افتتاحيات

أمل جديد في عالَم خالٍ من الأسلحة النووية

بعد مرور خمسة وسبعين عامًا على قصف مدينتَي هيروشيما، وناجازاكي، تُجدِّد معاهدةٌ جديدة الأمل في عالَم خالٍ من الأسلحة النووية.

  • Published online:

تحمل بداية شهر أغسطس ذكرى مشؤومة للمجتمع العلمي، ألا وهي الذكرى السنوية للهجوم الحربي النووي الأول- والوحيد على مدار التاريخ- حتى يومنا هذا.

ففي يومي السادس والتاسع من شهر أغسطس الجاري، مرت الذكرى الخامسة والسبعون على قصف مدينتَي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين في عام 1945، عندما أودى هذا الهجوم بحياة 200 ألف شخص في تلك البقعة. وإلى اليوم، لم يزل خطر الصراع النووي باقيًا مع وجود الأسلحة النووية بكميات كبيرة. ففي الوقت الراهن، تشتمل الترسانة النووية العالمية -التي يبلغ نصيب الولايات المتحدة وروسيا منها نسبة قوامها 90%- على حوالي 1335 طنًّا من اليورانيوم عالي التخصيب، و13,410 رؤوس حربية.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن الدبلوماسية النووية لم تُبْرِز لنا على مدار خمسين عامًا سوى أن الدول الممتلكة للأسلحة النووية ليست على استعداد للتخلي عن هذه الأسلحة بعد. صحيحٌ أنه قد أُحرز تقدم على صعيد الحد من مخزون الأسلحة النووية، بيد أن هذه الدول -في الوقت نفسه- تستثمر في عمليات تحديث ترساناتها، لتضمن بقاء هذه الأسلحة لوقت طويل من هذا القرن. 

إذَن، ما الذي يمكن أن يقنِع الولايات المتحدة، وروسيا، وفرنسا، والمملكة المتحدة والصين، والهند، وباكستان، وإسرائيل، وكوريا الشمالية بالبدء في التجرد تمامًا من أسلحتها النووية، والتوافق على عدم تطوير هذه الأسلحة مرة أخرى في المستقبل؟

في هذا السياق، ثمة فكرة ربما حانت فرصة وضْعها في حيز التطبيق الآن، بعد أن ظلت قيد التطوير لسنوات، فبما أنه من المتوقع أن تصبح اتفاقية جديدة ،هي "معاهدة حظر الأسلحة النووية" Treaty on the prohibition of Nuclear Weapons اختصارًا (TPNW)، قانونًا دوليًّا في العام القادم، يجب أن يساعد العلماء على إنجاحها.

ومن المهام العاجلة في سبيل تحقيق هذا النجاح إنشاء شبكة عالمية من الباحثين المتخصصين في مجالات مختلفة من العلوم والتكنولوجيا النووية، إذ يتعين على المعاهدة أن تضع آلية رسمية لتقديم الاستشارات العلمية في هذه المجالات. وقد قدمت مجموعات بحثية، أبرزها "برنامج العلوم والأمن العالمي" Program on Science and Global Security بجامعة برينستون في ولاية نيوجيرسي الأمريكية، المشورة لواضعي المعاهدة بخصوص جوانب مختلفة من العلوم النووية، مثل كيفية التأكد بدقة من تفكيك الأسلحة النووية بصورة نهائية، لكنْ ستكون هناك حاجة إلى تدابير يمتد تأثيرها إلى وقت أطول، ويستطيع بموجبها باحثون من دول مختلفة تقديم المشورة، وتلبية طلب تقديمها.

ونظرًا إلى أن العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة قد تدهورت، فإن الشبكات العديدة الرسمية وغير الرسمية التي كانت تربط فيما مضى بين علماء الطاقة النووية في هاتين الدولتين صارت "شبه منعدمة" في الوقت الحالي، على حد قول إرنست مونيز؛ وزير الطاقة الأمريكي الأسبق والرئيس المشارِك لمنظمة "مبادرة التهديد النووي "Nuclear Threat Initiative، وهي مركز أبحاث مقره العاصمة الأمريكية واشنطن. لذا.. من الضروري إنشاء شبكة عالمية جديدة؛ لضمان ألا تمثل الترسانات النووية تهديدًا، بالنظر إلى أن انعدام التواصل يزيد احتمالية وقوع الحوادث النووية، ونشوء سوء التفاهم، وهو ما يعزز خطر استخدام الأسلحة النووية.

ويُذكر أن "معاهدة حظر الأسلحة النووية" وافقت عليها 122 دولة غير نووية في عام 2017. ورغم ذلك.. فإن الاستراتيجية التي استخدمت في وضع هذه المعاهدة، أسَّسها قبلها بعقد من الزمان الباحثون والناشطون بمعهد أكرونيم لدبلوماسية نزع السلاح، الذي يقع مقره في مدينة لندن، والمؤسسة الأسترالية التابعة له "رابطة الأطباء الدوليين لمنع نشوب الحرب النووية"، والرابطة النسائية الدولية للسِّلم والحرية، التي تتوزع مقارّها بين جنيف في سويسرا، ومدينة نيويورك، وحركة "هيباكوشا" HibaKusha اليابانية، للناجين من الهجمات النووية في عام 1945.

وقد تعاونت هذه الجهات معًا، لتأسيس ائتلافٍ أكبر، يُسمَّى الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية (ICAN)، وعملت مع علماء ودبلوماسيين من الأمم المتحدة، ومنظمات إنسانية، مثل الصليب الأحمر1. وأدرجت حوالي 40 دولة المعاهدة في قوانينها المحلية، وتجري مساع لإقرارها أيضًا في المزيد من البرلمانات الوطنية.

وستصبح معاهدة حظر الأسلحة النووية بمنزلة قانون دولي بمجرد أن توقع عليها 50 دولة لتصبح قانونًا. وحينئذ، سيغدو من الصعب للأفراد (بمن فيهم العلماء)، التابعين للدول المشارِكة في المعاهدة، وكذلك الشركات (بما فيها البنوك)، لعب أي دور في تطوير تقنيات الأسلحة النووية، أو نشرها، على حد قول ريبيكا جونسون من معهد أكرونيم. ومن جهة أخرى، فإن دور العلماء الذين يعملون على تطوير تقنيات نزع السلاح لن يتأثر، لأنه مطلوب بشدة.

وقد استطاعت الدول غير النووية تعزيز قضيتها من خلال الاستعانة بآخِر النتائج التي توصل إليها الباحثون الذين يدرسون ظاهرة "الشتاء النووي" المحتملة، وهي ظاهرة يتوقع فيها العلماء أن يسود طقس شديد البرود في أعقاب الحروب النووية. وقد أظهرت الأبحاث الحديثة أن حربًا نووية صغيرة نسبيًّا بين الهند وباكستان قد تتسبب في هلاك المحاصيل الزراعية في عشرات الدول، وهو ما يترتب عليه تدمير الإمدادات الغذائية التي يستفيد منها أكثر من مليار شخص2. وكشفت أبحاث أخرى أن الشتاء النووي قد يغير كيمياء المحيطات تغييرًا جذريًّا، ويتسبب في أضرار بالغة للشعاب المرجانية، والنظم الإيكولوجية البحرية الأخرى3.

ومن الأهمية بمكان أن القائمين على وضع المعاهدة تعمدوا تنظيم إجراءاتها التمهيدية، بحيث تتضمن عددًا مؤثرًا من الباحِثات والدبلوماسيات الإناث، وهذا غير معتاد في باقي الاتفاقيات النووية الأخرى. ونتيجة لالتزام الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية بمبادئ نشر المعرفة والمساواة والدبلوماسية، مُنحت الحملة جائزة نوبل للسلام في عام 2017. 

والسؤال المهم هنا هو: إلى أيّ مدى ستشكل معاهدة حظر الأسلحة النووية فارقًا على صعيد سياسات الدول النووية؟ إذ لم تُوَقِّع أي مِن هذه الدول على المعاهدة؛ لكنها ستتأثر جميعًا بها، ويعود ذلك -في جزء منه- إلى أن المعاهدة تحظر على الشركات والأفراد من الدول الموقعة على المعاهدة المشارِكة في تطوير الأسلحة النووية. ونظرًا إلى أن هذه المعاهدة هي اتفاق حكومي دولي، سيتعين على الدول التي تملك أسلحة نووية إرسال وفود لحضور اجتماعاتها، بغض النظر عن رغبتها.

إن معاهدة حظر الأسلحة النووية لهي إنجاز تاريخي، وثمة الكثير من الأعباء التي تقع على عاتقها في هذه المرحلة المبكرة من عمرها. ويظل تحقيق عالَم خال من الأسلحة النووية أمرًا من شأنه أن يستغرق عقودًا، لكنّ مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة. والخطوة الضرورية الأولى هنا هي تغيير موازين القوى في عملية اتخاذ القرارات، بحيث تشترك الدول النووية والمجتمع الدولي بشكل أكثر مساواةً في هذه العملية.

References

  1. Johnson, R. in Nuclear Disarmament: A Critical Assessment (eds Nikolas,B., Steen, V. & Njّlstad, O.) 75–93 (Routledge, 2019).| article
  2. Jägermeyr, J. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 117, 7071–7081 (2020). | article
  3. Lovenduski, N. S. et al. Geophys. Res. Lett. 47, 3 (2020). | article