رؤية كونية

كيف للعلماء أن يُفلتوا من خداع أنفسهم؟

الاستعانة ببيانات المحاكاة كعيّناتٍ بحثية قد تكشف الغطاء عن بعض الطرق الشائعة التي تُضللنا بها تحيُّزاتنا الإدراكية.

دوروثي بيشوب
  • Published online:

Dorothy Bishop

شهد العقد الماضي تكثيف الجهود التي ترمي إلى تشجيع البحث العلمي الرصين، الذي يتوفَّر على درجةٍ عالية من الموثوقية. انصبَّ تركيز قِسمٍ من هذه الجهود على تغيير الحوافز المقدَّمة للباحثين؛ من خلال تعديل معايير الترويج والنشر، على سبيل المثال، بحيث تكون الأفضلية للعِلْم المفتوح، لا الاكتشافات المثيرة. ومع ذلك، ينبغي توجيه الانتباه أيضًا إلى شخص الباحث؛ إذ يمكن للتحيّز الإدراكي -الذي نحمله بوصفنا بشرًا- أن يدفعنا إلى رؤية نتائج لا وجود لها من الأصل. وهذا المنطق المعيب هو ما يتسبب في إنتاج علم فاسد، وإنْ حسُنَتْ النوايا.

على الباحثين أن يكونوا أكثر وعيًا بتلك الثغرات؛ فمثلما لا يُسمَح للعلماء في المختبرات بالتعامل مع مواد خطيرة دون الخضوع لتدريبات السلامة، لا ينبغي السماح لهم بالتعامل المباشر مع مفهوم "القيمة الاحتمالية" P value، أو ما شابهه من المقاييس الاحتمالية الإحصائية، حتى يبرهنوا على استيعابهم لمدلولاتها.

إننا جميعًا نميل إلى تجاهل البراهين التي تتعارض مع آرائنا. فحينما تواجهنا بيانات جديدة، قد تدفعنا أفكارنا المسبقة إلى رؤية واقع ليس له وجود. هذه إحدى صور ما يُعرف بالانحياز التأكيدي (confirmation bias)، الذي يفسِّر ميلَنا إلى تقصّي المعلومات التي توافِق ما نؤمن به بالفعل، واستدعائها. وقد يكون ذلك مدفوعًا بسلوك التكيّف؛ إذ يحتاج البشر إلى أن يكونوا قادرين على استخلاص المعلومات المهمَّة، وإلى القدرة على التصرف بسرعة؛ للإفلات من الأخطار. ولكن هذا النهج المعتمِد على تصفية المعلومات قد يؤدّي بالباحث إلى الوقوع في أخطاء علمية.

ولنا أن نضرب مثلًا على هذه الظاهرة بقياس عالِم الفيزياء، روبرت ميليكان، لشحنة الإلكترون في عام 1913. فرغم زعمه أن ورقته البحثية اشتملت على جميع نقاط البيانات التي انطوت عليها تجربته الشهيرة "قطرة الزيت"، كشفت دفاتر ملاحظاته عن نقاط بيانات أخرى لم تشملها الورقة. صحيحٌ أنها لم تكن لتغيِّر القيمة النهائية إلا بمقدار طفيف، لكنْ كان من الممكن أن تتسبب في وقوع خطأ إحصائي أكبر. وعقب ذلك، نشأ جدل حول ما إذا كان ميليكان قد ضلل قرّاءه عامِدًا. والحقُّ أنه ليس من النادر أن تجد أشخاصًا يتصفون بالأمانة، ومع ذلك يغضُّون الطرف عن الذكريات التي لا توافِق هواهم. (R.C Jennings Sci. Eng. Ethics 10، 639–653؛ 2004).

"يتعيَّن على الباحثين أن يَتَّبِعوا عادات بحثية مستمرة، تبقى معهم مدى الحياة، تُجَنِّبهم الأثر التضليلي للانحياز التأكيدي".

 

وثمة وجهٌ آخر من أوجه القصور، يؤدي إلى سوء الفهم فيما يتعلق بالاحتمالات والإحصاءات. فمن المعلوم أن المرء يجد صعوبة في استيعاب أوجه عدم اليقين الكامنة في العيّنات صغيرة الحجم (A. Tversky and D. Kahneman Psychol. Bull. 76, 105–110; 1971). ولنضرب مثالًا معاصرًا، فنفترض أن 5% من السكان مصابون بفيروس ما، ولدينا 100 مستشفى، يفحص كل منها 25 شخصًا، و100 مستشفى أخرى يفحص كل منها 50 شخصًا، و100 مستشفى ثالثة يفحص كل منها 100 شخص. كم ستكون نسبة المستشفيات التي لن تصادف أيَّة حالات مصابة، وستخرج -من ثم- باستنتاج خاطئ، مفاده أن الفيروس قد اختفى؟ الإجابة هي: 28% من المستشفيات التي تفحص 25 شخصًا، و8% من المستشفيات التي تفحص 50 شخصًا، و1% من المستشفيات التي تفحص 100 شخص. فعلى الرغم من أنَّ متوسط عدد الإصابات المكتشَفة من قِبل هذه المستشفيات كلها سيظل هو نفسه، بغض النظر عن عدد الأشخاص الذين خضعوا للاختبار، سيكون النطاق أوسع كثيرًا في حالة العينة صغيرة الحجم.

 من الصعب استيعاب هذا القياس غير الخطِّي اعتمادًا على الحدس وحده؛ لأنه قد يؤدي بالباحثين إلى التقليل من شأن التشوش الذي يمكن أن يترتَّب على صِغَر حجم العينات. ومن ثم، يدفعهم إلى إجراء دراسات تفتقر إلى التماسك الإحصائي اللازم للوقوف على تأثيرٍ ما.

وإضافة إلى ذلك، لا يُقدِّر الباحثون أن دلالة النتيجة المعبَّر عنها في صورة "قيمة احتمالية" تعتمد على السياق بالدرجة الأولى. فكلما ازدادت المتغيرات التي يستطلعها الباحث، ازدادت احتمالية عثوره على قيمة زائفة الدلالة. فعلى سبيل المثال، إذا أجريتَ اختبارًا على 14 مركَّبًا من مركّبات الأيض، بغرض استكشاف ارتباطها باضطراب ما، فإن احتمالية العثور مصادفةً على قيمة احتمالية، واحدة على الأقل، تقلُّ نسبتها عن 0.05 –الحد الأدنى المتعارف عليه للدلالة الإحصائية– لن تكون 1 من كل 20، وإنما ستُقارب 1 من كل 2.

كيف لنا أن نُرسّخ فهْم أمر كهذا؟ الأمر الذي لا خلاف عليه هو أن التدريب التقليدي في مجال الإحصاء ليس كافيًا، بل إنه قد يتمخض عن نتائج عكسية، لأنه قد يمنح الشخص ثقة في غير محلّها. إنني أعكف على تجربة نهْج بديل، يتمثل في خلق بيانات محاكاة، يمكن للطلاب إخضاعها لأنواع شتَّى من التحليل الإحصائي، وأستعين بهذا النهج في تدريس مفهومين أساسيين.

أولًا: إذا قُدِّمت للطلاب مجموعات بيانية لا تحتوي على عناصر (مثل الأرقام العشوائية)، سيكتشف الطلاب سريعًا مدى سهولة العثور على نتائج خاطئة تبدو "دالَّة" إحصائيًّا. ويتحتّم على الباحثين معرفة أن تفسير القيمة الاحتمالية هو أمر بالغ الصعوبة حينما يكون سؤالهم المطروح هو: "هل ثمة ارتباط بين (أ)، و(ب)؟". وعوضًا عن ذلك، يتعيّن عليهم طرح السؤال على هذا النحو: "بالنظر إلى المتغيرات (أ)، و(ب)، و(ج)، و(د)، و(ه)، هل ثمّة ارتباطات بينها، تكون فيها القيمة الاحتمالية أدنى من 0.05؟". فالتساؤل عمّا إذا كان مركَّب بعينه من مركَّبات الأيض يرتبط بأحد الأمراض، يختلف عن تفحُّص مجموعة من مركبات الأيض، بغرض معرفة ما إذا كان أحدها يرتبط بالمرض، أم لا، فإن هذه الحالة الأخيرة تتطلب إجراء اختبارات أشدَّ صرامة.

أمَّا المفهوم الثاني، فيدور حول بيانات المحاكاة، التي تطرح -هي الأخرى- رؤًى ثاقبة حينما تأتي عينات البحث من اثنين من "المجتمعات"، باستخدام وسائل مختلفة؛ إذ سُرعان ما يتعلَّم الطلاب أنه في حالة العينات صغيرة الحجم، قد تكون التجربة غير ذات جدوى، حتّى على صعيد الكشف عن تباين معتدل. إن جلسة مدّتها 30 دقيقة، يتعامل خلالها الطالب مع بيانات المحاكاة، كفيلة بأنْ تصيبه بالدهشة، لِمَا تنطوي عليه هذه العملية من تضمينات. 

يتعيَّن على الباحثين أن يتبعوا عادات بحثية مستمرة، تبقى معهم مدى الحياة، تُجَنِّبهم الأثر التضليلي للانحياز التأكيدي. فالملاحظات التي تأتي مخالِفة لتوقّعاتنا تتطلَّب منَّا عناية خاصة. ففي عام 1876، ذكر تشارلز داروين أنه طَوَّر عادةً جديدة، حيث قال: "كلما صادفتُ فكرة، أو حقيقة منشورة، أو ملاحظة جديدة تُعارِض نتائجي العامّة، أُدَوِّنها في الحال، ودون إبطاء، إذ تبيَّن لي بالتجربة أن مثل هذه الحقائق والأفكار كانت أكثر عُرضة للإفلات من الذاكرة، مقارنة بنظيراتها التي تتوافق مع نتائجي". ولقد جرّبت هذا بنفسي؛ فعند كتابة مراجعات لبعض المؤلَّفات، كنت أصاب بالذهول حين أدرك أنني نسيت تمامًا ذِكر أوراق كانت تُخالِف ميولي الشخصي، رغم أنه لم يكن ثمّة عيب محدد في تلك الأوراق. وها أنا الآن أعمل جاهدةً على إعداد قائمة بتلك الأوراق.

إنَّ الوقوف على أوجه القصور في عملنا الخاص لهو أمرٌ يتعذَّر علينا جميعًا؛ وهو جزء طبيعي من عملية الإدراك المعرفي البشري. ومع ذلك، فإن الوعي بطبيعة هذا القصور، أو ما يُعرف ببقعة التحيُّز العمياء (blind spot)، سيساعدنا على تفادي آثاره.

دوروثي بيشوب أستاذة علم النفس التجريبي في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة.

البريد الإلكتروني: dorothy.bishop@psy.ox.ac.uk