افتتاحيات

انتشار مروّع لأمراض الإيدز والملاريا والدرن 

أدّت الجهود المبذولة للقضاء على فيروس كورونا إلى زيادة انتشار أمراض معدية أخرى. ولذا، يجب اتخاذ إجراءات عاجلة لتجنب وقوع كارثة. 

  • Published online:

تودي أمراض الإيدز والملاريا والدرن مجتمعةً بحياة 2.4 مليون شخص كل عام. وهذه الأمراض الثلاثة هي من بين أكثر الأمراض المعدية فتكًا بالبشر. ومن بين حالات الوفاة هذه، نجد أنّ مرض الدرن وحده مسؤول عن 1.5 مليون حالة منها. وحسب ما أفاد به "الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والدرن والملاريا"، وهو اتحاد لجهات مانحة يهدف إلى تمويل علاجات هذه الأمراض، فقد ترتفع أعداد حالات الوفاة هذه إلى الضعف تقريبًا خلال العام القادم. والسبب في ذلك يرجع إلى فيروس كورونا الجديد، وهو ما يُعد احتمالًا مروعًا يتطلب وضع خطة عمل عاجلة.

فقد تسببت تدابير الإغلاق، التي فرضها الكثير من الدول لأكثر من ثلاثة أشهر، في حرمان العديد من الأشخاص من الحصول على علاجات للأمراض المعدية بخلاف مرض "كوفيد-19". وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن تكون الحالات الجديدة المصابة بهذه الأمراض قد أفلتت من الرصد. ورغم تخفيف تدابير الإغلاق، فسوف تحتاج منظومات الرعاية الصحية إلى بعض الوقت للعودة إلى مزاولة عملها بصورة طبيعية؛ إذ تواصل الهيئات الصحية منْح الأولوية لعلاج المصابين بمرض "كوفيد – 19" COVID-19. ومع وضع كل ذلك في الاعتبار، فإن هذا سوف يؤدي إلى زيادة حادة في حالات الإصابة بهذه الأمراض الأخرى.

لذا، يجب إحداث تغيير تدريجي في تمويل جهود الوقاية من أمراض الإيدز، والملاريا، والدرن، وجهود علاج هذه الأمراض، وما يرتبط بهذا من تمويل للمجال البحثي، إضافة إلى زيادة الوعي العام بما تمثله هذه الأمراض المعدية من تهديد متفاقم. كما يجب على الباحثين –وخاصة علماء الأوبئة– الاستمرار في تحسين النماذج التي تلفت انتباه العالَم إلى هذه الكارثة الوشيكة.

وقد توقع نموذج طوّره باحثون في كلية لندن للصحة وطب المناطق الحارة وقوع حوالي مائتي ألف حالة وفاة إضافية ناجمة عن مرض الدرن في جميع أنحاء الصين، والهند، وجنوب أفريقيا في الفترة بين عامَي 2020، و2024 (C. F. McQuaid et al. Eur. Respir. J. http://doi.org/d6ck;2020). وتثير البيانات المتعلقة بالإيدز والملاريا القدر نفسه من المخاوف. ففي عام 2018، لقي ما يقرب من نصف مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى حتفهم بسبب أمراض مرتبطة بالإيدز. وفي حال تعطُّل توفير العلاجات المضادة لفيروسات النسخ العكسي لمدة ستة أشهر فقط، فمن المتوقع أن يتضاعف هذا العدد في العام المقبل، وفقًا لنتائج عمليات نمذجة نُشرت في شهر مايو الماضي، وأعدّتها منظمة الصحة العالمية، وبرنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز (UNAIDS)، فيما سيُعَد ارتفاعًا غير مسبوق، لم يُشْهَد مثله على مدار أكثر من عقد من الزمان.

وجدير بالذكر أنه في دراسة نشرتها دورية "نيتشر ميديسن" Nature Medicine، وأجراها باحثون في البرنامج الوطني للقضاء على الملاريا في نيجيريا، في العاصمة أبوجا، بالتعاون مع كلية إمبريال كوليدج لندن، توقع باحثون أنه سيكون هناك 779 ألف شخص معرّض لخطر الوفاة بسبب الملاريا في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى في عام 2020، أي ما يضاهي أكثر من ضعف هذا العدد في عام 2019 (E. Sherrard-Smith et al. Nature Med. http://doi.org/d6cn; 2020). وقد توصل الباحثون في منظمة الصحة العالمية إلى تقديرات مماثلة، إذ قاموا بإجراء نمذجة لتأثير جائحة "كوفيد-19" على إصابات الملاريا في 41 دولة، وفقًا لتسع سيناريوهات. وتوصلوا إلى أنه في أسوأ الحالات -التي يستمر فيها تعليق حملات توزيع الناموسيات المعالَجة بالمبيدات الحشرية، ويستمر انخفاض الحصول على العقاقير المضادة للملاريا بنسبة 75%- فإن ذلك سوف يسفر عن حدوث 769 ألف حالة وفاة بسبب الملاريا في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى هذا العام، وهو مستوى وفيات لم نشهده منذ 20 عامًا.

وفي الوقت الحالي، مع اقتراب إجمالي عدد الإصابات بمرض "كوفيد–19" من 20 مليونًا، ووصول الوفيات من جرائه إلى أكثر من 700 ألف حالة وفاة، فليس بوسعنا تحديد إلى أي مدى ستسوء الجائحة، لكنْ يمكن القول إنه دون تدخُّل في هذه المساحة، فإن أمراض الدرن، والإيدز، والملاريا ستحصد -على الأرجح- مزيدًا من الأرواح.    

أربعة مقترحات

هناك عدة خطوات لا بد من اتخاذها الآن. أولًا، يجب على المستشفيات والسُّلطات الصحية في المدن والمناطق المتضررة أن تنتبه إلى أن أمراض الإيدز، والملاريا، والدرن آخذة في الانتشار مرة أخرى. وفيما يتعلق بمرض الدرن، يجب استئناف اكتشاف حالات الإصابة به سريعًا، وهي العملية التي تأثرت بتكريس طاقات مَرافق الاختبار بالمستشفيات لمرض "كوفيد – 19". ويمكن أن تشترك هذه المَرافق في العمل على مكافحة كلا المرضين. وعلى سبيل المثال، في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، هناك بعض المستشفيات يستخدم المعدات نفسها لإجراء اختبارات الكشف عن مرض "كوفيد – 19" صباحًا، واختبارات الدرن في فترة ما بعد الظهيرة، أو العكس. ويمكن أيضًا تنسيق العمل، بحيث تُجرى اختبارات الكشف عن مرض "كوفيد – 19" إلى جانب الاختبارات التشخيصية السريعة التي تَكشِف عن فيروس نقص المناعة البشرية، والملاريا. 

ثانيًا، يجب أن يواصل الباحثون تحسين النماذج التي يطورونها، وذلك من خلال استخدام بيانات مستقاة بدرجة أكبر من الوضع على أرض الواقع.

ثالثًا، ثمة حاجة إلى تدشين حملات توعية عامة، إذ يجب أن تضطلع المنظمات العامة والخاصة وغير الحكومية بتنبيه الناس لمخاطر ارتفاع مستويات انتشار الأمراض المعدية؛ حيث ستسهم مثل هذه الحملات أيضًا -بدرجة ما- في طمأنة المرضى الحاليين، ومَن يصيبهم التوعك، فضلًا عن التشديد على ضرورة الْتِماسهم العلاج، أو الاستمرار فيه.

رابعًا، لا تستطيع هذه الحملات وحدها الإبقاء على غرف العمليات وعنابر المستشفيات جاهزة لاستقبال المرضى، أو الإبقاء على تشغيل المعدات المتوفرة، فقد أدى تزايُد حالات الإصابة بالأمراض المعدية بصورة حادة إلى خلْق حاجة أكبر إلى الاختبارات، والعلاجات، والبحوث. وتحتاج كل هذه الأشياء بدورها إلى مزيد من التمويل. ففي تقرير نشر في يونيو الماضي (go.nature.com/3aez6jd)، قَدَّر "الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والدرن والملاريا" أن هناك حاجة إلى 28.5 مليار دولار أمريكي إضافية لضمان إمكانية استمرار عمل برامج مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية، والدرن، والملاريا، وكذلك استمرار الباحثين في مواصلة تطوير أدوات تشخيصية مشتركة، خاصة فيما يتعلق بمرضي الدرن، و"كوفيد-19". ولا يغطي هذا المبلغ سوى الإثني عشر شهرًا القادمة فحسب.  

ويثق الصندوق في قدرته على توفير 6 مليارات دولار من هذا المبلغ، إلى جانب نفقاته السنوية، لكنه لا يستطيع جمْع المبلغ المتبقي بمفرده. ويأتي هذا في الوقت الذي يقوم فيه بعضٌ من كبرى الجهات الدولية المتبرعة للصندوق -مثل المملكة المتحدة- بتقليص تمويل المساعدات العلمية.    

وإذا كانت فرص جمع هذه الأموال من خلال القنوات المعتادة تبدو ضئيلة، فيجب تجربة أساليب بديلة، مثل الفعاليات العامة التي تُدعَى إليها الحكومات والشركات والمنظمات الخيرية لتقديم تعهدات بالتمويل. وتجدر الإشارة إلى أن حكومات الدول الأكثر ثراء تقدِّم تبرعات بالفعل في فعاليات كهذه، مثلما حدث في مايو الماضي، عندما حصل مؤتمر  نظمه الاتحاد الأوروبي بشأن "كوفيد-19"، وتمّ بثه مباشرة، على تعهدات برصد مبلغ قَدْره 6.15 مليار يورو (ما يعادل 7.2 مليار دولار أمريكي) لمواجهة الجائحة.

لقد أعادت جائحة "كوفيد-19" الزمن إلى الوراء لسنواتٍ –إن لم يكن لعقود– فيما يتعلقبمكافحة الأمراض المعدية. ولا شك أنه من المُحَتَّم اتخاذ جميع التدابير الممكنة لحماية الناس من فيروس كورونا الجديد، ومعالجة أولئك الذين أصابهم المرض،لكنْ آخِر ما ينقصنا جميعًا هو أن ننقذ الناس من مرضٍ مُعْدٍ، ثم نتركهم عرضة للموت بسبب مرضٍ مُعْدٍ آخر.