أخبار

لقاح روسيا المتعجل يواجه عاصفة من الانتقادات بشأن اعتبارات السلامة

اللقاح الروسي هو أوّل التحصينات التي تحصل على تصريح بالاستخدام على نطاق واسع، ولكن الباحثين يرون أنه ربما يكون مصحوبًا بعواقب جسيمة، نظرًا إلى عدم خضوع هذا اللقاح لاختبارات واسعة النطاق.

إوين كالاواي
  • Published online:
الرئيس فلاديمير بوتين يتلقّى تقريرًا مصوّرًا عن الموافقة على لقاح فيروس كورونا.

الرئيس فلاديمير بوتين يتلقّى تقريرًا مصوّرًا عن الموافقة على لقاح فيروس كورونا.

Alexei Nikolsky/Sputnik/EPA-EFE/Shutterstock

أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في الحادي عشر من أغسطس، أن الهيئة التنظيمية لشؤون الصحّة في بلاده أصبحت أول جهة في العالم تصرّح باستخدام لقاح لفيروس كورونا على نطاق واسع، إلا أن علماء من شتّى أنحاء العالم أدانوا هذا القرار، ووصفوه بالمتسرع على نحو يُنذر بالخطر. ويعلل باحثون ذلك بأن روسيا لم تستكمل بعد التجارب واسعة النطاق لاختبار سلامة اللقاح وفاعليته، وبالتالي فإن طرح لقاح لم يخضع لعملية فحص دقيقة من شأنه أن يمثل خطرًا على الأشخاص الذين يتلقونه. كما يرجح الباحثون أن هذه الخطوة يمكن أن تعوق الجهود العالمية التي تهدف إلى تطوير تحصينات عالية الكفاءة في مواجهة مرض "كوفيد-19" COVID-19.

ويقول بيتر هوتيز، عالِم اللقاحات في كليّة بايلور للطب في هيوستن بولاية تكساس الأمريكية: "ما يقلق مجتمع علماء اللقاحات، هو احتمالية تخطي الروس لمثل هذه التدابير والخطوات، فإذا فعلوا هذا الأمر على نحو خاطئ، فقد يتسبب ذلك في تقويض المشروع العالمي بأكمله".

أما فرانسوا بالو، عالم الوراثة في كلية لندن الجامعية، فقد وصف القرار الروسي -في بيان نشره المركز الإعلامي للعلوم في المملكة المتحدة- بأنه: "قرار متهوّر وأخرق؛ حيث إنّ إجراء حملة تطعيم واسعة النطاق باستخدام لقاح لم يخضع لاختبارات سليمة هو أمر غير أخلاقي. وأي مشكلة تطرأ بسبب حملة التطعيمات الروسية هذه ستكون لها نتائج كارثية، سواء بسبب التأثيرات السلبية على الصحة، أَم لِمَا قد ينتج عنها من مزيد من التراجع في مدى قبول اللقاحات بين أفراد المجتمع".

وقد صرّح الرئيس بوتين في بيانه أن الهيئة التنظيمية الروسية المعنية بشؤون الصحّة في البلاد قد سمحت بتداول لقاح "كوفيد-19"، الذي طوّره معهد أبحاث جماليا لعلوم الأوبئة والبيولوجيا الدقيقة، الذي يقع مقره في مدينة موسكو، على الرغم من عدم اكتمال تجارب المرحلة الثالثة بعد. وتتضمن تلك التجارب حقْن آلاف البشر، إما باللقاح الحقيقي، أو بلقاح وهمي، ثم متابعة حالاتهم؛ لتِبْيَان ما إذا كان اللقاح يمنع حدوث العدوى، أم لا. كما تتيح تلك التجارب للباحثين فرصة التأكد من سلامة اللقاح، وتقصّي آثاره الجانبية الأكثر ندرة، التي ربما لم تتسنَ ملاحظتها في تجارب المراحل السابقة التي تُجرى على نطاق أضيق. ويقول وزير الصحة الروسي، ميخائيل موراشكو، إن اللقاح سيُقدَّم إلى المواطنين على نحو تدريجي، وسيكون العاملون في مجال الصحّة والمُدرِّسون أول مَن يتلقونه.

جدير بالذكر أنه جارٍ تطوير أكثر من مئتي لقاح لـ"كوفيد-19" في شتّى أنحاء العالم، وأنّ العديد من تلك اللقاحات دخل بالفعل في المرحلة الثالثة من التجارب، ومن المقرر إخضاع المزيد من اللقاحات المُرشّحة لتجارب المرحلة الثالثة في القريب، إلا أن الباحثين يعتقدون أن الأمر سوف يستغرق شهورًا، قبل التصريح باستخدام أول لقاح من بينها.

الافتقار إلى البيانات

قُدِّم اللقاح الذي يطوّره معهد "جماليا" لـ76 متطوّعًا، كجزءٍ من مرحلتين مبكرتين من التجارب، أُدرجتا بموقع ClinicalTrials.gov، لكن لم تُنشر أيّ نتائج لتلك التجارب أو غيرها من دراسات المراحل قبل الإكلينيكية، ولا يُعرف سوى القليل بشأن اللقاح التجريبي.

وحسب المعلومات المُدرجة على موقع ClinicalTrials.gov، أُعِد اللقاح، الذي يُعطى على جُرعتين، من اثنين من الفيروسات الغدّية التي تُعبّر عن البروتين الشوكي الخاص بفيروس كورونا؛ إذ تتكوّن الجرعة الأولى من فيروس Ad26 -وهي السلالة نفسها التي استخدمتها شركتا "جونسون آند جونسون" Johnson & Johson  للصناعات الدوائية، وشركة "جانسن" Janssen التابعة لها، إبان تطويرهما للقاح تجريبي- فيما تُصنع الجرعة الثانية "المُعزِّزة" من فيروس Ad5 على غرار تلك التي شملتها إحدى الحقن التجريبية، التي تعكف شركة "كانسينو بيولوجيكس" CanSino Biologics على تطويرها في الصين.

ووفقًا لشهادة تسجيل اللقاح، الصادرة باللغة الروسية، تكونت لدى جميع المشاركين الذين تلقّوا جرعة أو جرعتين من اللقاح -ويبلغ عددهم 38 شخصًا- أجسامٌ مضادة للأشواك البروتينية الخاصة بفيروس "سارس-كوف-2" SARS-CoV-2، من بينها أجسام مضادة مُحيّدة تتسم بفعاليتها في تثبيط الجزيئات الفيروسية. وتضاهي هذه النتائج نظيرتها من تجارب المراحل المبكّرة التي أُجريت على لقاحات مرشّحة أخرى. وينطبق الأمر كذلك على الآثار الجانبية للقاحات؛ لا سيّما الحُمى، والصداع، وتهيّج الجلد عند موضع الحَقن.

يتوقّع هوتيز أن يحفّز لقاح معهد "جماليا" استجابة مناعية جيدة ضد "سارس-كوف-2"، قائلًا: "إن الجانب التقني الذي يلزم لتطوير لقاح "كوفيد-19" ليس بالغ التعقيد"، لكنه يضيف قائلًا: "إلا أن الشِّق الصعب يتمثّل في الالتزام بإنتاج تلك اللقاحات بالمعايير العامة للجودة (مراقبة الجودة، وضمانها)، وبعد ذلك تأتي مرحلة التأكد من أن تلك اللقاحات آمنة، وتحقق بالفعل وقاية من "كوفيد-19" في المرحلة الثالثة من التجارب الإكلينيكية واسعة النطاق". 

غير أننا لا نعرف سوى القليل عمّا يتعلق بخطط تجارب المرحلة الثالثة المقررة للقاح "جماليا"، إذ يقول داني ألتمان، عالِم المناعة في كلية لندن الإمبراطورية: "ببساطة.. لم أعثر على أيّ تفاصيل منشورة عن بروتوكول هذه العملية". ويأمل داني في أن تُتَابِع التجارب -عن كَثَب- الاستجابات المناعية عند المشاركين، وأن تتقصّي كذلك أيّ آثار جانبية.

وحسبما نقلت وكالة الأنباء الروسية "تاس" TASS، المملوكة للدولة، فإن رئيس أحد صناديق الاستثمار التي تدعمها الحكومة الروسية قال إنه من المقرر إخضاع اللقاح للمرحلة الثالثة من التجارب في الإمارات العربية المتّحدة، والمملكة العربية السعودية، وبلدان أخرى. وتابع المسؤول قائلًا إن بلاده تلقّت طلبات شراء بلغت مليار جرعة من 20 بلدًا من أمريكا اللاتينية، والشرق الأوسط، وآسيا، ومن بِقاع أخرى من العالم، مؤكدًا أن عمليات التصنيع مستعدة لإنتاج 500 مليون جرعة، وثمّة خطط لرفع الطاقة الإنتاجية.

"تصريح أخرق بالاستخدام"

يعرب ألتمان عن قلقه من احتمالية أن يتسبب اللقاح في مرضٍ متفاقم، ينشأ حينما تحمل الأجسام المضادة -التي ينتجها اللقاح- الفيروس إلى داخل الخلايا، بعد التعرض للفيروس. وثمة مشكلة أخرى، قد تتمثل في رد فعل مناعي شبيه بالربو، الذي أصبح مشكلة مطروحة إبان اختبار بعض اللقاحات التجريبية المضادة لفيروس متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد "سارس" SARS. وتتطلّب عملية رصد ردود الأفعال المناعية هذه عَقْد مقارنة بين آلاف ممن تلقّوا لقاحًا أو دواءً وهميًّا، ويُحتمل تعرّضهم لفيروس "سارس-كوف-2".

وتقول سفيتلانا زافيدوفا، مديرة الاتحاد الروسي لهيئات التجارب الإكلينيكية، التي تتعاون مع شركات أدوية دولية ومنظّمات بحثية: "إنه لأمر عبثي بالطبع أن يُصرّح باللقاح بناءً على تلك البيانات". كما تخشى زافيدوفا، في ظل غياب تجارب المرحلة الثالثة، مِن عدم وضوح ما إذا كان اللقاح يمنع الإصابة بمرض "كوفيد-19"، أم لا، وما إذا كان يتسبب في أيّ آثار جانبية، أم لا، بسبب مَواطن القصور التي تعتري الطريقة التي ترصد بها روسيا الآثار الناجمة عن الأدوية، مضيفة: " منظومتنا الخاصة بمراقبة السلامة ليست الأفضل، حسب ظنّي". كما تتخوّف زافيدوفا أيضًا من أنْ تكون الموافَقة على اللقاح "مؤذية جدًّا" على صعيد الجهود المبذولة لإخضاع لقاحات أخرى مضادة لـ"كوفيد-19" -وأدوية أخرى كذلك-  للتجارب الإكلينيكية في روسيا.

ومن جانبه، يقول فلوريان كرامر، عالِم الفيروسات في مدرسة طب ماونت سيناي بمدينة نيويورك الأمريكية، في "تغريدة" نشرها عبر موقع "تويتر"Twitter : "لست متأكّدًا مما تعتزم روسيا فعله، ولكنني على يقين من أنني لن أتلقى لقاحًا لم يخضع للمرحلة الثالثة من التجارب، إذ لا يعرف أحدٌ ما إذا كان اللقاح آمنًا، أو فعّالًا في مواجهة الفيروس، أم لا. إنهم يُعرِّضون العاملين في مجال الرعاية الصحّية ومواطني بلادهم للخطر".