية من لقاح فعَّال مُتاح للاستخدام. وتعليقًا على ذلك، يقول جون شيفر، رئيس قسم أبحاث اللقاحات والتطوير في شركة "سانوفي باستور" Sanofi Pasteur، الكائنة بمنطقة سويفت ووتر بولاية بنسلفانيا: "إن إثبات فاعلية اللقاح شيء، والقول بإمكانية توفيره شيءٌ آخر". وتعتزم شركة "سانوفي" إعادة توجيه مَرافقها ومنشآتها المخصصة للقاحات الإنفلونزا -التي لا تحتاج إليها إلَّا موسميًّا- باتجاه إنتاج اللقاح القائم على البروتين، الذي تطوِّره لمكافحة فيروس "سارس-كوف-2". وثمة شركاتٌ أخرى لم تنقطع عن محاولة التوصُّل إلى طريقة آمنة لابتكار أنواع جديدةٍ من اللقاح، على غرار اللقاحات المعتمِدة على الحمض النووي الريبي، على نطاقٍ واسع.

حثُّ الخُطى

اعتمدت اللقاحات التي أنتِجت لمكافحة الفيروسات فيما مضى على نسخ مُوهَنة (جرى إضعافها)، أو مقتولة، أو حيَّة –لكنها غير ضارة– من المُمْرضات. ولا تزال هذه الاستراتيجيات مُطبَّقة حتى يومنا هذا، مثلما هو الحال مع النُّهُج التي تعتمد على بروتينات معزولة، أو كربوهيدرات، بوصفها مُستضدات.

وعند تصنيع هذه الأنواع من اللقاحات، يشرع الباحثون -بصورة أو بأخرى- في الإعداد لكل عامل مُمْرض جديد. وفي مقابل ذلك، تعتمد لقاحات عديدة من تلك التي يجري تطويرها حاليًّا على "تقنية المنصات"، التي يُطلق عليها تقنية "التوصيل والتشغيل" (PnP). ففي حالة هذه اللقاحات، يُحدِّد الباحثون مستضدات بعينها، يتوسَّمون فيها أن تكون فعّالة، ويُدخِلون تسلسل الحمض النووي، أو تسلسل الحمض النووي الريبي الخاص بها في منصةٍ مُعَدَّة سلفًا –مثل جينوم فيروس آخر، أو قطعةٍ من حمض نووي، أو حمض نووي ريبي آخر– وذلك بهدف الانتقال السريع بلقاحٍ مُرشَّح إلى مرحلة التصنيع. وفي هذا الصدد، تقول سارة جيلبرت، اختصاصية اللقاحات في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة: "تُعَد هذه طريقة مثالية عندما نكون بصدد تطوير لقاحاتٍ تُستخدَم ضد مُمْرضات حديثة"، ولكن نظرًا إلى أنَّ هذه المنصات جديدةٌ نسبيًّا، لم تُسفِر بعدُ عن أيِّ منتجاتٍ مُرخَّصة للاستخدام البشري، ولم تُنتِج سوى بضعة لقاحاتٍ -قائمة على الحمض النووي- للاستخدام البيطري، لمحاربة بعض الفيروسات، مثل فيروس غرب النيل في بعض الخيول. ويقول شاشانك تريباثي، اختصاصيِّ الفيروسات في المعهد الهندي للعلوم بمدينة بنجالور: "الحقُّ أنه لم يسبق طرح أيّ لقاح من هذا النوع للاستخدام البشري على نطاقٍ واسع". وهكذا، يمكن أن يمثل مرض "كوفيد-19" أول فرصة لظهور هذا النوع من اللقاحات، مُمهِّدًا بذلك الطريق لإنتاج لقاحاتٍ أخرى قائمة على تقنية المنصات ضد أمراضٍ بشرية أخرى.

تعتمد اللقاحات التي تطوِّرها شركة "موديرنا" على جزيئات الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA)، الذي يختص بتوجيه الخلايا إلى صُنع مستضدات البروتين. وتتمثل الفكرة التي يقوم عليها هذا النوع من اللقاحات في أنَّ الشخص، حالما يتلقَّى تعليمات الحمض النووي الريبي في لقاحٍ محقون، يُصبح في إمكان خلاياه البدء في إنتاج البروتينات، ثم تظهر هذه البروتينات على سطوح الخلايا، أو تُضَخُّ في مجرى الدم، حيث يمكنها لفت انتباه الجهاز المناعي إليها.

كان وايزمان قد شارك في تطوير التقنية التي تعتمدها شركة "موديرنا" في صناعة لقاحاتٍ مرشحة قائمة بالفعل على الحمض النووي الريبي ضد فيروس الإنفلونزا1، وفيروس الهربس البسيط من النوع الثاني (HSV-2؛ المرجع 2)، وكذا فيروس نقص المناعة البشرية HIV)3). وهو يتوقع البدء في تجارب هذه اللقاحات على البشر في غضون عام واحد. يُذكر أنه في حالة الدراسات التي أجريت على الحيوانات لعلاج فيروس الهربس البسيط من النوع الثاني، كانت نتائج اللقاح القائم على الحمض النووي الريبي الذي طوَّره فريقه أفضل من نتائج لقاحٍ آخر قائم على بروتين4. ويعلّق وايزمان على ذلك قائلًا: "حين نستخدم الحمض النووي الريبي، يُحقِّق اللقاح نتائج أفضل". وإنما يرجع ذلك -في جانبٍ منه- إلى أنَّ الحمض النووي الريبي يمكث في الخلايا لفترة تصل إلى أسبوعين، مُتيحًا بذلك -حسب قوله- وقتًا للجهاز المناعي، كي يكتشف المستضدات، ويُطْلِق استجابة مناعية.

وفي إحدى تجارب المرحلة الأولى، المتعلقة بقياس مدى أمان اللقاحات، تحَمَّل الأشخاص المشاركون في التجربة لقاح شركة "موديرنا" القائم على الحمض النووي الريبي المرسال لمكافحة فيروس "سارس-كوف-2"، ولم تَظهر عليهم أيّة آثار سلبية4. وقد بدأ إجراء المرحلة الثانية من التجارب، لتحديد الجرعة اللازمة. وفي شهر يوليو الماضي، انطلقَتْ إحدى تجارب المرحلة الثالثة، المُصمَّمة لتقييم فاعلية اللقاح.

ورغم هذه البساطة الظاهرية التي تبدو عليها التقنية، فإنها تضع مطوِّري اللقاحات أمام تحدياتٍ جديدة، منها ما يتعلق بكيفية صناعة كمياتٍ كبيرة من الحمض النووي الريبي الملائم للاستخدام الطبي. وتعمل شركة "كيورفاك" Curevac -الواقع مقرُّها في مدينة توبينجن الألمانية- هي الأخرى على تطوير لقاحاتٍ قائمة على الحمض النووي الريبي. وتقول ماريولا فوتين-مليكشيك، مديرة التقنية بالشركة، إنَّ شركتها قد توصَّلت إلى آليَّة تحقيق ذلك، فالحمض النووي الريبي غير مستقر بطبيعته، ويحتاج إلى أن يُخزَّن مُجمَّدًا عند درجة حرارة تقل عن 20 درجة مئوية تحت الصفر، وهو ما يُعقِّد من عملية شحن اللقاحات القائمة على الحمض النووي الريبي، واستخدامها إكلينيكيًّا، ولكنَّ شركة "كيورفاك"، وشركاتٍ أخرى، تسعى إلى تحقيق استقرار جزيء الحمض النووي الريبي عند درجات حرارةٍ أعلى، عن طريق التجفيف بالتجميد، على سبيل المثال.

أمَّا الحمض النووي (DNA)، فإنه أكثر استقرارًا؛ إذ يمكن أن يبقى على حالته لمدة عام كامل في درجة حرارة الغرفة، ولمدة أطول في الثلاجة، حسبما يقول ديفيد وينر، اختصاصيُّ علم المناعة الجزيئية، ونائب الرئيس التنفيذي في معهد ويستار بولاية فيلادلفيا، الذي يعكف على تطوير لقاحاتٍ قائمة على الحمض النووي. تعمل هذه اللقاحات وفقًا للمبدأ نفسه الذي تعمل به اللقاحات القائمة على الحمض النووي الريبي، إذ يُرمِّز الحمض النووي الموجود في اللقاح مستضدًا بروتينيًّا. فعند إدخال الحمض النووي في الخلايا، يُنسَخ إلى حمضٍ نووي ريبي مِرسال، مُقدِّمًا بذلك التعليمات اللازمة لصنع البروتين الفيروسي. كان وينر قد اختبر لقاحاتٍ قائمة على الحمض النووي على بعض الأشخاص ضد فيروس نقص المناعة البشرية، وفيروسات إيبولا و"ميرس" و"زيكا". وكان لقاحه الذي يستهدف مقاومة فيروس زيكا5، والذي استغرق ستة أشهر ونصف الشهر للانتقال من بداية تطويره، حتى تجربته على البشر، يحمل الرقم القياسي السابق لأسرع عملية تطوير لقاحات.

وفي الثلاثين من يونيو الماضي، ذكرت شركة "إينوفيو فارماسيوتيكالز" Inovio Pharmaceuticals، التي يقع مقرها في منطقة بليموث ميتنج بولاية بنسلفانيا، والتي استطاعت الحصول على ترخيص للتقنية التي استخدمها وينر، أنَّ لقاحها القائم على الحمض النووي، الذي يستهدف فيروس "سارس-كوف-2"، كان آمنًا عند استخدامه على الأشخاص الذين جُرِّب عليهم في إحدى تجارب المرحلة الأولى (go.nature.com/3jeyjyd). وإضافةً إلى ذلك، أبدى معظم المشاركين استجابةً مناعية، متمثلةً في أجسامٍ مضادة وخلايا تائية. ومن المقرر إجراء تجربةٍ تجمع بين المرحلتين الثانية والثالثة؛ لاختبار الفاعلية والجرعة المناسبة في وقتٍ لاحق من العام الجاري.

ويقول وينر إنَّ التكنولوجيا اللازمة لتوفير كمياتٍ كبيرة من قطعةٍ معيَّنة من الحمض النووي متاحة، بفضل العلاجات الجينية المتوفِّرة بالفعل، واللقاحات البيطرية القائمة على الحمض النووي، والعلاج المناعي لفيروس الورم الحليمي البشري، الذي يجتاز الآن المرحلة الثالثة من التجارب الإكلينيكية. أما التحدِّي الذي يواجه استخدام الحمض النووي، فيتمثل في طريقة إدخاله إلى الخلايا؛ إذ يجب أن تنفُذ المادة الوراثية عبر غشاء الخلية، وتدخل النواة. وعادةً ما يستلزم فتح أغشية الخلايا تعريض الجلد لنبضٍ كهربي؛ وهي طريقة يقول وينر إنها ليست بالسوء الذي قد تُوحِي به الكلمة، ويضيف قائلًا: "يمكن تحمُّلها ببساطة".

وفي جامعة أكسفورد، تملك سارة جيلبرت منصّتها الخاصة، المسمَّاة ChAdOx1، التي تقوم على أحد الفيروسات الغُدِّية الذي يصيب الشمبانزي. فباستخدام جينوم الفيروس الغُدِّي بوصفه ناقلًا، يضيف فريق أكسفورد تسلسل الحمض النووي الذي يُرمِّز المستضد –وفي حالة فيروس "سارس-كوف-2"، سيكون هذا المستضد هو البروتين الشوكي– ثم يحقن الفريق جزيئات الفيروس الناتج في جسم الشخص المراد تلقيحه. ومن ثَمَّ، يحفّز الفيروس الغُدِّي جهاز المناعة، وتُبِرز الخلايا المُصابة البروتين الشوكي على سطوحها. ونظرًا إلى أنَّ هذا الفيروس الغُدِّي لا يتكاثر داخل الجسم، فيجب أن تكون الجرعة عالية، مما يؤدي إلى ظهور أعراض شبيهة بأعراض الإنفلونزا على مدى 12 ساعة، في الوقت الذي يتأهَّب فيه الجهاز المناعي للعمل. وفي النهاية، ستلتهم الخلايا المناعية أيَّة خلايا مُصابة؛ ما يجعل هذه الطريقة "آمنة تمامًا"، حسبما تقول جيلبرت. هذا.. غير أن هناك لقاحات ذات صلة، مثل لقاحٍ فيروس الإيبولا، الذي يوظِّف فيروس التهاب الفم الحويصلي كناقل، يمكنها استنساخ نفسها؛ ما يزيد خطر الآثار الجانبية، أو يتسبب في الإصابة بالأمراض الناجمة عن النواقل.

وقد سبق لفريق أكسفورد اختبار لقاحات منصة ChAdOx1 ضد فيروسَي "ميرس"، والإنفلونزا، وكذلك مرض الدرن، في تجارب محدودة النطاق على البشر. كما يعمل الفريق مع شركة "أسترا زينيكا" على إنتاج إصدارٍ من تلك اللقاحات ضد فيروس "سارس-كوف-2". وقد دخَل هذا الإصدار حيِّز التجريب، في تجارب تجمع بين المرحلتين الثانية والثالثة، ستُحدِّد ما إذا كان اللقاح قادرًا على حماية البشر من المرض، وما إذا كانت جرعةٌ واحدة كافية لتحقيق هذه الحماية، أم أن التحصين سيتطلب جرعتين.

اتباع نهجٍ أذكى

تزامنًا مع وصول الجيل الأول من لقاحات فيروس "سارس-كوف-2" إلى مرحلة التجارب الإكلينيكية، يعمل الباحثون بكلِّ جدٍّ على تطوير تصميمات الجيل الثاني، آخذين بعين الاعتبار كلَّ ما تعلموه من تطوير لقاحات الفيروسات الأخرى.

فعلى سبيل المثال، يتحوّر فيروس نقص المناعة البشرية باستمرار؛ الأمر الذي يجعل من الصعب على الجهاز المناعي تطوير أجسام مضادة مُحيِّدة له على نطاق واسع، بحيث تستطيع إبطال جميع النُّسَخ المختلفة من الفيروس. وفي تقنية يُطلَق عليها "التقنية البيولوجية لعلم الأجسام المضادة" Antibodyomics، طبَّق بعض الباحثين التقنيات المعلوماتية لتحليل خصائص أجسام مضادة مُحيِّدة للفيروسات على نطاق واسع، وبحث تطوُّرها، على أمل تصميم لقاحاتٍ أكثر فاعلية6.  

وفي البرازيل، طوَّر باحثون نهجًا قائمًا على المستضد، يُطلِقون عليه نهج "المعلوماتية المناعية" immunoinformatics، سعيًا إلى تحديد اللقاحات المُرشَّحة المُحتملة. فقد عمَدَ أليكس ريس -اختصاصيُّ الطفيليات في جامعة أورو بريتو الفيدرالية- وروي بريتو -اختصاصيُّ المناعيات الطفيلية، وباحثُ ما بعد الدكتوراة في مختبر ريس- إلى تطبيق هذه التقنية على داء "الليشمانيات الحشوي"؛ وهو المرض يتسبَّب فيه طفيل الليشمانيا Leishmania الأوّلي، الذي يصيب البشر والكلاب، لا سيَّما في بلدان أمريكا الجنوبية، ومنطقة البحر المتوسط.

وقد طوَّر ريس بالفعل لقاحًا مُرشَّحًا لمواجهة داء الليشمانيا، يقوم على استخدام خلايا مفككة من الطفيلي، ويخضع هذا اللقاح حاليًّا لتجارب المرحلة الثالثة. ومع ذلك، فبالنظر إلى أنَّ إنتاجه يتطلَّب إنماء كميات كبيرة من الطفيلي، يعتقد ريس أن بإمكانه صُنع لقاحٍ أكثر فاعلية، باستخدام ببتيداتٍ مُفرَدة من مستضدات الليشمانيا.

يطمح ريس وبريتو إلى حثِّ الخلايا التائية على محاربة المُمْرض. وفي البداية، درَّب بريتو خوارزميات حاسوبية على تحديد ببتيدات بعينها في مستضدات الطفيلي، يتوسَّم فيها أن تكون الأقدر على تحفيز استجابة مناعية قائمة على الخلايا التائية7. وباستخدام تحليلات حاسوبية ودراساتٍ متعلقة بالحيوانات، ضيَّق نطاق البحث من أكثر من 8 آلاف بروتين إلى أربعة ببتيدات فقط، يرجِّح أنها ستكون فعَّالة. وقد حقن الباحثان الفئران بهذه الببتيدات الأربعة، ثم بطفيليات الليشمانيا، ولاحَظا أن هذا المزيج قد نشَّط مناعة الخلايا التائية، وقلَّل عدد الطفيليات، مُقارنةً بالحيوانات التي لم تُحقَن باللقاح8، غير أنَّهما لم يُقارِنا حتى الآن بين اللقاح المُرشَّح القائم على نُظُم المعلومات المناعية، ولقاح ريس الأصلي الذي سبق تطويره ضد داء الليشمانيات.

يقول بريتو إنَّ استخدام نُظُم المعلومات "يتيح إمكانية طرح لقاحاتٍ مرشحة في وقتٍ قصيرٍ نسبيًّا، ويُفترض أنه أقلُّ تكلفة". ومن المُفترض كذلك أن تَصْلُح نُظُم المعلومات المناعية في مجابهة أيِّ مُمْرض، مشيرًا إلى أنَّه وزميله ريس يتقدَّمان بطلباتٍ للحصول على تمويلٍ لتجربةِ نهجهما على فيروس "سارس-كوف-2". ويأمل الباحثان في أن يتوصَّلا إلى مستضدات بعينها -قد تكون مختلفة عن البروتين الشوكي- يمكنها توليد مناعة ضد هذا الفيروس، وغيره من فيروسات كورونا.   

كما أن الدراسات المتعلقة بِبِنية بروتين المُمْرضات تلعب هي الأخرى دورًا في مساعي تطوير اللقاحات. فعلى سبيل المثال، طبَّق جراهام وزملاؤه تصميمًا قائمًا على البِنية على الفيروس المخلوي التنفسي (RSV)، الذي يمكن أن يسبِّب التهاباتٍ حادة في المجرى التنفُّسي والرئتين لدى الأطفال والمسنِّين. وعلى مدى عقود، استعصى على العلماء تطوير لقاحٍ لهذا الفيروس.

تميل الأجسام المُضادة المُحيِّدة، التي تستهدف هذا الفيروس، إلى الارتباط بنسخة "ما قبل الاندماج" من بروتينٍ فيروسي يَعتمِد عليه المُمْرض في دخول الخلايا. وفي عام 2013، حدَّد الفريق بِنية تلك النسخة في مزيجٍ مركَّب يجمعها بأجسامٍ مضادة مُحيِّدة9. وأخذ الباحثون يُغيِّرون أحماضها الأمينية، للإبقاء عليها على تلك الهيئة10. وارتأوا أنَّ اللقاح المصنوع من هذه النسخة سيكون -على الأرجح- أقدر على خلق أجسامٍ مضادة مماثلة. وفي تجربةٍ على البشر، عزَّز لقاحهم نشاط التحييد الموجود في الدم بدرجةٍ أكبر من لقاحات الفيروس المخلوي التنفسي الأخرى، بل وأكبر من الفيروس نفسه11.

وتجدر الإشارة إلى أنَّ الباحثين عاكفون الآن على تطبيق النهج نفسه على فيروس "سارس-كوف-2"، اعتمادًا على بِنًى مستقرة من البروتين الشوكي، بُغية تطوير لقاحٍ أشد فاعلية13،12.

ويقول جراهام: "أكبر الظن أن البِنية ستكون جزءًا من جميع برامج تطوير اللقاحات في المستقبل".

قفزةٌ نوعية

وسط هذا الزحام من لقاحات مرض "كوفيد-19"، تتمثَّل العقبة التالية في اختبارها؛ إذ يمكن أن يستغرق الانتقال من مرحلة الأبحاث ما قبل الإكلينيكية إلى مرحلة الإنتاج عقدًا من الزمن، وربما أكثر. وفي ظلِّ تفشِّي المرض بين عشرات الملايين من البشر حتى الآن، ووفاة أكثر من نصف مليون شخص من جرَّاء الإصابة به، وهو عدد مرشَّح للزيادة، لا يستطيع العالَم تحمُّل كلفة الانتظار. ومن الدروس التي استقاها الباحثون من انتشار فيروس إيبولا أنَّ إجراء مراحل مختلفة من أبحاث اللقاحات، وتجربتها بالتوازي، بدلًا من النهج التقليدي المتمثل في إتمام خطوةٍ تلو الأخرى، قد يُسهم في تسريع وتيرة عملية التطوير. فعلى حدِّ قول هيلين بيتوسيس-هاريس، اختصاصية اللقاحات في جامعة أوكلاند بنيوزيلندا: "لقد تحطمت هذه الحواجز نوعًا ما".

وبالإضافة إلى ذلك، يعتزم علماء اللقاحات تعجيل الإجراءات اللازمة لتطوير اللقاح، من خلال إجراء تجارب على مجموعات كبيرة من الأشخاص في البؤر التي تشهد تفشِّيًا لفيروس "سارس-كوف-2". وهم يسعون بذلك إلى رصد أي اختلافات في معدلات الإصابة بين المجموعات التي تتلقى اللقاح، والمجموعات التي تتلقى اللقاح الوهمي بسرعة، حسبما يقول وايزمان.

يُذكر أنَّ أحد اللقاحات -وهو لقاح قائم على منصة فيروسات غُدِّية، طوَّرَتْه شركة "كانسينو بيولوجيكس" CanSino Biologics في مدينة تيانجين بالصين- قد حصل في الخامس والعشرين من يونيو الماضي على موافقة الجيش الصيني، بوصفه "عقارًا ضروريًّا للغاية"، على خلفية نتائج غير منشورة لبعض تجارب المرحلة الثانية، أشارت إلى أنَّ اللقاح "لديه القدرة على منع الأمراض التي يسببها فيروس "سارس-كوف-2"، حسبما ورَدَ في تقرير الشركة.

وعندما يجد العلماء لقاحًا فعَّالًا، سينتقل التحدِّي إلى عملية التصنيع. تقول فوتين-مليكشيك : "نتحدث هنا عن مليارات الجرعات المطلوبة، وإنه لأمرٌ عسير حقًّا". كما رجَّحَتْ فوتين-مليكشيك أن العالَم سيكون بحاجةٍ إلى كميات مماثلة من الإبر المعقمة، إلى غير ذلك من المستلزمات.

ويعمل مُصنِّعو الأدوية الآن على تطوير اللقاحات، على أمل توزيعها على نطاقٍ واسع فور التيقن من فاعليتها. وفي ذلك، تقول بيتوسيس-هاريس: "لا يوجد عائد مضمون للاستثمار"، ولكن ما إنْ تثبُت فاعلية أحد اللقاحات، "سيحظى مُصَنِّعه بأفضليةٍ كبيرة على المنافسين". 

وبحلول العام المُقبِل، يتوقع اختصاصيُّو اللقاحات توافر لقاحاتٍ فعَّالة ضد مرض "كوفيد-19"؛ ليس هذا فحسب، بل وتوافُر مقدارٍ هائل من المعارف الجديدة بشأن تطوير اللقاحات. تقول جيلبرت: "في الواقع، سيكون من المثير للاهتمام إجراء مقارناتٍ مباشرة بين هذه التقنيات. وسوف نكون أكثر تأهُّبًا للجائحة التالية". 

References

  1. Pardi, N. et al. Nature Commun. 9, 3361 (2020). | article
  2. Awasthi, S. et al. Sci. Immunol. 4, eaaw7083 (2019). | article
  3. Pardi, N. et al. Nature Commun. 8, 14630 (2020). | article
  4. Jackson, L. A. et al. N. Engl. J. Med. https://doi.org/10.1056/NEJMoa2022483 (2020). | article
  5. Tebas, P. et al. N. Engl. J. Med. https://doi.org/10.1056/NEJMoa1708120 (2017). | article
  6. Kwong, P. D. et al. Immunol. Rev. 275, 108–128 (2017). | article
  7. Brito, R. C. F. et al. Int. J. Mol. Sci. 18, 371 (2017). | article
  8. Brito, R. C. F. et al. Vaccines 7, 162 (2019). | article
  9. McLellan, J. S. et al. Science 340, 1113–1117 (2013). | article
  10. McLellan, J. S. et al. Science 342, 592–598 (2013). | article
  11. Crank, M. C. et al. Science 365, 505–509 (2019). | article
  12. Henderson, R. et al. Preprint at bioRxiv https://doi.org/10.1101/2020.05.18.102087 (2020). 
  13. Hsieh, C.-L. et al. Preprint at bioRxiv https://doi.org/10.1101/2020.05.30.125484 (2020). 

أمبر دانس صحفية عِلمية مستقلة، مقيمة في مدينة لوس أنجيليس بولاية كاليفورنيا.