أخبار

عالِم وبائيات هندي بارز يخشى من استفحال الجائحة في البلاد

يقول جايابراكاش مولييل إن الإصابات بفيروس كورونا يتزايد سريعًا في البلاد، مشيرًا إلى أن معدلات الوفيات المنخفضة قد تكون مُضللة.

أجرت المقابلة: بريانكا بولا
  • Published online:
فحص درجة حرارة مواطنين في مومباي بالهند، في إطار جهود التصدي لجائحة "كوفيد-19".

فحص درجة حرارة مواطنين في مومباي بالهند، في إطار جهود التصدي لجائحة "كوفيد-19".

Satish Bate/Hindustan Times via Getty

أكَّدت الهند أن عدد المصابين بمرض "كوفيد-19" في البلاد قد تجاوز ثلاثة ملايين شخص حتى الآن، ما يجعلها ثالث أشد البلدان تضررًا من الجائحة، لا سيما في مُدُنها الكبرى، مثل دلهي، ومومباي، حيث تكافح المستشفيات من أجل استيعاب أعداد الحالات الحرجة. وتجدر الإشارة إلى أن القفزة التي تشهدها الهندُ حاليًّا في أعداد المصابين بالمرض تأتي بعد مُضِي شهرين ونصف الشهر على فرض إجراءات الغلق في جميع أرجاء البلاد، بدءًا من الخامس والعشرين من مارس الماضي؛ الأمر الذي نتج عنه تعطيل عجلة الاقتصاد، وانقطاع الأرزاق. وعلى مدار هذه الأزمة، عمل عالِم الوبائيات جايابراكاش مولييل -من كلية الطب المسيحية، الواقعة في مدينة فيلور بولاية تاميل نادو الهندية- على تقديم المشورة إلى حكومة البلاد فيما يخص رصْد الجائحة. وفي هذا الحوار، يتحدَّث مولييل إلى دورية Nature عن بعض العوامل التي تلعب دورًا في التفشِّي الوبائي في الهند.

عالِم الوبائيات جايابراكاش مولييل

عالِم الوبائيات جايابراكاش مولييل

Jayaprakash Muliyil

هل تعتقد أن الجائحة تسلك في الهند مسارًا مغايرًا لمسارها في البلدان الأخرى التي تضررت منها تضررًا بالغًا، مثل الولايات المتحدة، وإسبانيا، وإيطاليا؟

أجل، أعتقد ذلك. فهي تنتشر هُنا بوتيرة أسرع كثيرًا، حيث تُعَد معدلات انتقال العدوى فيها أعلى منها في البلدان الأخرى. ويرجع ذلك إلى أن مستوى القلق من احتمالات الإصابة بالمرض بين عموم السكان منخفض. فالناس لا يتورَّعون عن الخروج إلى الأسواق اليوم، مثلًا، متخفِّفين من التدابير الوقائية إلى حدٍّ بعيد. وهكذا، فإن الوباء يستشري فيما بينهم بسرعةٍ كبيرة، وخاصة في المدن. ولا يخفَى علينا أنه ينتشر في المناطق الريفية كذلك. وبوجه عام، يمكن القول إن انتشار العدوى في الهند يأخذ منحنًى صاعدًا على نحوٍ أكثر حدَّة مما رأينا في عديد من البلدان الأخرى. ففي كثير من الدول الغربية، على سبيل المثال، عندما كانت الجائحة تضرب واحدةً من كبريات المدن، مثل لندن، كانت المدن الأخرى تسارع إلى التصدِّي لها بقوة، والعمل على تقليل انتشار العدوى. وهكذا، فبينما أصبح زمن تضاعُف الإصابات أطول في الأماكن الأخرى، لا يزال هذا الزمن قصيرًا في بعض المدن الهندية.

 

تزعم الهند أن معدل الوفيات الناجمة عن "كوفيد-19" لديها هو من بين أقل المعدَّلات على مستوى العالَم، فهل هذا صحيح؟

يُتوقع أن تكون نسبة الوفيات في الهند لكل مليون شخص أقل، بسبب انخفاض متوسط عمر سكانها (بالنظر إلى أن الفئات العمرية الأكبر أكثر عرضة للوفاة من جرَّاء الإصابة بالمرض). ولذا، فقد نجد بعض العزاء في انخفاض معدل الوفيات لدينا، وفي المناطق الريفية بصفةٍ خاصة، بيد أنه يُؤخذ على استخدام معدل الوفيات كمؤشرٍ دقيق أنّ تسجيل حالة الوفاة على أنها ناجمة عن الإصابة بمرض "كوفيد-19" يتطلَّب تصريحًا رسميًّا بذلك. ولا سبيل إلى الحصول على مثل هذا التصريح، إلا من خلال فحص تفاعل البوليميراز التنسخي العكسي المتسلسل (المعروف اختصارًا بفحص RT-PCR)، الذي يُستخدم للكشف عن وجود آثار مواد وراثية للفيروس المسبِّب للمرض في الأنف والحلق. وفي ظل تعداد سكاني يبلغ 1.3 مليار نسمة، تُرى ما نسبة مَن يتسنى لهم إجراء هذا النوع من الفحص من وجهة نظرك؟ نسبةٌ منخفضة للغاية بلا شك.

لذا، فإن إحصاء جميع الوفيات الناجمة عن "كوفيد-19" أمرٌ بالغ الصعوبة. ولا توجد وسيلة إلى تحقيق ذلك، سوى إتاحة الفحوص السريعة على نطاق أوسع. ولا تنسَ أن ما لا يقل عن نصف الوفيات متوقع حدوثه في القرى والمناطق الريفية، حيث يعيش 66% من تعداد سكان الهند، في الوقت الذي لا توجد فيه آلية حقيقية لتقدير أسباب الوفاة في تلك القرى.

ما تَقْييمك للجهود التي بذلَتْها الحكومة الهندية للتصدي للفاشية حتى الآن؟

لم يكن قرار فرض إجراءات الغلق في جميع أنحاء البلاد بالقرار الصائب؛ فقد جلب التعاسة على عددٍ لا حصرَ له من البشر، بل ودمَّر حياة البعض تدميرًا. ولم نستطع إلى اليوم تدارُك تبعاته على المجتمع. لقد كان قرارًا مؤسفًا بحق. ولو كان التخطيط لإجراءات الإغلاق قد جرى على نحوٍ أفضل، لَحالَ ذلك قَطْعًا دون وقوع خسائر فادحة، لكنها ما كانت لتتجاوز الخسائر التي نتكبَّدها الآن.

والحق أن إجراءات الإغلاق لم تُثمر سوى عن فائدة واحدة، تتمثل في أنه ما مِن أحدٍ إلا وصار على وعيٍ بهذا المرض المسمى "كوفيد-19"، إذ ليس من السهل توعية الجميع بهذا المرض في الهند، بما تضمُّه من مناطق نائية كثيرة، غير أنّ الناس سمعوا به بفضل إجراءات الإغلاق. أضِف إلى ذلك، أن مفهوم الأمراض المُعدية ليس ممَّا يسهُل على الكثيرين استيعابه. ففي كثيرٍ من المناطق الريفية -على سبيل المثال- يُعتقد أن داء الحصبة إنما تُسببه إلهة تأتي به إلى القرى، وكذلك الحال مع مرض جديري الماء، فإذا ما ذكرتَ كلمة "فيروس" في تلك المناطق، فسوف ترى أن قطاعاتٍ عريضة من السكان لا تفطن إلى معناها.

ما الإجراءات التي ينبغي اتخاذها الآن من قِبل المدن التي تعاني تفشِّيًا واسعًا للمرض؟

ثمَّة مُدن كثيرة تُودِع الأشخاص العائدين من المناطق أو الدول المتضررة بالجائحة في منشآت عامة، أو فنادق، تتخذ منها تلك المدن حجرًا صحيًّا. وأرى أن هذه الممارسة ينبغي أن تتوقف، وأنه يتعين على هؤلاء الأشخاص أن يخضعوا للحجر الصحي المنزلي؛ إذ إن أغلبهم لن يعرف ما إذا كان قد أصيب بالمرض، أم لم يُصَب، نظرًا إلى احتمال عدم خضوعهم للفحص. وفي بلدٍ يشهد تفشيًا مجتمعيًّا واسعًا، سيكون إيداع العائدين من السفر في منشآت عامة –تكتظ بالعمالة الكثيفة للغاية– أمرًا عمليًّا.

وعوضًا عن ذلك، علينا التركيز على استراتيجية حجر صحي عكسي؛ يُوضع بموجبها كبار السن والفئات المُعرَّضة لخطر المرض في أماكن الحجر الصحي بمعزل عن الآخرين، لحمايتهم. كما يتعين علينا ضخ الأموال في المستشفيات، وتوفير أجهزة التنفُّس الاصطناعي للمرضى. تلك هي أهمّ الإجراءات الكفيلة بإنقاذ الأرواح. 

حُررت المقابلة مراعاة للطول والوضوح.