كتب وفنون

موسيقى الأفلاك والخلايا

يرسم إيلي دولجين صورةً للتعاون المدهش بين العلماء والملحنين في باريس.

إيلي دولجين

  • Published online:
موسيقيون يؤدّون مقطوعة مستوحاة من أبحاث جوديث مينيه-هاتاب.

موسيقيون يؤدّون مقطوعة مستوحاة من أبحاث جوديث مينيه-هاتاب.

Garance Alberman

في شهر يوليو عام 2015، كانت اختصاصية الفيزياء الحيوية جوديث مينيه-هاتاب تستخدم ميكروسكوبها فائق الدقة لاختبار طريقة وسم فلورية جديدة للمرة الأولى. كانت النغمات الهادرة لمقطوعة «كونشرتو البيانو في سلم لا الصغير» Piano Concerto in A Minor التي ألَّفها إدفارد جريج عام 1868 تصدح في الخلفية عبر سمّاعات حاسبها المحمول. ومن خلال عدسة المجهر، ابتهجت جوديث لرؤية بروتينات إصلاح الحمض النووي وهي تتراقص في أرجاء خلية الخميرة، في تناغم شبه مثالي مع نغمات البيانو المتتابعة لكادنزا الحركة الأولى.

كانت جوديث -التي تعمل في معهد كوري بباريس- قد درست البيانو والتلحين قبل التحول إلى ميدان العلم؛ لكنها لم تدرك من قبل كيف يمكن أن تتناغم الموسيقى والحياة الميكروسكوبية معًا. وقد قرَّرت أن "تعيد إنتاج تلك اللحظة السحرية" أمام آخرين.

وفي شهر مارس عام 2019، في قاعة سال كورتو الموسيقية في باريس، تحوَّل هذا الطموح إلى واقع. فقد أدَّى ثمانية عازفين من الأوركسترا الفيلهارمونية لإذاعة راديو فرنسا والأوركسترا الوطنية الفرنسية مقطوعةً أصلية مدتها 10 دقائق قائمة على أبحاث جوديث من تلحين الملحن الفرنسي إيمانويل هيو، إضافة إلى خمس مقطوعات مستوحاة من اكتشافات علماء آخرين، كلها جرى التوصّل إليها على نحو جماعي من خلال زيارات المختبرات ورسائل البريد الإلكتروني ومحادثات الفيديو.

وفي الحادي والعشرين من يونيو من العام نفسه، عُرِضَ فيلم وثائقي قصير عن الحفل -يُعد ذروة مشروع يُسمى «ميوز-يك» Muse-IC- للمرة الأولى كجزء من احتفالات يوم الموسيقى العالمي في باريس. وقدّم الفيلم الذي تبلغ مدته 23 دقيقة أجزاءً من العرض، تتخللها لقاءات مع العلماء والملحنين.

ونالت المقطوعات ثناء موسيقيين أمثال يانيف سيجال -القائم بأعمال المايسترو المساعد لأوركسترا ديترويت السيمفوني في ميشيجن- وجنيفر سوارتز -عازفة الهارب الرئيسية بأوركسترا مونتريال السيمفوني بكندا- وتصف جنيفر سوارتز المقطوعات بأنها "أخَّاذة للغاية من الناحية الموسيقية"، موضحة كيف أن "الصورة التلحينية والأشكال والحركات والألوان" مُسَخَّرة لرواية قصص علمية.

بدأ مشروع «ميوز-يك» Muse-IC في منتصف عام 2016، بعد أن تمكَّنت جوديث مينيه-هاتاب من الحصول على منحة تزيد على 60 ألف يورو (67 ألف دولار أمريكي) من جامعة العلوم والآداب في باريس ومعهد كوري، لتمويل إنتاج مقطوعات موسيقية مستوحاة من أوجه التقدم العلمي. وجَّهت جوديث الدعوة للعلماء الموجودين ضمن شبكة معارفها وطلبت ملخصات لأحدث أبحاثهم، مع بعض الصور ومقاطع الفيديو.

استجاب العشرات لطلبها. وبعد ذلك انتقت 17 من الباحثين تراوحت مشروعاتهم بين الفيزياء الأساسية وعلم الكونيات إلى بيولوجيا الخلية الأساسية وأبحاث السرطان التطبيقية والجراحة العصبية. وفي الوقت ذاته، تقدَّم نحو 200 ملحن موسيقي، اختير منهم ستة، وتلقى كل منهم 2,500 يورو إضافة لرحلة إلى باريس لحضور الحفل الموسيقي الختامي.

تناغم غير متوقّع

تلاقت العقول بين أفراد هاتين المجموعتين. فبالنسبة للملحن جيفري جوردون، كان تحديد الباحث الذي سيتعاون معه أمرًا حافلًا بالمفاجآت مثل "صبيحة يوم الكريسماس"، أو مشهد من الخيارات المستحيلة. وقد استقرَّ على دراسة للباحث هيرفي دول -الفيزيائي الفلكي بجامعة باريس الجنوبية في أورسيه- الذي يدرُس التكوُّن المبكر للكون. وكذلك انجذب الملحن الفرنسي جان-ماري جِجيز للدراسة ذاتها. ولكن كما يقول دول، فقد انجذب كل واحد منهما إلى جوانب مختلفة من مادة الدراسة.

تركّز مقطوعة جوردون على الثواني الأولى التي أعقبت الانفجار العظيم، مُستخدمًا سبعة عازفين لاستكشاف اللحظات التي كان الكون البدائي آخذًا في التمدد خلالها بمعدلات متسارعة. وعلى النقيض من ذلك، ركّز جِجيز بالأساس على حدث وقع بعد نحو 380 ألف سنة من ذلك الوقت، حين برد الكون وصار أقل كثافة.

يقول جِجيز إن عملية التلحين كانت صعبة، لأنه "حاول أن يلتزم صدقًا بالموضوع". فقد قرأ كتاب دول الصادر عام 2017 بعنوان «الجانب المظلم للكون» Le côté obscur de l’univers ، وزار مختبره، حيث يجري تجميع معدات الأقمار الصناعية الخاصة بقياس المتغيرات الكونية. وفي النهاية قرر جِجيز استخدام التشيلو وحده "كي يوصل الوحدة والتجانس المبدئيين للكون". فأوتار التشيلو الأربعة، على سبيل المثال، تُمثّل القوى الأربع الأساسية.

وبالانتقال من المستوى الفلكي إلى الميكروسكوبي، ركَّزت المقطوعات الأخرى على الأبحاث الخلوية. وإضافة إلى تأويل هيو لعمل جوديث مينيه-هاتاب، كانت هناك مقطوعتان أخريان مستوحاتان من أبحاث زملائها في وحدة أبحاث الديناميكات النووية بمعهد كوري. فقد حفّزت أبحاث مديرة الوحدة، أنجيلا تادي -التي تستكشف الطور الأقل نشاطًا لدورة الخلية- ألكساندرا دوبوا على إنتاج مقطوعة باسم «السكون» Quiescence. وفي الوقت ذاته، ركَّزت المقطوعة الموسيقية لدينيس راموس على أبحاث اختصاصية الوراثة النمائية ناتالي دوستاتني.

وانبهرت دوستاتني بفضول راموس العلمي وقراءته المتأنية لأبحاثها عن تأسيس النمط في جنين الذبابة المبكر. إلا أن إلهام راموس جاء في المقام الأول من مقاطع فيديو خاصة بـ"موجة الانقسام الفتيلي" التي تتذبذب فيها موجة من الانقسام الخلوي عبر الجنين من الحافة إلى المركز. فبالنسبة لراموس، كان هذا قريب الشبه للغاية من ظاهرة موسيقية، يفسح فيها التشابك المعقد لتتابع الحركات اللحنية الطريق لخطوط غير متزامنة من النسيج متعدد الأصوات، وهو نمط يُسمَع أيضًا في الأعمال الأوركسترالية الأخيرة للملحن المجري-النمساوي جيورجي ليجيتي.

أما ليونيد ميرني -اختصاصي الفيزياء الحيوية بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج- فتعاون مع الملحن والعالم آمير بيتران -طالب الدكتوراه الذي يَدْرُس طي البروتين protein folding في جامعة هارفارد القريبة- للمشاركة في مشروع «ميوز-يك». وقد فُتن ميرني بتفسير بيتران لنموذج «تكوُّن الحلقات» الخاص بتنظيم الحمض النووي: إذ استهدفت النغمات الناهدة التي عزفها قسم الوتريات استحضار عملية ربط العوامل المحفزة على تكوين الحلقات وتحريرها. وأبدى ميرني إعجابه بالمقطوعة قائلًا: "لقد أعجبتني"، وقرّر تنظيم عرض ثانٍ أقرب إلى مقره.

وفي الثاني عشر من أبريل، وكجزء من احتفالات الذكرى السنوية الستين لبرنامج الدراسات العليا في الفيزياء الحيوية بجامعة هارفارد، عزفت مجموعة «كاليثومبيان كونسورت» الموسيقية التي تتخذ من بوسطن مقرًا لها مقطوعةَ بيتران بعنوان «حين يكون الحمض النووي حلقات» When DNA Makes Loops أمام جمهور منتشٍ من أعضاء هيئة التدريس والطلاب والخريجين. كان بيتران قد اعتبر سابقًا أن الموسيقى والعلم يشغلان "جزأين مختلفين من الدماغ". لكنه يقول الآن إن المشروع شحذ قدرته على تكثيف الموضوعات البحثية في مجال الفيزياء الحيوية وصولًا إلى جوهرها، بينما فتح عينيه على إلهام موسيقي جديد.

ويُثني شارحو العلوم على طبيعة المشروع متعددة التخصصات. ويشعر الكاتب والمذيع جاي إنجرام -الذي شارك في تأسيس مؤسسة التوعية العلمية والفنية بيركهيد في كالجاري بكندا- أن العمليات الإبداعية في الموسيقى والعلم متشابهة. إلا أنه يتساءل عما إذا كانت المقطوعات "لها صوت متفرد" يعكس أصلها.

ويرى سيجال أن هذا صحيح حقًا. ويقول إن بعض الملحنين فسّروا الفرضية العلمية الأساسية بصورة حرفية، في حين أوَّلَها بعضهم على نحو مجازيّ أكثر. وذلك النطاق من الخيارات الموسيقية يعكس تنوع الموضوعات البحثية. وتأْمَل جوديث مينيه-هاتاب أن يغذِّي ذلك -مع الوقت- وعي الجمهور بعالم المختبرات المدفوع بالفضول. فذلك العالم مستغلق أمام كثيرين، لكن من خلال مشروع «ميوز-يك»، تتفتح عجائبه الكونية والخلوية على يد مجموعات صغيرة من الموسيقيين.

إيلي دولجين، صحفي علمي يعيش في سومرفيل، ماساتشوستس.

بريد إلكتروني: elie@eliedolgin.com