كتب وفنون

لماذا سَلَك الجاسوس الذرّي طريق الخيانة؟

ما بين الفاشية التي أعقبت الانهيار الاقتصادي، والمعاملة المروِّعة للاجئين، تكشف هذه السيرة عن الأسباب التي دفعت بعالِم الفيزياء النووية كلاوس فوكس إلى طريق الخيانة.

شارون واينبرجر
  • Published online:
أُلقي القبض على كلاوس فوكس بتهمة التجسّس في عام 1950.

أُلقي القبض على كلاوس فوكس بتهمة التجسّس في عام 1950.

GL Archive/Alamy

اشتُهر كلاوس فوكس بخيانته أكثر مما اشتُهر بعلمه؛ وهو عالِم الفيزياء النظرية الألماني الفذ، الذي كشف للسوفييت أسرارًا مكَّنتهم من تسريع وتيرة العمل على صُنع سلاحهم النووي إبَّان الحرب الباردة. ولكن قبل ذلك، كان فوكس عالِمًا محلَّ ثقة، وله إسهامات قيّمة في "مشروع مانهاتن"، الذي تمخّض عن تصنيع القنبلتين النوويتين اللتين أُلقيتا على هيروشيما وناجازاكي في مثل هذا الشهر قبل 75 عامًا، وراح ضحيتهما أكثر من 100 ألف شخص.

تشكِّل حياة الجواسيس مادة ثريّة لكُتب السِّيَر الجذَّابة. وعندما تُروى قصص الجاسوسية ببراعة، فإنها تجمع بين الدراما البوليسية (كيف فعلوا ما فعلوه؟)، وغموض روايات التشويق النفسي (ما الذي دفعهم إلى ذلك؟). في كتابها المُتقَن، المعنوَن بـ"الجاسوس الذرِّي" Atomic Spy، تبحث نانسي ثورندايك جرينسبان عن إجابة لهذين السؤالين. وتتساءل بدورها: "كيف ننظر إلى شخصٍ اعتبره الكثيرون بطلًا لمواقفه المناهِضة للنازية، في حين اعتبره الآخرون خائنًا؟". استعانت جرينسبان بمجموعة هائلة من السجلات الأرشيفية في رسم صورة متعاطفة، وبالغة الدقة، للعالِم الجاسوس الذي كانت تُحَرِّكه النوايا الطيبة؛ فيما يُعَد إضافة مميزة لقائمة السِّيَر التي كُتبت عن فوكس.

وُلد فوكس في عام 1911، لأب يُدعى إيميل، كان قسًّا لوثريًّا، وعضوًا في الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني، غرس في أبنائه الإيمان بوجوب السعي وراء الحق والعدل، مهما تكُن العواقب. في عصرٍ غير العصر، كانت هذه التنشئة الأخلاقية الصارمة خليقةً بأنْ تجعل من كلاوس شخصًا موقّرًا؛ ولكنْ في خِضَم الفوضى التي عمَّت ربوع ألمانيا في أعقاب الانهيار الاقتصادي في عام 1929، وما نتج عنه من تنامي الحركة الفاشيَّة، ولّى فوكس وجهه شطر الشيوعية، ووعودها "المثالية الخيالية" بتحقيق المساواة الاجتماعية.

ومع وصول النازيين إلى سُدّة الحكم، كان موقف أسرة فوكس المناهِض للفاشية كفيلًا بتمزيق أوصالها؛ إذ انتحرت والدة كلاوس، إلزِه، في عام 1931، ثم تَبِعَتْها إحدى شقيقاته بعدها ببضع سنوات، أما الأب، فزُجَّ به في السجن لفترة وجيزة، ولاذ الناجون الثلاثة من أبنائه بالفرار من ألمانيا.

في عام 1933، حين كان كلاوس يواجه خطر الاعتقال، بسبب نشاطه السياسي في الجامعة، وجد أمانًا مؤقتًا في المملكة المتحدة. وواصل كلاوس -الذي لم يتعدَّ آنذاك 21 عامًا من عمره، وكان يُعَدّ فيزيائيًّا واعدًا- دراسته في جامعة بريستول، ونشر بحثًا مهمًّا عن القدرة التوصيلية للرقائق المعدنية. وفي عام 1937، انتقل إلى جامعة إدنبره، ليعمل مع لاجئٍ آخر، هو ماكس بورن، رائد ميكانيكا الكَمّ، الذي نال جائزة نوبل في وقتٍ لاحق (والذي كتبَتْ عنه جرينسبان في عام 2005 سيرةً بعنوان "نهاية عالَم محدَّد" The End of A Certain World).

تجربة مروِّعة

عندما دخلَتْ بريطانيا الحرب العالمية الثانية، أعلنَتْ ألمانيا دولةً مُعادية؛ وهو الإعلان الذي استُثني منه ماكس بورن، إذ كان آنذاك حاملًا للجنسية البريطانية. وفي مايو من عام 1940، أُرسل فوكس إلى معسكر اعتقال كان مكتظًّا عن آخره بالألمان الشيوعيين واليهود، فضلًا عن أسرى الحرب النازيين. تنقَّل فوكس بين عدد من المنشآت، إلى أن انتهى به المطاف في مدينة كيبيك بكندا. ومن أكثر أجزاء الكتاب بشاعةً، ذلك الجزء الذي تتناول فيه المؤلفة المعامَلة المُهينة واللاإنسانية التي انتهجتها الحكومة البريطانية تجاه المعتقلين، فعلى سبيل المثال، تُقدِّم وصفًا مفصَّلًا لرحلة بحرية مروّعة، أُجبر المُعتقَلون خلالها على تنظيف الفضلات بأيديهم.

ولا عجب في أن هذه التجربة قد دَفَعَتْ فوكس إلى تبنِّي أفكار متطرِّفة. ومن المعلوم أنه التقى في معسكرات الاحتجاز بشيوعي بارز، ربما كانت له يدٌ في تجنيد فوكس للتجسس لحساب الاتحاد السوفييتي.

أُطلق سراح فوكس في أواخر عام 1940، فعاد إلى المملكة المتحدة، حيث عمل في جامعة برمنجهام مع فيزيائي من أصلٍ ألماني، هو رودولف بيرلز. كان بيرلز مشاركًا في مشروع سِرّي لصُنع قنبلة ذرية. ومن هنا، أخذ فوكس ينقل معلوماتٍ فنية عن المشروع إلى السوفييت، ويُسرِّب إليهم وثائق ذات صلة بالمشروع في لقاءات سرية.

شارك فوكس في تصميم القنبلة النووية التي أُلقيت على ناجازاكي في عام 1945.

شارك فوكس في تصميم القنبلة النووية التي أُلقيت على ناجازاكي في عام 1945.

Prisma Bildagentur/Universal Images Group via Getty

وفي عام 1943، أُرسل فوكس للعمل في البرنامج الأمريكي لتطوير القنبلة الذرية، المعروف باسم "مشروع مانهاتن". وتحت ضغط الحاجة الماسَّة إلى المواهب العلمية، لم تدقِّق السلطات في ماضيه. كان فوكس يلتقي خلسةً في نيويورك -ثم في لوس ألاموس بولاية نيومكسيكو- بعميل سوفييتي سَلَّمه معلومات مفصَّلة، من بينها تصميم قنبلة بلوتونيوم عُرفت باسم "الأداة" Gadget، وهي تشبه القنبلة التي ألقيت على ناجازاكي في شهر أغسطس عام 1945.

سقوط القناع بعد الحرب

بعدما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها في عام 1945، عاد فوكس إلى العمل في معهد الأبحاث النووية البريطاني في هارويل، حيث ترأَّس قسم الفيزياء النظرية، وانخرط في العمل على تقنية الانتشار الغازي، بغرض تخصيب اليورانيوم، وهي التقنية التي سبق أنْ دَرَسَها خلال عمله في "مشروع مانهاتن". استمر نشاطه التجسُّسي حتى عام 1949، وهو العام الذي فجَّر فيه الاتحاد السوفييتي أُولى قنابله النووية. كانت أجهزة المخابرات آنذاك تقترب من الحقيقة، وتم اعتراض بعض الرسائل التي نَبَّهت كلًّا من الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة إلى وجود جاسوس ذَرِّي بين صفوفهم.

وسرعان ما تَصَدَّر اسم فوكس قائمة المشتبه فيهم. وفي عام 1950، اعترف فوكس بضلوعه في نشاط تجسُّسي، بعد أن غلبه الشعور بالذنب، بسبب خيانته لأصدقائه، وبعدما تلقَّى من أحد مسؤولي جهاز المخابرات وعدًا زائفًا بأنّ اعترافه سيمكّنه من البقاء في هارويل. حُكم على فوكس بالسَّجن 14 عامًا، وجُرِّد من الجنسية البريطانية. (وعندما أُطلق سراحه، بعد مُضي تسع سنوات، سافر إلى والده في ألمانيا الشرقية).

إذَن، كيف ننظر إلى فوكس؟ لطالما بدا واضحًا أنه كان مدفوعًا بأيديولوجيته، لا بالجشع. كان يعتقد اعتقادًا صادقًا أن مساعدة الاتحاد السوفييتي في اقتناء قنبلة نووية سيجعل العالَم أكثر أمنًا. صحيحٌ أنه من الصعب –وخاصة في أيامنا هذه- استيعاب فكرة أنّ انتشار الأسلحة النووية سبيل إلى الوقاية من أضرارها؛ لكنْ حتى أولئك الذين قد يختلفون مع الصورة الإيجابية التي رسمتها المؤلفة لفوكس سيجدون الكثير من الأمور الجديرة بالتقدير في سرديّةٍ تتناول مشهدًا سياسيًّا عاصفًا من ذلك العصر الذي ينبغي لنا أن نستقي الدروس والعبر منه لعصرنا الحاضر.

عندما نتحدث عن إرث فوكس الأخلاقي، من المنطقي أن نتطرَّق إلى أن فيرنر فون براون، عالِم الصواريخ الألماني، الذي ساعد الولايات المتحدة في سباق الفضاء، والذي يراه الكثيرون بطلًا، رغم عمله لحساب النازيين في وقتٍ سابق. أما فوكس، الذي خاطر بحياته من أجل مناهَضة النازيين، فخيانته -التي حدثت في مرحلةٍ لاحقة في حياته- هي أوَّل ما يتبادر إلى الذهن لدى سماع اسمه. فهل ينبغي أن نخدم مَن نعمل لصالحهم بإخلاص، مثلما فَعَل فون براون، بغَضّ النظر عن مدى صلاحهم؟

لا يجد المرء بُدًّا من التساؤل عما كان يمكن أن يحدث، لو لم تزج الحكومة البريطانية بفوكس في معسكر الاعتقال. وعندما زار قائد قوات الأمن في هارويل منزل فوكس بعد إدانته، وجد تحت فراشه الزيَّ الذي كان يُجبَر العلماء على ارتدائه في المعسكر، قبل عشر سنوات من ذلك التاريخ.

أما الحُجّة الأكثر إقناعًا في الدفاع عن فوكس، فتأتي من أبيه، إذ قال: "كان في إمكان أُسْرتنا أن تسلك الطريق الذي سلَكَته غالبية الطبقة البُرجوازية في بلادنا؛ فنهتف لهتلر، ونجنِّب أنفسنا كلّ ما حدث. ربما لو فعلنا ذلك، لمات أبنائي –مثل الكثيرين- دفاعًا عن هتلر، لا عن معتقداتهم".

شارون واينبرجر مؤلفة كتاب "مبتكرو الحروب: المسكوت عنه في قصة وكالة داربا، إدارة وزارة الخارجية الأمريكية، التي غيَّرت العالم".

البريد الإلكتروني: sharonweinberger@gmail.com