أنباء وآراء

الحيوانات البحرية مُعرّضة للخطر بفعل الاحترار

تأثير تغيّر المناخ على التنوع البيولوجي مصدرُ قلق مُلِحّ. في دراسة حالية، يدمج الباحثون البيانات التجريبية مع النمذجة الدقيقة لمقارنة قابلية تضرر الأنواع الحيوانية التي تعيش على اليابسة وفي المحيطات بفعل الاحترار.

أنتوني جيه. ريتشاردسون، وديفيد إس. شومان
  • Published online:

يجد علماء البيئة، وأنصار حماية البيئة، وصنّاع السياسات صعوبة في فهم حجم التهديد الذي يمثّله تغيّر المناخ على التنوّع البيولوجي على كوكب الأرض -والمُقدّر بنحو 3 إلى 100 مليون نوع1 – وما يجب فعله حيال ذلك التهديد. إن معرفة ما إذا كانت الأنواع البريّة أو البحريّة أكثر عرضة للتضرر جرَّاء تغيّر المناخ، وكذلك كيفية اختلاف المخاطر تبعًا للموقع على خطوط العرض، سيزوّد عملية توظيف موارد حفظ الأنواع المحدودة بالمعلومات اللازمة، على الصعيدين الوطني والعالمي. دمج الباحث بينسكي وزملاؤه2 بيانات تجريبية محكمة مع نهج دقيق قائم على النماذج لمقارنة قابلية تضرر التنوّع البيولوجي بسبب الاحترار عبر مختلف خطوط العرض، على اليابسة وفي المحيطات.

ثمة أدلّة مُتعارضة بخصوص القابلية النسبية لتضرر حيوانات اليابسة والمحيطات بارتفاع درجات الحرارة؛ إذ يمكن أن تكون الأنواع التي تعيش على اليابسة في خطر أكبر لأنّها أقلّ قدرةً على التكيّف مع الظروف المناخية الجديدة3، ولأنها مُعرّضة أيضًا لدرجات حرارة أعلى ومستويات متطرّفة بالمقارنة مع الأنواع التي تعيش في المحيطات. ومع ذلك، قد تكون الأنواع البحرية أكثر تأثّرًا لأن درجات الحرارة تتحكّم بإحكام في حدودها الجغرافية4، وإمداداتها من المغذّيات5، وتوافر الأكسجين6

وتُعدّ درجات الحرارة المتطرّفة، وليس درجات الحرارة المتوسطة، أحد المحدِّدات المهمة لبقاء الكائنات على قيد الحياة عند الحافّة الدافئة من نطاق درجات الحرارة للنوع البيولوجي7. استنادًا إلى هذا الدليل، احتسب بينسكي وآخرون هامش السلامة الحرارية -والذي يُعرّف بأنه الفارق بين أعلى درجة حرارة يستطيع الحيوان البقاء على قيد الحياة عندها (تحمّله الحراري الأقصى) ودرجة حرارة الجسم القصوى التي سيتعرّض لها بالفعل في ظل الظروف الطبيعية- وذلك لـ387 نوعًا من الحيوانات خارجية الحرارة، التي تعتمد على الحرارة الخارجية للحفاظ على درجة حرارة أجسامها. احتسب مؤلفو الدراسة نسختين من هامش السلامة الحرارية لكل نوع: إحداهما عندما يتعرض الحيوان بالكامل للحرارة، والأخرى عندما يكون في ملجأ حراري. تشمل الملاجئ الحرارية البرية مناخات مُصغّرة، مثل ظل شجرة أو صخرة، بينما تضم الملاجئ الحرارية البحرية المياه الأعمق والأبرد.

وتوصّل بينكسي وآخرون إلى عدم وجود هوامش سلامة حرارية للكائنات البرّية خارجية الحرارة عندما يتعذّر وصول تلك الكائنات إلى الملاجئ الحرارية، في حين توجد مثل تلك الهوامش لنظيراتها التي تعيش في مياه المحيطات. وهذا يرجّح أن الأنواع البرّية قد تكون أكثر عُرضة للخطر بسبب تغيّر المناخ بالمقارنة مع الأنواع التي تعيش في المحيطات. ومع ذلك، فحين تؤخذ الملاجئ الحرارية في الاعتبار، ينقلب الوضع؛ إذ تكون حينها هوامش السلامة الحرارية أكثر اتّساعًا للأنواع التي تعيش على اليابسة مقارنًة بتلك الموجودة في المحيطات (الشكل 1)، وهذا يعني أن الأنواع البحرية قد تكون في الواقع أكثر عرضة للخطر.

الشكل 1 | هوامش السلامة الحرارية لحيوانات اليابسة والمحيطات التي بإمكانها الوصول إلى ملاجيء حرارية. احتسب بينسكي وزملاؤه2هامش السلامة الحرارية -الذي يُعرّف بأنه الفارق بين درجة الحرارة القصوى التي يستطيع النوع تحمّلها ودرجة الحرارة القصوى التي سيتعرّض لها- لـ387 نوعًا من الأنواع الحيوانية خارجية الحرارة، التي تعتمد على الحرارة الخارجية للحفاظ على درجة حرارة أجسامها. وقد أخذ المؤلّفون بعين الاعتبار قدرة الحيوانات على الوصول إلى ملاجئ حرارية، وهي مناطق في موائلهم يتسنّى لهم بها خفض درجة حرارتهم. وتشير النقاط البيانية المنفردة على الرسم إلى أنواع مختلفة من الحيوانات، وتوضّح الخطوط المتصلة الظروف الحالية، أمّا الخطوط المتقطّعة فتشير إلى تقديرات الأوضاع في العام 2100، بموجب سيناريو مسار التركيز التمثيلي 8.5 (RCP 8.5) الخاص بالمسارات المتوقّعة لتركيز غازات الدفيئة. وتشير هوامش السلامة الحرارية الأضيق، بشكل عام، إلى أن الاحترار يُمثّل خطرًا أكبر على الأنواع البحرية من الأنواع التي تعيش على اليابسة. (مقتبس من دراسة بينسكي وزملائه).

الشكل 1 | هوامش السلامة الحرارية لحيوانات اليابسة والمحيطات التي بإمكانها الوصول إلى ملاجيء حرارية. احتسب بينسكي وزملاؤه2هامش السلامة الحرارية -الذي يُعرّف بأنه الفارق بين درجة الحرارة القصوى التي يستطيع النوع تحمّلها ودرجة الحرارة القصوى التي سيتعرّض لها- لـ387 نوعًا من الأنواع الحيوانية خارجية الحرارة، التي تعتمد على الحرارة الخارجية للحفاظ على درجة حرارة أجسامها. وقد أخذ المؤلّفون بعين الاعتبار قدرة الحيوانات على الوصول إلى ملاجئ حرارية، وهي مناطق في موائلهم يتسنّى لهم بها خفض درجة حرارتهم. وتشير النقاط البيانية المنفردة على الرسم إلى أنواع مختلفة من الحيوانات، وتوضّح الخطوط المتصلة الظروف الحالية، أمّا الخطوط المتقطّعة فتشير إلى تقديرات الأوضاع في العام 2100، بموجب سيناريو مسار التركيز التمثيلي 8.5 (RCP 8.5) الخاص بالمسارات المتوقّعة لتركيز غازات الدفيئة. وتشير هوامش السلامة الحرارية الأضيق، بشكل عام، إلى أن الاحترار يُمثّل خطرًا أكبر على الأنواع البحرية من الأنواع التي تعيش على اليابسة. (مقتبس من دراسة بينسكي وزملائه).

كبر الصورة

كما لاحظ مؤلّفو الدراسة أيضًا أنه حين أُخذِت الملاجئ الحرارية في الاعتبار، كانت هوامش السلامة الحرارية للأنواع التي تعيش على اليابسة عند أضيق نطاقاتها في المناطق شبه الاستوائية، واتسعت كلما اتجهنا نحو المناطق الاستوائية والقطبين (الشكل 1)، وهو ما يشير إلى أن الاحترار تهديد أكبر للأنواع التي تعيش في المناطق شبه الاستوائية بالمقارنة مع الأنواع التي تعيش في المناطق الأخرى. ولكن، في ظل هذا الاعتبار نفسه، كانت هوامش السلامة الحرارية للأنواع التي تعيش في المحيطات عند أضيق نطاقاتها في المناطق الاستوائية، واتسعت بالاتّجاه نحو القطبين، وهو ما يشير إلى أن الأنواع الاستوائية مُعرّضة لخطرٍ أكبر بسبب الاحترار. ويتوقع المؤلّفون أنه في ظل التغيّر المناخي المُستقبلي، ستواصل الأنواع البرّية بشكل عام التمتّع بهوامش سلامة حرارية أوسع من الأنواع البحرية، ولكن الأنواع البرّية التي تعيش في المناطق شبه الاستوائية ستكون هوامش سلامتها الحرارية ضيقة مثل نظيراتها البحرية.

لهذه الدراسة عديد من الآثار على التنّوع البيولوجي وحماية البيئة. فأوّلًا، تتنبّأ الدراسة بأن الأنواع البحرية الاستوائية ستكون الأكثر تعرضًا للتضرر من تغيّر المناخ، إذ إن تلك الأنواع تحظى بأضيق هوامش السلامة الحرارية بين سائر مجموعات الأنواع التي خضعت للتحليل. ويتفاقم التهديد الذي يواجه الأنواع البحرية الاستوائية في ظل التوقعات بأن تشهد المحيطات درجات حرارة أكثر ارتفاعًا من درجات حرارتها القصوى التي تشهدها حاليًا، وهو ما قد يتسبب في تحوّل الموئل الحراري لهذه الأنواع على نحو سريع في اتّجاه القطبين8.

ثانيًا، تُبرِز النتائج الدوّر الجوهري الذي تؤدّيه الملاجئ الحرارية في الحفاظ على هوامش سلامة حرارية معقولة لحيوانات اليابسة؛ فقد لاحظ مؤلفو الدراسة أن درجة الحرارة القصوى التي تتحمّلها تلك الحيوانات تتخذ نمطًا ثابتًا بشكل ملحوظ بين خطّي العرض 50° شمالًا و50° جنوبًا. ومن ثمَّ فإن التباين في هوامش السلامة الحرارية تبعًا لخطوط العرض تحدده غالبًا درجة الحرارة التي تتعرّض لها حيوانات اليابسة في الملاجئ الحرارية. لذا، ستكون للبيئات السليمة، التي تتمتع بالأشجار الظليلة والماء المتوافر لعملية التبريد التبخيري، أهمّية حاسمة لبقاء الأنواع البرية في عالم يزداد احترارًا. 

وأخيرًا، فنمط التباين في هوامش السلامة الحرارية تبعًا لخطوط العرض يرجّح أن الأنواع البحرية التي تنتقل شمالًا أو جنوبًا من خط الاستواء هربًا من البيئات الأكثر احترارًا التي لم تعد تطيق حرارتها، ستصادف في المعتاد هوامش سلامة حرارية آخذة في التوسع. وهو ما يمكن أن يقلل من تعرض تلك الأنواع للتضرر بسبب درجات الحرارة المتطرّفة. وعلى النقيض من ذلك، قد تضطّر الأنواع الاستوائية البريّة التي تتحرّك في اتّجاه القطبين، نتيجةً للمناخ الآخذ في الاحترار، إلى مواجهة هوامش سلامة حرارية ضيّقة في المناطق شبه الاستوائية (وهو أمر ناجم عن درجات الحرارة المرتفعة بمستويات متطرّفة في تلك المناطق) قبل أن تتسّع هوامش السلامة مجددًا عند خطوط العرض الأعلى. ومن المحتمل أن يُعرِّض ذلك الأنواع الاستوائية التي تعيش على اليابسة لخطر كبير.

على الرغم من التحليل الدقيق الذي قام به مؤلّفو الدراسة، فإن عملهم تعتريه عديد من القيود، وهو ما يُفسح الطريق أمام البحوث المستقبلية؛ فقد استخدم بينسكي وآخرون أفضل البيانات المُتاحة، إلا أن جمع مزيد من البيانات من شأنه أن يُعزّز الثقة في النتائج التي توصّل إليها الفريق. كانت المعلومات المتعلّقة بالتحمّل الحراري الأقصى غير متاحة سوى عن عدد قليل من الأنواع من بضع شُعب الكائنات الحية. ومعظم الأنواع (318 نوعًا من أصل 406 أنواع مشمولة في بعض أجزاء التحليل) كانت كائنات بريّة، كما كان هناك قصور شديد في تمثيل التنوّع البيولوجي للحشرات. ولأن أغلبية الأنواع البحرية الـ88 المشمولة في التحليل كانت من الأسماك، فإن المعلومات المتعلّقة بالتنوّع البيولوجي لللا فقّاريات في المحيطات كانت ناقصة إلى حد كبير.

كانت 7% فقط من الأنواع البحرية المشمولة في الدراسة سطحية (تعيش بمنطقة عمود الماء)، وهو ما يعني أن بإمكانها اللجوء إلى المياه الأعمق والأبرد حين ترتفع درجات الحرارة؛ في حين أن نسبة الـ93% المتبقّية من الأنواع البحرية التي شملها التحليل كانت قاعيّة (تعيش على قاع المحيط أو بالقرب منه)، ومن ثمَّ فإن قدرتها على الوصول إلى ملاجئ حرارية محدودة. ولأن الأنواع السطحية يمكنها الوصول إلى المياه الأبرد، فإن هوامش سلامتها الحرارية غالبًا ما تكون أكبر من الأنواع القاعيّة. بناءً على ما سبق، يمكن تأطير الاختلافات المذكورة بين الحيوانات البرية والبحرية على نحو أفضل بوصفها اختلافات بين الأنواع البرية التي يمكنها الوصول إلى الملاجئ الحرارية والأنواع البحرية القاعية التي لا يمكنها ذلك. وهناك حاجة واضحة إلى مزيد من العمل لتحديد التحمّل الحراري الأقصى للأنواع البحرية السطحية. 

يتضح أيضًا أن فهمنا للملاجئ الحرارية على اليابسة أدق من فهمنا لنظيراتها في المحيطات. استخدم بينسكي وآخرون عديدًا من النماذج النظرية لوصف تأثير المناخات  البرية المُصغّرة في درجة حرارة جسم الحيوان؛ وفي حين أنه لا يوجد إطار نظري مشابه للأنواع البحرية وموائلها، ومن ثمَّ اضطّر مؤلّفو الدراسة إلى وضع افتراضات تقريبية بشأن كيفية انخفاض درجة حرارة الجسم في الملاجئ الحرارية. وينبغي مُعالجة هذا الاختلال في فهمنا للملاجئ الحرارية على اليابسة وفي المحيطات عن طريق الدراسات المُستقبلية.

وحتّى استخدام مُصطلحيّ الموئل المصغّر أو المناخ المصغّر في سياق الحيوانات البحرية قد يكون مُضللًا لأن المناطق الأبرد أسفل المنطقة الدافئة على بعد 200 متر من سطح المحيط، أكبر موئل على كوكب الأرض، وتُعد درجة حرارتها متماثلة إلى حد ما. والجدير بالذكر أن الاعتقاد بأن مُعظم الكائنات البحرية خارجية الحرارة تمضي بعض الوقت في المياه العميقة لمعادلة ظروف السطح الدافئ ربما لا يكون صحيحًا أيضًا، لأن كثيرًا من الحيوانات التي تعيش في الطبقات الوسطى من عمود الماء (على عمق 200 إلى 1,000 متر تحت السطح)، مثل التونة، تقضي بعض الوقت قرب سطح المحيط من أجل التدفئة9.

إن قابلية التنوّع البيولوجي للتضرربفعل الاحترار تُعد من مجالاتالدراسة النشطة، وقد قدّم بينسكي وآخرون رؤى وأفكارًا قيّمة من شأنها تحفيز مزيد من البحوث. ويمكن استخدام نهجهم أيضًا في تحرّيقابلية التنوّع البيولوجي للتضرربفعل الجوانب الأخرى من تغيّر المناخ-بما في ذلك هطول الأمطار أو تغيّر درجة الحموضة- والتي قد تؤثّر أكثر تجلّياتها تطرّفًا في الأنواع، ويمكن التخفيفمن تأثيرها عن طريق الملاجئ.

References

  1. May, R. M. Science 329, 41–42 (2010). | article
  2. Pinsky, M. L., Eikeset, A. M., McCauley, D. J., Payne, J. L. & Sunday, J. M. Nature 569, 108–111 (2019). | article
  3. Seebacher, F., White, C. R. & Franklin, C. E. Nature Clim. Change 5, 61–66 (2015). | article
  4. Sunday, J. M., Bates, A. E. & Dulvy, N. K. Nature Clim. Change 2, 686–690 (2012). | article
  5. Richardson, A. J. ICES J. Mar. Sci. 65, 279–295 (2008). | article
  6. Pörtner, H. O. & Knust, R. Science 315, 95–97 (2007). | article
  7. Harris, R. M. B. et al. Nature Clim. Change 8, 579–587 (2018). | article
  8. Burrows, M. T. et al. Science 334, 652–655 (2011). | article
  9. Bernal, D., Brill, R. W., Dickson, K. A. & Shiels, H. A. Rev. Fish. Biol. Fisher. 27, 843–880 (2017). | article

أنتوني جيه. ريتشاردسون يعمل في مركز التطبيقات في رياضيات الموارد الطبيعية، جامعة كوينزلاند، سانت لوسيا، 4067 كوينزلاند، أستراليا، كما يعمل في وِحدة المحيطات والغلاف الجوي في منظمة الكومنولث للبحوث العلمية والصناعية، كوينزلاند.

ديفيد إس. شومان يعمل في مجموعة بحوث إيكولوجيا التغيّر العالمي، جامعة صن شاين كوست، ماروتشيدور، 4558 كوينزلاند، أستراليا؛ كما يعمل في مركز إيكولوجيا حماية البيئة الإفريقية، جامعة نيلسون مانديلا، بورت إليزابيث، جنوب إفريقيا.

البريد الإلكتروني: anthony.richardson@csiro.au؛ dschoema@usc.edu.au