تعليقات

ثلاثة مساعٍ لفهم تأثيرات السُخام والكبريتات والغبار في المناخ

إلى أي مدى أبطأت جُسيمات الهباء الجوي من وتيرة الاحترار؟ جويس بينر تُحدِّد الأولويات لحملة مُنسقة من عمليات الرصد والنمذجة المناخية.

جويس بينر
  • Published online:
عاصفة تُرابية تهبّ على مدينة فينيكس بولاية أريزونا.

عاصفة تُرابية تهبّ على مدينة فينيكس بولاية أريزونا.

Daniel J Bryant/Getty

ربما تكون غازات الدفيئة المتهم الأول وراء ظاهرة الاحترار السريع لكوكبنا، ولكن تؤدي الُجسيمات المنتشرة في الهواء دورًا في ذلك أيضًا. فيمكن للسُخام والغبار والكبريتات وغيرها من جُسيمات الهباء الجوي (الإيروسولات) أن تعمل على تبريد الغلاف الجوي واحتراره. مع ذلك، فبعد مرور نحو 30 عامًا على صدور أوّل تقرير عن الهيئة الحكومية الدولية المعنيّة بتغيّر المناخ، لا نعرف بعد على وجه الدقة مدى تأثير جُسيمات الهباء الجوي في المناخ1،2. فلا تزال أحد أكبر مصادر الغموض القائمة.

فما سبب ذلك الغموض الشديد المحيط بها؟ أولًا، الهباء الجوي عبارة عن مجموعة من الجُسيمات بالغة الصِغَر، تتنوع مصادرها ما بين أدخنة النيران وحتى الجزيئات المنبعثة من النباتات (انظر «جُسيمات الهباء الجوي والمناخ»).

كبر الصورة

Adapted from https://go.nature.com/2whhzh2

ثانيًّا، تتباين تأثيرات جُسيمات الهباء الجوي في المناخ تباينًا شديدًا. فالسُخام الأسود يمتص ضوء الشمس ويعمل على احترار الهواء. أما ثاني أكسيد الكبريت المُنبعث من احتراق الوقود الأحفوري أو البراكين فيُكوِّن ضبابًا من جُسيمات حمض الكبريتيك يعكس ضوء الشمس القادم، مما يتسبَّب في خفض درجات الحرارة على مستوى العالم. وتقوم جُسيمات الكبريتات مقام الأنوية التي يتكثف حولها الماء، مما يعمل على تلقيح السُحب ويزيد من قدرتها على عكس الضوء.

ثالثًا، يصعب التنبؤ بأنماط سلوك أخلاط جسُيمات الهباء الجوي. فهل الاحترار الناتج عن السُخام يمنع السُحب من أن تتكوَّن حول جُسيمات الكبريتات في الهواء الملوّث؟ وما عدد الجُسيمات الماصة التي تقبع فوق السُحب وتعترض مرور ضوء الشمس القادم والمنعكس؟

رابعًا، جُسيمات الهباء الجوي غير مستقرة في أماكنها. فهي تمكث بضعة أيام أو أسابيع في الغلاف الجوي مقارنة بثاني أكسيد الكربون الذي يمكث مئات السنين. وهذه معناه أن تلك الجسيمات لا تتراكم بالسرعة نفسها التي يتراكم بها ثاني أكسيد الكربون حتى عند ضخّها باستمرار في الهواء. كما تتفاوت معدلات توزيعها بمرور الوقت، سواء رأسيًّا أو حول العالم.

كما أن النماذج المناخية تختلف بشأن عديد من الجوانب الأساسية المتعلقة بُجسيمات الهباء الجوي وتفاعلاتها1. فعلى سبيل المثال، لا تستطيع تلك النماذج المناخية التنبؤ بدقة بكيفية تغيير الجُسيمات لكمية الماء السائل ومعدل توزيعه في السُحب.

على الباحثين اتخاذ إجراءات مُنسَّقة لاكتشاف تأثيرات جُسيمات الهباء الجوي على المناخ، ومن ثمَّ، تضييق نطاق الغموض بشأن التنبؤات المتعلقة بالاحترار الناتج عن غازات الدفيئة. سوف يؤدي إحراز تقدم في الجوانب الثلاثة التالية إلى التغلّب على هذا الغموض خلال عقد من الزمان:

تحديد الخواص الأساسية. لا يجري رصد توزيعات جُسيمات الهباء الجوي بالمستوى الملائم حول العالم. ثمة ضرورة لإجراء مزيد من التجارب الميدانية في مختلف المواقع التي تتعرَّض لمصادر متنوعة من جُسيمات الهباء الجوي للإسهام في توصيف أحجام هذه الجُسيمات وتركيباتها وأعدادها. وتؤدي عمليات المسح الجوي دورًا فعَّالًا، وينبغي توسيع نطاق حملة «أتوم» 3ATom التي جمعت عينات من جُسيمات الهباء الجوي على ارتفاعات مختلفة فوق أسطح المحيطات. وتستطيع الأقمار الصناعية رصد سماكة طبقات هذه الجُسيمات على مساحات كبيرة، لكنها لا تُميِّز بين الأخلاط المختلفة ولا تستطيع الرؤية عبر السُحب. وأحيانًا أيضًا تُخطئ في التعرّف على جُسيمات الهباء الكبيرة -مثل جزيئات الكبريتات المنتفخة بفعل الرطوبة- وتظنّها قطرات ماء.

كذلك، يوجد قصور في فهم التفاعلات الأساسية التي تحدث في الغلاف الجوي وتُنتِج أو تُغيِّر جُسيمات الهباء الجوي. فعلى سبيل المثال، تتصاعد من النباتات تربينات ومركبات عضوية متطايرة أخرى تتأكسد في الهواء. وتكون النواتج أقل تطايرًا من المكونات الأصلية ويمكن أن تتكثف حينذاك، مكونةً مزيدًا من جُسيمات الهباء الجوي. ويمكن أيضًا أن ينتُج عن احتراق الوقود الأحفوري جُسيمات هباء عضوية، ولكن لا يزال الغموض يُحيط بكمية الجُسيمات العضوية التي تتكوِّن نتيجة التأكسد أو الاحتراق.

يجب تحديد خواص أخلاط جُسيمات الهباء الجوي وأنماط سلوكها. فعلى سبيل المثال، ما كمية الكبريتات الإضافية التي يجب إضافتها إلى السُخام والغبار لتكوين قطرات الماء؟ وكيف تُنتج الغازات منخفضة التطاير الجُسيمات التي يكبُر حجمها وتختلط مع غيرها من جُسيمات الهباء الجوي لتصل أحجامها إلى مستوى يُؤثر في قطرات الماء التي تحملها السُحب؟

لاستكمال هذه الفجوات في البيانات، يجب إجراء مزيد من التجارب الميدانية في الهواء النقي وكذلك في مصادر مختلفة من الهواء الملوَّث. كما أن الدراسات المُختبرية من شأنها الارتقاء بفهمنا للتفاعلات.

التمييز بين تأثيرات العوامل المختلفة على السُحب. تعتمد قدرة السُحب على عكس الضوء، ومن ثم قدرتها على التبريد، على سماكتها ومساحتها ومحتواها من الماء. وتعمل جُسيمات الهباء الجوي على تلقيح السُحب، ولكن يختلف مستوى زيادتها لمحتوى الماء في تلك السُحب تبعًا للظروف الجوية. فعلى سبيل المثال، تتكثف كمية أكبر من الماء حول الجُسيمات بالسُحب الطافية بفعل الهواء الرطب الذي ارتفع من سطح الأرض عن طريق الحمل الحراري أو نتيجةً للاضطرابات الجوية. وتتكثف كمية أقل من الماء في السُحب التي تتعرض للهواء الجاف الهابط إلى أسفل.

ينبغي للباحثين التمييز بين تأثيرات درجة الحرارة والرياح، والرطوبة، وجُسيمات الهباء الجوي على السُحب. والخطوة الأولى في هذا الصدد تحديد الظروف الأساسية التي تتكون بموجبها أنواع معينة من السُحب، ثم دراسة الاختلافات بين السُحب متشابهة المنشأ في الهواء النقي والهواء الملوَّث. معظم السُحب التي خضعت للدراسة حتى الآن هي التي تتكوَّن فوق المحيط، والملاحظ أن السُحب الرُكامية في مناطق الرياح التجارية وكتل السُحب الرُكامية الطباقية4 تعكس نسبة كبيرة من ضوء الشمس الواصل إلى الأرض. ولكن ينبغي دراسة السُحب فوق مساحات أوسع من المحيط والسُحب المنخفضة فوق القارات أيضًا.

يوجد قصور أيضًا في دراسة تأثيرات جُسيمات الهباء الجوي على تكوُّن بلورات الثلج في السُحب ذات الأطوار المختلطة، وكذلك في سُحب الحمل الحراري بالغلاف الجوي والسُحب السمحاقية. يمكن لجُسيمات الهباء الجوي أن تزيد أو تُقلل من قدرة هذه السُحب على عكس الضوء، تبعًا للظروف الجوية. ويمكن أن تُؤدي زيادة الغبار أو السُخام أو الجُسيمات العضوية الصلبة في الهواء الملوّث بالفعل بها إلى زيادة عدد بلورات الثلج، ومن ثمَّ، إلى زيادة الأثر التبريدي. ولكن يحدث النقيض عندما تكون الهيمنة لأعداد ضخمة من جُسيمات الضباب، مثل الكبريتات. وقد تُساعد عمليات رصد أعداد بلورات الثلج وتركيزاتها في السحب التي تتكوَّن في الهواء النقي والملوَّث حول العالم على التمييز بين هذه التأثيرات.

تحسين النماذج. أظهرت عمليات الرصد ارتباطات بين أحجام جُسيمات الهباء الجوي، وسماكة طبقات جُسيمات الهباء الجوي، وتركيز قطرات الماء في السُحب. فعلى سبيل المثال، ينتُج عن الجُسيمات كبيرة الحجم والطبقات السميكة تركيزات أعلى لقطرات الماء، والتي تعكس كمية أكبر من ضوء الشمس. ولكن لم يعاد إنتاج هذه العلاقات بدقة في النماذج5.

من شأن تحديد أسباب وصف بعض النماذج لعمليات الرصد على نحو أفضل من غيرها، أن يُسرّع من وتيرة التقدم المُحرز. تستخدم النماذج وصفًا مبسطًا للغاية: يُعاد عادةً تمثيل الجُسيمات في النماذج بثلاثة نطاقات للأحجام وبنسب مختلفة من المركبات الكيميائية. عوضًا عن ذلك، ربما ينبغي تحسين المعادلات المستخَدمة في تمثيل العلاقة بين تركيب جُسيمات الهباء الجوي وحجمها وعددها، وتكوين قطرات الماء في السُحب. وأحيانًا ما تكون المعالَجات التي تتناول مساحة السحاب وسماكتها غير وافية كذلك.

وربما ينبغي أيضًا رفع مستوى دقة النماذج ووضوحها لتغطّي جميع العمليات الفيزيائية الدقيقة والفيزيائية العيانية بتفاصيل أكثر. ويمكن تصميم النماذج الإقليمية بمستويات دقة ووضوح أعلى بكثير من النماذج العالمية. والمقارنة بين تلك النماذج وعمليات الرصد سوف تكشف عن عمليات إضافية ينبغي تضمينها، على سبيل المثال، يؤثر اختلاط جُسيمات الهباء الجوي الناتجة عن احتراق الكتلة الحيوية في ارتفاعات عالية بإفريقيا على السُحب قُبالة الساحل6.

ينبغي عقد حزمة من المقارنات بين النماذج وعمليات الرصد لتشمل دراسات للمناطق التي توجد بها انبعاثات بركانية7 وتلك التي لا توجد بها، وللمناطق النقية والملوّثة في ظل ظروف مناخية متشابهة8. ويمكن أيضًا أن تُفيد المقارنات بين حسابات توازن طاقة الأرض على مدار الوقت9، ربما بالتركيز على أحد نصفي الكرة الأرضية أو إحدى المناطق، وغيرها من عمليات الرصد (مثل الإشعاع الشمسي المنعكس، والإشعاع السطحي، وخواص جُسيمات الهباء الجوي).

من شأن إجراء جميع هذه الاختبارات وتوسيع نطاق الملاحظة أن يرشدا الباحثين إلى اتجاهات أخرى لتحسين النماذج وعمليات الرصد. وسوف تكون ورشة العمل التي يعقدها اتحادا "إيروكوم" AeroCom و"إيروسات" AeroSAT في إسبانيا خلال شهر سبتمبر فرصةً سانحة لطرح الأولويات الرامية إلى تضييق نطاق الغموض المحيط بجُسيمات الهباء الجوي في النماذج المناخية.

References

  1. Boucher, O. et al. in Climate Change 2013: The Physical Science Basis. Contribution of Working Group I to the Fifth Assessment Report of the Intergovernmental Panel on Climate Change(Stocker, T. F. et al., eds). 571–657 (Cambridge Univ. Press, 2013). 
  2. Regayre, L. A. et al. Atmos. Chem. Phys. 18,9975–10006 (2018). | article
  3. Kupc, A., Williamson, C., Wagner, N. L., Richardson,M. & Brock, C. A. Atmos. Meas. Tech. 11, 369–383(2018). | article
  4. Rosenfeld, D. et al. Science 363, eaav0566 (2019). | article
  5. Quaas, J. et al. Atmos. Chem. Phys. 9, 8697–8717(2009). | article
  6. Lu., Z. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 115,2924–2929 (2018). | article
  7. Malavelle, F. F. et al. Nature 546, 485–491 (2017). | article
  8. Penner, J. E., Zhou, C. & Xu, L. Geophys. Res. Lett.39, L13810 (2012). | article
  9. Murphy, D. et al. J. Geophys. Res. 114, D17107(2009). | article

جويس إي. بينر تشغل كرسي رالف جيه. سيسروني كأستاذة لعلوم الغلاف الجوي بقسم المناخ وعلوم وهندسة الفضاء، بجامعة ميشيجان، في مدينة آن آربور، في ولاية ميشيجان، بالولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني:  penner@umich.edu