أنباء وآراء

العودة بالزمن إلى الوراء، بحثًا عن جسم مضاد لـ"سارس-كوف-2"

تتعاظم الجهود التي تحاول تطويع الأجسام المضادة لاستخدامها كعلاج ضد مرض "كوفيد-19". وتكشف إحدى الدراسات عن معلومات يمكن استقاؤها من الأجسام المضادة التي كَوَّنها جسمُ شخص سبقت إصابته بالفيروس التاجي المسبِّب لمرض "سارس" SARS. 

جاري آر. ويتيكر، وسوزان دانييِل
  • Published online:

تُعَد جائحة "كوفيد-19" أضخم أزمات الصحة العامة التي شهدها هذا القرن. ولهذا، يحتل العمل على تطوير علاجات طبية لمكافحة الفيروس التاجي «سارس-كوف-2» SARS-CoV-2 أولوية كبرى. ومن هنا، في بحث نُشر مؤخرًا في دورية Nature، تقدِّم دورا بنتو وزملاؤها1 بعض الأدلة اللازمة من أجل اتخاذ أُولى الخطوات الحاسمة في الجهود التي تُبذل في هذا المجال العلمي الآخِذ في التطور، ألا وهو العلاج المناعي باستخدام الأجسام المضادة.

إنّ مستوى الحماية الذي يوفره الجهاز المناعي كاستجابة للتعرض لفيروس «سارس-كوف-2» SARS-CoV-2، والإصابة به، هو مثار جدل ساخن2. ويعتقد أن جزءًا رئيسًا من الاستجابة المناعية لمثل هذه العدوى هو تطوير أجسام مضادة تستطيع التعرف على الفيروس. وتحظى الأجسام المضادة التي ترتبط ببروتين على سطح الفيروس -يسمى البروتين الشوكي- باهتمام خاص في هذا الصدد. ويُذكر أن الفيروسات التاجية تشتق اسمها من أشكالها المميزة التي تشبه التاج، والتي ترجع إلى وجود هذه البروتينات على سطحها.

وتستطيع الأجسام المضادة التي تتعرف على البروتين الشوكي للفيروس وترتبط به أن تشل قدرته على الارتباط بالمستقبِل البروتيني المعروف باسم "الإنزيم المحوِّل للأنجيوتنسين 2" ACE2، الموجود على سطوح الخلايا البشرية. ويمثل هذا التفاعل بين البروتين الشوكي، والمستقبِل ACE2 جزءًا من عملية قادرة على تمكين الفيروسات التاجية من دخول الخلايا البشرية. ومن ثم، فإن الأجسام المضادة التي يمكنها أن تعطل وظيفة البروتين الشوكي قد تمنع الإصابة بالعدوى، وتسمى هذه الأجسام المضادة بـ"الأجسام المضادة المُحَيِّدَة".

وما يزال هناك الكثير مما يجب أن نتعلمه حول الاستجابة المناعية لفيروس "سارس-كوف-2". ورغم ذلك، فقد بدأ يتضح أن الأجسام المضادة المأخوذة من أمصال دماء المتعافين من "كوفيد-19" يمكن استخدامها في علاج هذا المرض، عن طريق حقنها في الأشخاص الآخرين المصابين به3. وتجذب مثل هذه الطرق العلاجية القائمة على "أمصال المتماثلين للشفاء" الكثير من الاهتمام، لا سيما لكونها خيارًا علاجيًّا مباشرًا، إذ إن العلاجات التقليدية بدرجة أكبر –كالعقاقير، واللقاحات- لا يُحتمل أن تتوفر قبل مرور بعض الوقت. ومن بين الطرق الأكثر اعتمادًا على التكنولوجيا المتقدمة في الانتفاع بأمصال المتماثلين للشفاء، التحكم في الخلايا البائية المنتجة للأجسام المضادة المأخوذة من دماء أشخاص سبقت إصابتهم بـ"كوفيد-19"، أو بفيروسات تاجية أخرى، إذ تصنع كل خلية بائية جسمًا مضادًّا واحدًا فريدًا، ويمكن باستخدام مجموعات تضم نسخًا متطابقة من خلية بائية بعينها توليد مجموعة من الأجسام المضادة المتطابقة من نوع محدد مرغوب فيه، تسمى بالأجسام المضادة وحيدة النسيلة.

ولتعجيل عملية تطوير علاج، قامت بنتو وزملاؤها "بالعودة بالزمن إلى الوراء "، وعمدوا إلى عينات من خلايا بائية، جُمعت من شخص كان قد أصيب بالفيروس التاجي المعروف باسم "سارس-كوف" SARS-CoV. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الفيروس -الذي يشبه الفيروس "سارس-كوف-2"- تَسبَّب في تفشي المرض المعروف باسم المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (أو اختصارًا "سارس") SARS في عام 2003. ويتمثل الأمل المعقود على مثل هذه الطريقة في احتمالية أن يعني التشابه بين الفيروسين أن بعض الأجسام المضادة التي تتعرف على الفيروس "سارس-كوف" تتعرف أيضًا على الفيروس "سارس كوف-2"، وتقوم بتحييده.

ويُعَد "رأس" البروتين الشوكي، الذي يمثل نطاق ارتباط الفيروس بالمستقبِلACE2 ، والذي يسمى "S1"، هو أكثر منطقة يسهل وصول الأجسام المضادة إليها، والارتباط بها، غير أن هذا النطاق يوجد في حالات ديناميكية متباينة، وقد نشأ خلاف حول ما إذا كان هذا الرأس "يتخفى" عن الجهاز المناعي عن طريق غلاف من جزيئات كربوهيدراتية، أم لا4. ومن هنا، فإن اكتشاف جسم مضاد قادر على استهداف هذه المنطقة ليس بالعملية الهينة. لذا، قامت بنتو وزملاؤها بجمع خلايا دم أُخذت في عامي 2004، و2013 من شخص تعافى من مرض "سارس"، ثم بحثوا عن الأجسام المضادة التي يمكنها أن تتعرف على الفيروس "سارس-كوف-2" (شكل 1). ومن بين 25 جسمًا مضادًّا من الأجسام المضادة وحيدة النسيلة، التي درسها الباحثون، تمكنت أربعة أجسام مضادة من التعرف على نطاقَي الارتباط بالمستقبِل ACE2 في البروتينين الشوكيين لكل من فيروس "سارس-كوف"، و"سارس-كوف-2". وقد وقع الاختيار على أحد الأجسام المضادة، الذي يسمى "S309"، لإجراء المزيد من الدراسات عليه، بسبب ميله الكبير إلى الارتباط بهذا النطاق عند فحصه في المختبر.

شكل 1. جسم مضاد يمنع الإصابة بفيروس كورونا. تمكنت بنتو وزملاؤها1 من اكتشاف جسم مضاد في البشر يمنع الإصابة بالفيروس "سارس-كوف-2" SARS-CoV-2، وهو الفيروس التاجي الذي يسبب مرض "كوفيد-19". وحقق الباحثون هذا الاكتشاف عن طريق فحص أجسام مضادة أنتجها شخص سبق أن تعافى في عام 2003 من الإصابة بفيروس "سارس-كوف" التاجي، القريب تطوريًّا من فيروس "سارس-كوف-2". وفيروس "سارس-كوف" هو المسبب للمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة، المعروفة اختصارًا باسم "سارس" SARS. أ) تصيب الفيروسات التاجية، مثل الفيروس "سارس-كوف"، الخلايا البشرية عن طريق الارتباط بالبروتين المسمى ACE2. ب) حللت بنتو وزملاؤها عينات أُخذت في عامَي 2004، و2011 من دم شخص تعافى من إصابته بمتلازمة "سارس"، وفحصوا الأجسام المضادة التي أنتجتها الخلايا المناعية الموجودة بعينات الدم هذه. وبهذه الطريقة، اكتشفوا جسمًا مضادًّا (يسمى  "S309")، ووجدوا أنه يرتبط بالبروتين الشوكي لفيروس "سارس-كوف"، ويمنع الإصابة به. ج) كما وجد الباحثون أن هذا الجسم المضاد يرتبط أيضًا بمنطقة مشابهةٍ توجد على البروتين الشوكي لفيروس "سارس-كوف-2"، وتمنع الإصابة بالفيروس أيضًا.

شكل 1. جسم مضاد يمنع الإصابة بفيروس كورونا. تمكنت بنتو وزملاؤها1 من اكتشاف جسم مضاد في البشر يمنع الإصابة بالفيروس "سارس-كوف-2" SARS-CoV-2، وهو الفيروس التاجي الذي يسبب مرض "كوفيد-19". وحقق الباحثون هذا الاكتشاف عن طريق فحص أجسام مضادة أنتجها شخص سبق أن تعافى في عام 2003 من الإصابة بفيروس "سارس-كوف" التاجي، القريب تطوريًّا من فيروس "سارس-كوف-2". وفيروس "سارس-كوف" هو المسبب للمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة، المعروفة اختصارًا باسم "سارس" SARS. أ) تصيب الفيروسات التاجية، مثل الفيروس "سارس-كوف"، الخلايا البشرية عن طريق الارتباط بالبروتين المسمى ACE2. ب) حللت بنتو وزملاؤها عينات أُخذت في عامَي 2004، و2011 من دم شخص تعافى من إصابته بمتلازمة "سارس"، وفحصوا الأجسام المضادة التي أنتجتها الخلايا المناعية الموجودة بعينات الدم هذه. وبهذه الطريقة، اكتشفوا جسمًا مضادًّا (يسمى  "S309")، ووجدوا أنه يرتبط بالبروتين الشوكي لفيروس "سارس-كوف"، ويمنع الإصابة به. ج) كما وجد الباحثون أن هذا الجسم المضاد يرتبط أيضًا بمنطقة مشابهةٍ توجد على البروتين الشوكي لفيروس "سارس-كوف-2"، وتمنع الإصابة بالفيروس أيضًا.

كبر الصورة

وقد استخدمت بنتو وزملاؤها الفحص المجهري الإلكتروني بالتبريد، لرصد التفاعل بين الجسم المضاد "S309"، والبروتين الشوكي لفيروس "سارس-كوف-2". وكشف ذلك عن أن الجسم المضاد "S309" يرتبط بموقع يسهل الوصول إليه في منطقة نطاق الارتباط بالمستقبِل، الموجودة على البروتين الشوكي للفيروس، وهو موقع ملحق به جزيء من مادة كربوهيدراتية. وفضلًا عن ذلك، فإن هذا الموقع ليس جزءًا من المنطقة المهمة التي ترتبط مباشرةً بالمستقبِل ACE2. كما يتسم الموضع الذي يتعرف عليه الجسم المضاد "S309" بأنه ثابت على مدى تطور البروتينات الشوكية الموجودة في طائفة عريضة من الفيروسات التاجية، التي يُعَد الخفاش عائلًا وسيطًا لها (أي الفيروسات التي تنتمي إلى السلالة B من جنس "كورونا بيتا"  Betacoronavirus، والجنس الفرعي "ساربيكوفيروس" Sarbecovirus)، والتي تتشابه في أوجه عديدة مع الفيروسات التاجية ذات الشبه بفيروس مرض "سارس". ويشير ذلك إلى إمكانية أن تكون لمثل هذا الجسم المضاد تطبيقات واسعة في التصدي للفيروسات التي تجمعها قرابة تطورية بالفيروس المسبب لمرض "سارس". لذلك.. فإن هذا الجسم المضاد ليس مهمًّا فقط عند بحث الطرق المطلوبة للسيطرة على وباء "كوفيد19" في السنوات المقبلة، لكن ربما يؤخذ في الاعتبار أيضًا استخدامه في منع حالات التفشي المستقبلية للفيروسات الحيوانية ذات القرابة التطورية لفيروس "سارس-كوف-2"، إذا قُدر لتلك الفيروسات أن تحقق القفزة التي تمكنها من إصابة البشر.

في نهاية المطاف، يبدو من غير المحتمل أن يَعتمد العلاج الناجع لـ"كوفيد-19" على جسم مضاد واحد. لذا، بدلًا من ذلك -ومثلما حدث في حال مرض "سارس"- ربما تكون الطريقة الأكثر فاعلية هي تلك التي تتآزر فيها أجسام مضادة مختلفة وحيدة النسيلة في خليط من الأجسام المضادة5. وسيتطلب إحراز تقدُّم في هذه الطرق العلاجية إيجاد أدلة مخبرية على فعالية هذه الأجسام المضادة في تحييد الفيروس، فضلًا عن توفير بيانات من الجسم الحي، لتقدير مدى كفاءة الجسم المضاد في تعزيز الأوجه الأخرى للاستجابة المناعية، وعلى سبيل المثال.. عن طريق تجنيد خلايا مناعية أخرى للتصدي للعدوى. وثمة الكثير من الاتجاهات الواعدة التي يمكن استكشافها في إطار هذه الجهود.

بهذه الدراسة، حققت بنتو وزملاؤها سبْقًا، من خلال فحصهم للأجسام المضادة الموجودة سلفًا، ويُفترض أن لديهم حاليًا المزيد من الخلايا البائية التي يمكن أن ينقبوا فيها عن الأجسام المضادة. وقد قدمت فرق بحثية أخرى كثيرة، على سبيل المثال، لا الحصر6،2-13، اكتشافات مفيدة في رحلة البحث عن أجسام مضادة تستطيع استهداف الفيروس "سارس-كوف-2". وسيجري في الخطوات التالية اختبار هذه الأجسام المضادة كل على حدة، وفي أخلاط، في نماذج حيوانية، لمعرفة ما إذا كانت تقي من المرض، أم لا، وذلك أولًا، ولتقدير درجة أمانها وفعاليتها من خلال تجارب إكلينيكة على البشر. وقد يؤدي إسراع الخطى في هذا الاتجاه إلى تضييق الفجوة الزمنية بين اكتشاف الجسم المضاد، وتجارب إثبات فاعليته في البشر، بحيث تُختصر إلى فترة وجيزة، لا تزيد على خمسة أو ستة أشهر14.

ويأتي أبرز الأمثلة الحديثة على العلاجات المناعية للأمراض المعدية من المعركة ضد فيروس الإيبولا. فبالتوازي مع العمل على إيجاد لقاحات لمواجهة هذا الفيروس، والتجارب التقليدية لإنتاج عقاقير من جزيئات صغيرة للتصدي له، أُحرِز تقدُّم سريع على صعيد تطوير العلاجات القائمة على الأجسام المضادة وحيدة النسيلة المضادة له. ولا تزال أخلاط من الأجسام المضادة لهذا الفيروس قيد التطوير، وقد بدأت بخليط يسمى «زيماب» ZMapp، يستهدف أحد البروتينات الأساسية لفيروس إيبولا، يسمى البروتين السكري (GP) في موضعين مهمين من البروتين15-17. ومن شأن هذا التقدم في الجهود الرامية إلى مكافحة فيروس إيبولا أن يعطي أملًا في التوصل إلى علاجات مناعية مشابهة تستهدف الفيروس "سارس-كوف-"2. وتُعَد الدراسة التي أجرتها بنتو وزملاؤها خطوة كبيرة في اتجاه إحراز مثل هذا النجاح المتوقع –والمطلوب أيضًا– بدرجة كبيرة.

 

References

  1. Pinto, D. et al. Nature 583, 290–295 (2020). | article
  2. Robbiani, D. F. et al. Nature https://doi.org/10.1038/s41586-020-2456-9 (2020). | article
  3. Casadevall, A. & Pirofski, L. A. J. Clin. Invest. 130, 1545–1548 (2020). | article
  4. Watanabe, Y. et al. Nature Commun. 11, 2688 (2020). | article
  5. ter Meulen, J. et al. PLoS Med. 3, e237 (2006). | article
  6. Shi, R. et al. Nature https://doi.org/10.1038/s41586-020-2381-y (2020). | article
  7. Ju, B. et al. Nature https://doi.org/10.1038/s41586-020-2380-z (2020). | article
  8. Yuan, M. et al. Science 368, 630–633 (2020). | article
  9. Baum, A. et al. Science https://doi.org/10.1126/science.abd0831 (2020). | article
  10. Rogers, T. F. et al. Science https://doi.org/10.1126/science.abc7520 (2020).

     | article

  11. Brouwer, P. J. M. et al. Science https://doi.org/10.1126/science.abc5902 (2020). | article
  12. Hansen, J. et al. Science https://doi.org/10.1126/science.abd0827 (2020). | article
  13. Wec, A. Z. et al. Science https://doi.org/10.1126/science.abc7424(2020). | article
  14. Kelley, B. Nature Biotechnol. 38, 540–545 (2020). | article
  15. Furuyama, W. et al. Sci. Rep. 6, 20514 (2016). | article
  16. Saphire, E. O. et al. Cell 174, 938–952 (2018). | article
  17. Mulangu, S. et al. N. Engl. J. Med. 381, 2293–2303 (2019). | article

جاري آر. ويتيكر يعمل في قسم علوم المناعة والأحياء الدقيقة، وبرنامج ماجستير الصحة العامة في جامعة كورنيل في إيثاكا، نيويورك 14853، الولايات المتحدة الأمريكية.

سوزان دانيِل تعمل في كلية سميث لهندسة الجزيئات الحيوية والهندسة الكيميائية في جامعة كورنيل في إيثاكا، نيويورك 14853، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني:

grw7@cornell.edu