أخبار

لِمَ كان انفجار نترات الأمونيوم في بيروت مدمرًا إلى هذا الحد؟

تُعَد هذه المأساة من كبرى الحوادث الصناعية التي تتسبب فيها هذه المادة الكيميائية المتفجرة. وقد ضربت هذه الفاجعة لبنان في خضم جائحة فيروس كورونا وأزمة اقتصادية.

جورجيا جوجليلمي

  • Published online:
دمَّر الانفجار الذي اندلع في الرابع من أغسطس المباني في أنحاء بيروت.

دمَّر الانفجار الذي اندلع في الرابع من أغسطس المباني في أنحاء بيروت.

Fadel Itani/NurPhoto/Getty

في مساء الرابع من أغسطس الجاري، كان بيير خويري يُجرِي ترتيبات للاحتفال بيوم مولده، مع زوجته وابنه البالغ من العمر عامين، عندما نسف انفجار هائل نوافذ الشقة التي تقطن فيها الأسرة في مدينة بيروت. فعلى بُعْد ما يقرب من 2.5 كيلومتر، في مرفأ المدينة، بَعَثَ انفجارٌ عنيف بِكُرَةٍ ضخمة برتقالية اللون من النيران إلى عنان السماء، أعقبَتْه موجة صدمية شديدة، أدّت إلى انقلاب السيارات، وألحقت أضرارًا بالمباني، وارتجفت على أثرها الأرض في شتى أنحاء العاصمة اللبنانية. ويصف خويري -وهو باحث في علم الجينوم بالجامعة الأمريكية في بيروت- هذه التجربة قائلًا: "لقد كانت لحظة مرعبة".

وتعقيبًا على هذا الحدث، صرحت السلطات اللبنانية بأن الانفجار -الذي أودى بحياة ما لا يقل عن 220 شخصًا، وأسفر عن إصابة أكثر من خمسة آلاف آخرين، وتشريد ما يُقدَّر بحوالي 300 ألف نسمة- نتج عن 2750 طنًّا من نترات الأمونيوم، وهو مُركَّب كيميائي يشيع استخدامه كسماد في الزراعة. وقد ظلت هذه المادة لمدة ست سنوات في مخازن أحد مستودعات المرفأ. ويجرى حاليًّا تحقيق في الأسباب التي أدّت إلى الانفجار. وقد أشارت التقارير الأولية منه إلى أن حريقًا، نشب على مقربة من المستودع المذكور، كان -على الأرجح- هو السبب في الانفجار.

ويُعَد الانفجار أحد أكبر الانفجارات العَرَضية التي سُجلت على الإطلاق، والتي تسهم فيها مادة نترات الأمونيوم (انظر: "مادة كيميائية متفجرة"). وقد كان شديدًا إلى حد أن دَوِيّه تنامَى إلى الأسماع على بُعْد أكثر من 200 كيلومتر في مدينة قبرص. فالكمية الهائلة من نترات الأمونيوم، المُتسبِّبة في الحادث، "تبلغ من الضخامة ما يُعَد ضربًا من الجنون"، على حد قول أندريا سيلا، اختصاصي الكيمياء بكلية لندن الجامعية.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه المادة الكيميائية تسببت فيما مضى في كوارث صناعية خطيرة. وعلى سبيل المثال، في عام 1921، أدّى انفجار وقع في مصنع لنترات الأمونيوم في أوباو بألمانيا إلى مصرع 561 شخصًا، وقد سُمِع دَوِيّه آنذاك على بعد مئات الكيلومترات. وفي عام 2015، لقي 173 شخصًا حتفهم من جرّاء انفجار ما يقرب من 800 طن من نترات الأمونيوم في ميناء تيانجين بالصين.

كبر الصورة

كبر الصورة

ويُذكر أن نترات الأمونيوم تُصنع على هيئة حبيبات صغيرة تشبه ملح الطعام، وهي زهيدة الثمن، وعادةً ما تكون آمنة في التعامل معها، بيد أن تخزينها قد يسبب المشكلات. فمع مرور الوقت، يمتص المُركَّب الرطوبة، مما يجعل حبيباته تلتصق ببعضها بعضًا لتُكوِّن كتلة صخرية ضخمة، كما يقول سيلا. وعندما تتعرض مثل هذه الكمية الضخمة من نترات الأمونيوم المضغوطة إلى حرارة شديدة، أو إذا شب حريق عرضي بالقرب منها، فقد يؤدي ذلك إلى وقوع انفجار. وقد تغدو الموجة الصدمية التي تعقب مثل هذا الانفجار مُميتة؛ إذ يُخَلِّف الانفجارُ منطقةً من الضغط المرتفع الذي يسافر بسرعةٍ أكبر من سرعة الصوت، مما يؤدي إلى تحطم الزجاج، وإصابة البشر.

أما في بيروت، فقد أسفرت الكارثة عن تبعات مأساوية للغاية، لأسباب لا تمت بصلة للانفجار ذاته، فعلى سبيل المثال، تعطلت الجهود المبذولة لإسعاف المصابين وعلاجهم؛ بفعل الدمار الذي لحق بالمستشفيات القريبة من موقع الانفجار، التي كان العديد منها يرزح بالفعل تحت وطأة ضغوط شديدة من جرّاء جائحة فيروس كورونا. وفي هذا الصدد، يقول بول جاردنر ستيفن، الذي يدرس تقنيات التخفيف من آثار الكوارث بجامعة فليندرز في أديلايد بأستراليا، إن المصابين ممن لم يتمكنوا من الحصول على مساعدة طبية بالسرعة الكافية قد ينتهي الأمر بهم إلى مواجهة تبعات تستمر معهم مدى الحياة من جرّاء إصاباتهم، إذ "تُزهَق الأرواح، وتُفقَد سبل العيش عندما تكون القدرة على التصدي للأزمة محدودة"، كما يقول.

وقد كان لبنان يترنح بالفعل تحت وطأة أزمة اقتصادية أثارت احتجاجات مناهِضة لحكومة البلاد، بدءًا من أكتوبر الماضي، عندما بدأت العُمْلة اللبنانية تفقد قيمتها مقابل الدولار، على حد وصف شارلوت كرم، اختصاصية علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية في بيروت. ومنذ ذلك الحين، ارتفعت أسعار المواد الغذائية، وأصابت البطالة واحدًا من كل ثلاثة أشخاص تقريبًا في البلاد.

وفي ظل الأوضاع الحالية، وتدمير مرفأ بيروت وصومعة الحبوب الرئيسة في البلاد -التي كانت قريبة من المستودع الذي حوى نترات الأمونيوم المُتسبِّبة في الانفجار- تقول كرم إن العواقب الناجمة عن الانفجار سوف يظهر أثرها في شتى أنحاء البلاد. وتتابع كرم كلامها قائلة: "تضاف هذه الأزمة إلى كومة من الأزمات المتراكمة، فثمة أزمة اقتصادية، وسياسية، وصحية. ونحن بحاجة إلى العمل معًا من أجل إعادة بناء لبنان".