موجزات مهنية

نحو مزيدٍ من إتاحة البيانات

مع تزايد مُعدلات إتاحة العلوم، يجني الباحثون الذين يتشاركون البيانات ثمار ذلك.

جابرييل بوبكين
  • Published online:
قد تكون مشاركة البيانات عملية مُعقَّدة يصعُب على العلماء الانخراط فيها، ولكن المكاسب التي تعود من ورائها غالبًا ما تُعزِّز مسيرتهم المهنية.

قد تكون مشاركة البيانات عملية مُعقَّدة يصعُب على العلماء الانخراط فيها، ولكن المكاسب التي تعود من ورائها غالبًا ما تُعزِّز مسيرتهم المهنية.

Hero Images/Getty

نما إلى علم توماس كراوذر، اختصاصي علم البيئة، أن العلماء قد جمعوا بالفعل قدرًا كبيرًا من البيانات الميدانية بخصوص الغابات في جميع أنحاء العالم. ولكن كل هذه البيانات تقريبًا كانت حبيسة دفاتر الباحثين أو حواسيبهم الشخصية، مما جعلها غير متاحة للأوساط العلمية الأوسع نطاقًا. وفي عام 2012، بدأ كراوذر -الذي كان حينها باحثًا في مرحلة ما بعد الدكتوراه في جامعة ييل بنيو هيفن بولاية كونيتيكت- في إرسال رسائل إلكترونية إلى باحثين ليس بينه وبينهم سابق معرفة والاتصال بهم لطلب ما بحوزتهم من بيانات. وبذلك بدأ تجميع المخزون الذي تستضيفه في الوقت الحاضر «المبادرة العالمية للتنوع البيولوجي للغابات»، وهي مشروع تعاون بحثي عالمي يحتوي على بيانات عن أكثر من مليون موقع. وقد خُزنت البيانات في ملفات بصيغة CSV (وهي ملفات نص عادي تحتوي على قائمة بيانات) على خوادم في مختبر كراوذر الحاليّ في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، وكذلك على خوادم أحد المتعاونين معه في جامعة بيردو في وست لافاييت بولاية إنديانا، ويأمل كراوذر في أن يعهد بمهمة تخزين قاعدة البيانات إلى جهة خارجية تتمتّع بالخبرة الفنية اللازمة في مجال الأرشفة وتيسير الوصول.

وبعد سنوات من محاولات الاجتذاب والاستمالة، نجح كراوذر في إقناع قرابة نصف أصحاب البيانات بإتاحة بياناتهم للجمهور. أما النصف الآخر فيقولون إنهم يُؤيّدون فكرة إتاحة البيانات من ناحية المبدأ، ولكن لديهم أسباب محدَّدة للاحتفاظ بمجموعات بياناتهم لأنفسهم. ويوضح كراوذر قائلًا إن السبب الرئيسي أنهم يريدون استخدامها في إجراء دراساتهم الخاصة ونشرها.

تعكس التحديات التي تواجهها قاعدة بيانات كراوذر الحالة الراهنة للعلوم: وهي حالة إتاحة جزئية، وانغلاق جزئي، وتنطوي على حالة من عدم الوضوح وعدم الاتّساق فيما يتعلق بالسياسات والتوقعات بشأن مشاركة البيانات، والتي لا تزال في حالة تغيّر مستمرّ. وقد دعتْ هيئات رفيعة المستوى، مثل الأكاديميات الوطنية الأمريكية للعلوم والهندسة والطب، والمفوضية الأوروبية، إلى مزيد من الإتاحة للعلوم، وصادقت على مجموعة من معايير إدارة البيانات تُعرف باسم «فير» FAIR (وهذه المعايير هي سهولة العثور على البيانات، وإمكانية الوصول إليها، وقابلية التشغيل المتبادل، وقابلية إعادة الاستخدام). وتطلب هيئات التمويل الحكومي في الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا من الباحثين، وضع خطط لإدارة البيانات ومشاركتها كذلك في بعض الحالات، ويطلب ذلك أيضًا بعض جهات التمويل الخاصة. وقد اعتمدت دوريات كثيرة، ومنها دورية Nature سياساتٍ تُشجِّع المؤلفين على إتاحة البيانات، أو تشترط عليهم ذلك. ويستضيف عددٌ كبيرٌ من مستودعات الوصول المفتوح للمعلومات مجموعات من البيانات في جميع المجالات تقريبًا، ويتعرَّض العلماء للانتقاد علنًا من جانب زملائهم لعدم مشاركتهم ما لديهم من بيانات.

يتّجه العلم نحو مزيدٍ من الإتاحة، ولا يقتصر هذا على البيانات فحسب، بل يمتد أيضًا ليشمل المطبوعات، وأكواد البرامج الحاسوبية، وتدفّق سير العمل. إلا أن الباحثين الذين يتحسّسون طريقهم في مجال إتاحة العلوم يواجهون مجموعة كبيرة من المشكلات الشائكة. فيخشى عديد من العلماء -خاصةً الباحثين الذين يستهلّون حياتهم المهنية والذين يعكفون على بناء سجلٍ جيّد من الأبحاث المنشورة بأسمائهم- من أن يؤدي تعجُّلهم في مشاركة بياناتهم إلى تحقيق منافس ما سبقًا علميًا من تلك البيانات على حسابهم. وعليهم أيضًا أن يقرروا ما إذا كانوا سيقضون وقتًا ثمينًا في إعداد مجموعات البيانات ومشاركتها أم لا. بل إن بعضهم لا يستحسن ممارسات إتاحة العلوم: فقد وصفت مقالة افتتاحية1 عام 2016 في دورية "نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسن" New England Journal of Medicine العلماء الذين يستخدمون البيانات التي يجمعها غيرهم بأنهم "طفيليات بحثية"، ودعت إلى التبادل "التكافلي وليس الطفيلي" للبيانات.

يجد أولئك الذين يرغبون في إتاحة بياناتهم بصورة أكبر أنفسَهم أمام مجموعة مُحيِّرة من الخيارات تتعلق بمكان مشاركتها وكيفيته. كما أنهم قد لا يملكون الخبرة الفنية اللازمة فيما يتّصل بإعداد البيانات وما يُعرف بالبيانات الوصفية (وهي المعلومات التي تصف مجموعة من البيانات). وقد تُساعد هذه الخبرة على ضمان أن تكون البيانات التي يُخطّطون لمشاركتها مفيدة لغيرهم.

ومع ذلك، يمكن لإتاحة البيانات أن تُحقق مكاسب: فمن الممكن أن تفتح آفاقًا جديدة للتعاون، وتزيد الثقة في النتائج، وتغرس المودَّة بين الباحثين. فقد تمكّن دانييل بيوتو -المتخصص في علم بيئة الغابات بالجامعة الاتحادية بجنوب باهيا في إيليوس بالبرازيل- من التوصل إلى رؤى جديدة بخصوص الغابات، ليس في البرازيل وحدها ولكن في جميع أنحاء العالم، بفضل انضمامه إلى قاعدة بيانات كراوذر. وأصبح الاستشهاد بمجموعات البيانات أكثر سهولة، إذ غالبًا ما تكون مصحوبة بمُحدِّد هوية رقمي للأشياء(DOI)  يجعلها قابلة للاكتشاف على نحو مستقل. هذه القابلية للاستشهاد بالبيانات تُعطي الباحثين إمكانية الحصول على التقدير الذي يستحقونه بفضل مجموعات بياناتهم، كما يصبح بمقدورهم إدراج قوائم بها في الطلبات التي يتقدَّمون بها للحصول على وظيفة أو منصب أو ترقية. وهناك أيضًا نوع أكثر تجريدًا من الإشباع يحصلون عليه هو الإسهام في المشروع العلمي وردِّ الجميل في صورة شيء ذي قيمة لدافعي الضرائب الذين يدعمون الأبحاث الأساسية.

خطوة نحو الانفتاح

قبل العصر الرقمي كانت مشاركة البيانات تقتضي عادةً إرسالها إلى الباحثين عند الطلب. أما الآن، فيمكن مشاركتها على الفور مع أي شخص متّصل بشبكة الإنترنت. وإضافة إلى ذلك، فقد حملت إلينا التطورات التي تحققت في تكنولوجيا القياس في عديد من المجالات بشارة "البيانات الضخمة" التي قد تُشكِّل أساسًا لمئات الدراسات أو الآلاف منها.

وتُعد «المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية» («سيرن) CERN -المختبر الأوروبي لفيزياء الجسيمات الكائن قرب جنيف في سويسرا، والذي كان مهد الشبكة العنكبوتية العالمية في عام 1989- رائدة منذ فترة طويلة في مجال إتاحة البيانات. فمستودع زينودو التابع للمنظمة -الذي يستضيف مجموعات من البيانات وأكواد البرامج الحاسوبية وغيرها من الموارد، ويُرفقها مع المحددات الهوية الرقمية للأشياء (DOIs)- سوف يُشكِّل جزءًا من «السحابة الأوروبية لإتاحة العلوم» European Open Science Cloud، وهي البنية التحتية الافتراضية الأوروبية القادمة لإدارة البيانات العلمية. تقول سابينا ليونيلي -فيلسوفة تدرس إتاحة العلوم في جامعة إكستر بالمملكة المتحدة- إن المشروع -الذي سيجمع بين المستودعات الوطنية والمؤسسية القائمة- قد يكون الأكثر طموحًا من نوعه، على الرغم من أنه لم يتحدد بعد كيف سيتفاعل العلماء معه بالضبط.

وفي الولايات المتحدة، كان المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية رائدًا في المجال؛ فقد أطلق مستودعًا جينوميًا مفتوحًا يُسمى «جين بنك» GenBank في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، وهو الآن يُوفِّر نحو 30 تيرابايت من البيانات كل يوم للباحثين في جميع أنحاء العالم. وفي عام 1994، وضعت وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» سياسة رسمية لإتاحة بياناتها، وحذّت وكالات فضائية أخرى حذوها. ونتيجة لذلك أصبحت البيانات المستمدة من بعض الأقمار الفضائية المخصصة لرصد كوكب الأرض والممولة من القطاع العام مجانية ومتاحة. وفي علم الفلك -إذ يُقدّم عددٌ قليلٌ من التلسكوبات الكبيرة والمُكلفة كمًّا من البيانات يفوق بكثير قدرات باحثٍ واحدٍ على التحليل- إتاحة البيانات هي التوجّه السائد أيضًا. كما أن بيانات الطقس الخاصة بعديد من الحكومات متاحة كذلك.

ولكن ليست كل المجالات متماثلة فيما يتعلق بمشاركة البيانات. يقول جاك جالانت -عالم الأعصاب بجامعة كاليفورنيا في بيركلي- إن تجارب علم الأعصاب والطب الحيوي، على سبيل المثال، غالبًا ما لا يتمخض عنها سوى كميات محدودة من البيانات. قد يستثمر الباحثون قدرًا كبيرًا من وقتهم في استخراج مجموعة بيانات فريدة من نوعها، مثل عمليات المسح السبع لتصوير الدماغ بالرنين المغناطيسي الوظيفي التي شكَّلت أساسًا للبحث2 الذي نشرته مجموعته البحثية عام 2016  في دورية Nature. يقول جالانت إنه من المقبول، في مثل هذه الحالات، الحصول على عائد من الاستثمار في صورة منشورات عديدة قبل إتاحة البيانات للآخرين؛ فالتنافس على تحقيق السبق يحدث بالفعل. ففي عام 2015، خسر أحد طلاب جالانت في قسم الدراسات العليا المكاسب المحتملة من جهود استمرت نحو عام ونصف العام عندما نشرت مجموعة بحثية منافسة دراسة باستخدام مجموعة من البيانات كان فريق جالانت قد أتاحاها للجمهور. يقول جالانت: "شعر هذا الشخص بالإحباط الشديد. وقد جعلني هذا أكثر وعيًا بالمخاطر التي تُهدد طلاب الدراسات العليا".

وفُوجئ جالانت -الذي يعدّ نفسه رائدًا في مجال إتاحة البيانات- بأنه أحد أولئك الذين طالتهم سهام النقد في يوليو من أجل عدم مشاركته البيانات. فبعد أن عبَّر عن رأيه على موقع «تويتر» بشأن عيوب استخدام لغة برمجة حاسوبية غير مفتوحة المصدر، غرّد أحد الباحثين سائلًا عن سبب عدم مشاركته بيانات بحثه المنشور في دورية Nature. ورد جالانت بأن فريقه كان في طور إعداد مزيد من الأبحاث استنادًا إلى البيانات نفسها، ووعد بأنه سينشر البيانات "في القريب العاجل"، وهو الوعد الذي أوفى به بعد ذلك. لكن ذلك لم يُرضِ منتقديه. فقد غرَّد عالم آخر قائلًا: "قولك "إننا لا نزال نريد الاحتفاظ بالحقٍ الحصري من أجل نشر مزيد من الأبحاث "ليس عذرًا مقبولًا". وأضاف: "هل لاحظت القيود المفروضة على البيانات في المخطوطة؟"، وهو شرط أساسي لتقديم مخطوطة للنشر في دورية Nature (انظر go.nature.com/2fd7mnz).

ولا تعود مشاركة البيانات بالنفع على متلقّيها فحسب، ولكن يتسع نطاق الفائدة ليشمل المشاركين أيضًا. فقد كشفت دراسة أُجريت عام 2018 بخصوص هذه الممارسات في علم الأعصاب أن المشاركين الذين استخدموا بياناتٍ أتاحها لهم آخرون، توافرت لديهم عيّنات أكبر حجمًا في دراساتهم -بفضل إتاحة هذه البيانات- مقارنةً بالعلماء الذين لم يشاركوا البيانات3. والأبحاث التي استندت إلى بيانات جرت إتاحتها ومشاركتها نُشرت في دوريات ذات مُعامل تأثير مكافئ لتلك التي نشرت فيها الأبحاث التي استندت إلى بيانات لم تجرِ إتاحتها ومشاركتها.

قدَّم كراوذر لكل من يشاركون قدرًا مُحدَّدًا من البيانات على الأقل -استنادًا إلى مبادرته الخاصة بالغابات-الفرصة لأن يُصبحوا باحثين مشاركين في دراسة يقودها هو وزميله. وقد استخدم البحث الذي نُشر في دورية «ساينس» Science عام 2016 أكثر من770  ألف نقطة بيانات من 44 دولةً لإثبات أن الغابات التي تزخر بأنواع أكثر من الأشجار تكون أكثر إنتاجية4.

تشكَّلت لدى دانييل بيوتو رؤى جديدة بخصوص الغابات في جميع أنحاء العالم من خلال مشاركة البيانات.

تشكَّلت لدى دانييل بيوتو رؤى جديدة بخصوص الغابات في جميع أنحاء العالم من خلال مشاركة البيانات.

بالنسبة إلى بيوتو -الذي التقى كراوذر عندما كانا معًا في جامعة ييل- كانت ثمرة مشاركة بيانات الغابات هي الحصول على قدر أكبر من الإشادة بمجموعته البحثية. يقول بيوتو: "أنت لا تحظى بتغطية صحفية جيدة بحقٍ استنادًا إلى دراسة محلية". فعندما يُدرَج اسمه بوصفه مشاركًا في أبحاث تنشر في دوريات عالية التأثير مثل دورية Nature أو دورية «ساينس»، يحظى هو وزملاؤه بعدد كبير من الاستفسارات الصحفية. يقول بيوتو: "حينها لا نحظى فقط بمزيد من الاستشهادات، وإنما كذلك بمقابلات مع المحطات التليفزيونية والمجلات، وتعرف الجهات المانحة ما نقوم به هنا". ويضيف: "إنه تأثير عالمي. هذا شيءٌ رائعٌ حقًا".

أما الذين قرَّروا عدم مشاركة بياناتهم فقد فاتتهم فرصة المشاركة في النشر في دورية رفيعة المستوى، والمساهمة في مشروع أوسع نطاقًا من الجهود المنفردة التي يبذلها أي باحث عادة، على حد قول بيوتو وكراوذر. ولكنهما لا يزالان يواجهان صعوبة في إقناع بعض الزملاء بالفكرة. يقول كراوذر: "لسان حالهم يقول: "لقد قضيت حياتي في جمع تلك البيانات، فلماذا أشاركها معكم؟"" ويُعلِّق قائلًا إنه يتفهم مخاوفهم.

نوايا حسنة ونتائج متباينة

تقول كارول تينوبير -اختصاصية علم المعلومات بجامعة تينيسي في نوكسفيل- إن دعم إتاحة العلوم يتزايد بين الباحثين وعبر أفرع المعرفة المختلفة. ففي العقد الماضي، قادت تينوبير ثلاث دراسات استقصائية استطلعت رأي أكثر من 2000 عالم في جميع أنحاء العالم سُئلوا عن ممارساتهم فيما يتعلق بمشاركة البيانات كجزء من «شبكة رصد البيانات» Data Observation Network الخاصة بـ«مشروع الأرض» Earth Project، الذي تموّله «المؤسسة الوطنية للعلوم» في الولايات المتحدة الأمريكية. وتقول تينوبير إن الباحثين أصبحوا الآن أكثر وعيًا بالممارسات الجيدة فيما يتعلق بالبيانات مقارنةً بما كان عليه الوضع عندما بدأت في إجراء هذه الدراسات الاستقصائية.

هذا وقد عمِلت مجالات معينة على تعزيز ثقافة الإتاحة. فقد وجدت تينوبير أن ما يصل إلى 96٪ من علماء البيئة وخبراء الإيكولوجيا يقولون إنهم "مستعدون" لمشاركة البيانات. وعلى النقيض من ذلك، يتشارك علماء النفس والباحثون التربويون بياناتهم الخاصة بوتيرة أقل، على الرغم من أن أكثر من نصفهم يقولون إنهم على استعداد لإتاحة جزء على الأقل من بياناتهم. ولكن أقل من نصف العلماء الذين شملتهم الاستقصاءات هم الذين يُودعون بالفعل بياناتهم في مستودعات الوصول المفتوح. تقول تينوبير: "ثمة تباين بين القول والفعل. فأنت تشعر بالرضا إزاء [مشاركة البيانات[ ولكنك لا تفعل ذلك في الواقع".

وترى تينوبير أن إحدى العقبات الكبرى هي القلق بشأن مشروعية مشاركة البيانات، لا سيّما عندما يكون الناس هم من يُمثِّلون العينات البحثية. وتضيف ليونيلي أنه ينبغي للباحثين النظر في المشكلات الأخلاقية قبل إتاحة البيانات عن القرى الريفية، أو العوامل البيئية المحلية في البلدان منخفضة الدخل، على سبيل المثال، والتي يمكن أن تُؤثر سلبًا في خصوصية السكان أو مصالحهم.

ولكن ثمة طرق آمنة وقانونية لمشاركة البيانات التي يجري جمعها من الناس. فبالنسبة إلى كثير من دراسات علم النفس -مثل تلك التي تتضمن أشخاًصًا يجيبون استبيانات- يمكن حجب إمكانية التعرف على أصحاب البيانات بسهولة، على حد قول سيمين فازير -اختصاصية علم النفس بجامعة كاليفورنيا في ديفيس- فلا يحتاج الباحثون إلا إلى حذف أسماء المشاركين وعناوين بريدهم الإلكتروني وأي معلومات شخصية أخرى، ثم يقتصر ما يُشاركونه من بيانات على إجابات الاستبيانات فحسب.

وبالنسبة للبيانات التي يمكن استخدامها للتعرف حتى على هوية المشاركين مجهولي الهوية في الاستبيانات، ثمة أساليب تُستخدم في تشويش مجموعات البيانات، وتضمن في الوقت ذاته استمرارية إتاحة المعلومات المفيدة. وثمة خيار آخر هو استخدام مستودع آمن يُقصِر إمكانية الوصول على طالبي البيانات المؤهلين.

تقول تينوبير إن العلماء الذين يتعاملون مع بيانات تُجمَع من الناس أو العينات السريرية ينبغي أن يُبلغوا صراحةً لجان الأخلاقيات في مؤسساتهم بأنهم يُخططون لإتاحة بياناتهم. وتضيف قائلة إنها لم تفعل ذلك في مشروع سابق، ومن ثمّ لم تتمكن من مشاركة البيانات. ودون وجود حماية أرشيفية مُخصَّصة، انتهي بها الحال إلى فقد البيانات.

ولكي تتجنّب تينوبير حدوث ذلك مرة أخرى، فإنها تُدرِج خططها الرامية إلى مشاركة البيانات في مقترحات لتجارب وتحفظ البيانات في مستودع «درَياد» Dryad، وهو مستودع رقمي غير هادف للربح تتولى إدارته مؤسسات علمية وناشرون.

إتاحة العلوم استنادًا إلى التصميم

تقول أليكسا ماكراي -الباحثة في تمثيل المعرفة بكلية الطب بجامعة هارفارد في بوسطن بولاية ماساتشوستس- إن عدم كفاية الموارد والتدريب يُعوِّقان أيضًا مشاركة البيانات. وتضيف: "لا نزال نفتقر إلى الأدوات الجيدة. والأشخاص الذين يرغبون في المشاركة يصعب عليهم ذلك في بعض الأحيان". فعلى سبيل المثال، عندما يُسجِّل العلماء البيانات في دفاتر ورقية أو جداول إلكترونية، يتعين عليهم بعدئذٍ أن يختاروا أحد خيارين، إما بذل مزيد من الوقت والجهد لتجهيز البيانات ومشاركتها في نهاية المشروع وإما بدء مشروع جديد.

تقول ماكراي إن الحل هو انتهاج "إتاحة العلوم استنادًا إلى التصميم"؛ وهو موضوع تقرير عام 2018 الصادر عن الأكاديميات الوطنية للعلوم والهندسة والطب، التي ترأّست ماكراي لجنتها. فعلى سبيل المثال، يحتفظ عديد من الباحثين حاليًا بالبيانات وأكواد البرامج الحاسوبية وغيرها من المواد في أدوات تفاعلية تعتمد على شبكة الإنترنت، مثل الدفتر الإلكتروني الشهير «جوبيتر» Jupyter، الذي يجعل الأرشفة على الإنترنت أسهل بكثير. بل إن بعض الممارسين المتحمسين لإتاحة العلوم يتبادلون البيانات في الوقت ذاته الذي تُجمَع فيه.

ويُعد اختيار قاعدة بيانات مناسبة أمرًا مهمًا، فقد تزداد احتمالات بحث الزملاء في مستودعات خاصة بتخصصات معينة، وبعض المستودعات توفّر هيكلًا متطورًا للبيانات، في حين يكتفي بعضهم الآخر بتخصيص أماكن لجداول البيانات، أو محاضر المقابلات، أو غير ذلك من الوثائق. وتُوصي ماكراي بأن يتحدَّث الباحثون مع مسؤولي برنامج المنح عن اختيار مستودع يمتثل للوائح التنظيمية للجهات المُموِّلة. وعديد من الجهات المُموِّلة، ومنها المؤسسة الوطنية للعلوم، جعلت المنح التي تُقدِّمها شاملةً لنفقات إعداد البيانات ورسوم المستودعات.

وينبغي أن يتعلَّم العلماء أيضًا كيفية إعداد البيانات لكي تكون أكثر نفعًا للآخرين، وذلك، مثلًا، عن طريق إدراج البيانات الوصفية التي تُوضّح ما تشتمل عليه مجموعات البيانات. تُشير ليونيلي إلى أن هذه المهارة لا يُلتَفت إليها عادةً في برامج تدريب الخريجين، وتوضّح قائلة: "لا يحصل أغلب الباحثين على أي تدريب على الإطلاق في مجال إتاحة البيانات وكيفية إعدادها".

وبالنسبة للباحثين الذين يرغبون في معرفة المزيد، يقدّم مشروعا «أوبن آير» OpenAIRE و"فوستر بلاس" FOSTER Plus -اللذان يُموِّلهما الاتحاد الأوروبي- موارد تدريبية على شبكة الإنترنت. ويعمل مشروع الاتحاد الأوروبي الذي يحمل اسم «أوريون» ORION -والذي يُنسّقه مركز تنظيم الجينوم في برشلونة بإسبانيا- على تصميم مجموعة من مواد التدريب على إتاحة العلوم. ويُقدِّم عديدٌ من المكتبات الجامعية تدريبًا للإشراف على البيانات، وتُوصي ماكراي الباحثين الراغبين في تعلّم مزيد عن ممارسات إتاحة البيانات بأن يبدأوا من هناك.

التقدير ضرورة أساسية

يقول أنصار إتاحة العلوم إنه لكي تتمكّن حركة إتاحة البيانات من إحراز تقدم، ينبغي للمؤسسات تقدير إنتاج البيانات والمكافأة عليه بأخذ الأمر بعين الاعتبار عند تعيين الباحثين، أو التعاقد معهم على شغل منصب، أو عند ترقيتهم. وتقول لويزا بنجتسون، عالمة الكيمياء الحيوية التي تعمل بقطاع الاتصالات في مركز ماكس ديلبروك للطب الجزيئي في برلين: "طالما ظلَّ النظام الأكاديمي مُؤسسًا على النحو القائم حاليًا، فسيكون من الصعب للغاية مشاركة البيانات". وتُضيف: "في الوقت الحاليّ، تأتي المنافسة قبل أي شيء، أما مشاركة البيانات فجوهرها التعاون".

لقد بدأت هياكل الحوافز التي تُعزِّز مشاركة البيانات في الظهور. وتساعد منصة «ألتمتريك» Altmetric - وهي منصة على شبكة الإنترنت تتعقَّب البيانات المتعلقة بدرجة تأثير الأبحاث- على تزويد الباحثين بالتدابير الكمية التي يمكن أن تُقلِّل من آثار عوامل تأثير الدوريات في عمليات تقييم إنتاجية الباحثين. (تدخل منصة «ألتمتريك» ضمن محفظة شركة «ديجيتال ساينس» Digital Science، وهي جزء من مجموعة «هولتسبرينك» Holtzbrinck للنشر، التي تملك أغلبية أسهم شركة «سبرينجر نيتشر» التي تُصدر دورية Nature).

وتلعب الدوريات وجهات التمويل دورًا هي الأخرى. فوفقًا لتصريحات أحد المتحدثين الرسميين، بدأت دورية Nature العام الماضي تقديم إفادات بشأن إتاحة البيانات في القسم الخاص بأبحاثها المنشورة على شبكة الإنترنت الذي يُتاح الوصول إليه دون دفع اشتراك، واعتبارًا من العام الحاليّ، تشترط الدورية على مؤلفي الأبحاث المتعلقة بالأرض والفضاء والعلوم البيئية، أن يُتيحوا البيانات الداعمة لغيرهم من خلال مستودعات مفتوحة للمجتمع العلمي. وقد وضعت دوريات أخرى سياسات مماثلة.

صمَّم «مركز إتاحة العلوم» -وهو منظمة غير ربحية مقرّها مدينة تشارلوتسفيل بولاية فيرجينيا- مجموعة من شارات الويب التي يمكن للباحثين أن يضعوها على أبحاثهم ومجموعات البيانات الخاصة بهم لتوضيح أن بياناتهم متاحة. وقد بدأت دورية «سايكولوجيكال ساينس» Psychological Science استخدام هذه الشارات عام 2014، ومنذ ذلك الحين، زادت مشاركة البيانات المُستقاة من أبحاثها بمقدار عشرة أضعاف5. وتعرض أكثر من 50 دورية مثل هذه الشارات في الوقت الراهن.

وفي نهاية المطاف، قد تنتقل مسؤوليات مشاركة البيانات من الأفراد إلى مؤسساتهم. فمع استمرار تزايد حجم مجموعات البيانات ومستوى تعقيدها، سوف تصبح الجامعات والمؤسسات البحثية بحاجة إلى تحمُّل المسؤولية عن إعداد مجموعات البيانات تلك ومشاركتها، على حد قول بَارَند مُؤنس، الاختصاصي في علم البيولوجيا الجزيئية بالمركز الطبي التابع لجامعة ليدن في هولندا، والذي يقدّم المشورة إلى الاتحاد الأوروبي بشأن إتاحة العلوم.

يقول مُؤنس: "الخطأ الأكبر الذي سيرتكبه الناس على الأرجح هو محاولة تدريب كل باحث شاب ليصبح مشرفًا على البيانات رغم افتقاره إلى الخبرة الكافية". وهو يقترح عوضًا عن ذلك، أن تُعيِّن الجامعات اختصاصيًا واحدًا يتولّى إعداد البيانات ومشاركتها لكل 20 باحثًا. ونظرًا إلى التزايد الحتمي لأهمية البيانات الضخمة، ستظهر الحاجة إلى علماء يمتلكون المهارات الضرورية للتعامل مع البيانات. يستخدم كراوذر -على سبيل المثال- مدير بيانات بنظام الدوام الكامل، رغم أنه يقرّ بأن تكاليف هذه الرفاهية لا يقدر على تحمُّلها جميع الباحثين.

وبالنسبة للعلماء المبتدئين الذين يُؤثِرون إنتاج البيانات على إدارتها، يُسدي مؤنس إليهم هذه النصيحة: "ينبغي لك التوَّجه إلى جامعة تتعامل مع عملية الإشراف على البيانات بجدية".

References

  1. Longo, D. L. & Drazen, J. M. N. Engl. J. Med. 374, 276–277 (2016). | article
  2. Huth, A. G. et al. Nature 532, 453–458 (2016). | article
  3. Milham, M. P. et al. Nature Commun. 9, 2818 (2018). | article
  4. Liang, J. et al. Science 354, aaf8957 (2016). | article
  5. Kidwell, M. C. et al. PLoS Biol. 14, e1002456 (2016). | article

جابرييل بوبكين، كاتب حرّ يعيش في مدينة ماونت رينير بولاية ميريلاند.