كتب وفنون

اللقاحات في عصر وباء المعلومات الخاطئة

تستعرض هايدي لارسون في كتابها الأخير التحديات المتعلقة بثقة الأفراد في عملية التحصين.

جون دونوفان
  • Published online:
محتجُّون يطالبون بإنهاء إجراءات الإغلاق في كاليفورنيا، مايو 2020.

محتجُّون يطالبون بإنهاء إجراءات الإغلاق في كاليفورنيا، مايو 2020.

David McNew/Getty

أثناء الاحتجاجات التي اندلعَتْ في الولايات المتحدة في وقتٍ سابق من العام الجاري، طالبَ المحتجُّون بإنهاء إجراءات الإغلاق في الولايات المتحدة، رافعين لافتاتٍ كثيرة، كُتب على بعضٍ منها: "الحقائق قبل الخوف"، و"أحتاج إلى قصِّ شَعري"، إلى جانب لافتة تحمِل عبارةً منتشرة بدرجة تثير القلق، هي: "اللقاحات تجلب المرض، وتُسبب الوفاة". كان هذا تجسيدًا لأحد التحديات التي تزداد صعوبةً يومًا بعد يوم في ظل جائحة "كوفيد-19" COVID-19: أن يُنظَّم احتجاجٌ اعتمادًا على التقنيات الرقمية، ويُزَجَّ فيه بمعلومات مغلوطة؛ لحشد المحتجين. فما الذي يتعيَّن على مسؤولي الصحة العامة فِعْله للتصدِّي لهذه الإشكالية؟

حول هذا السؤال، يدُور كِتاب "عالقون" Stuck، الذي كُتب قبل أن تنزل الجائحة بالعالم، عندما كان عدد مَن يقاومون تلقّي اللقاحات أكبر ممن يطالبون بتطويرها في دول الغرب الغنية. في هذا الكتاب، تستعرض المؤلفة هايدي لارسون -عالمة الأنثروبولوجيا، ومديرة "مشروع الثقة باللقاحات" Vaccine Confidence Project، التابع لمدرسة لندن لحفظ الصحة وطب المناطق الحارة- العوامل الاجتماعية، والنفسية، والسياسية، والتاريخية، والثقافية المؤثرة على سلوك الأفراد فيما يتعلق بتلقي اللقاحات، وتتناولها بالتحليل، مع التركيز على البلدان ذات الدخل المرتفع.

تطرح لارسون في كتابها فرضيةً، مفادها أن الأفراد الذين يعيشون في مجتمعاتٍ نيوليبرالية تتمتع بمستوى عالٍ من الرفاهية، يتعاملون مع الرعاية الصحية بوصفها خدمة، وليست حقًّا من الحقوق الأساسية، ومن ثمَّ تتحوّل جميع أنواع العلاجات -من وجهة نظرهم- إلى مجرد خيارات استهلاكية؛ وهو ما يمثل مشكلةً تعترض سبيل عمليات التحصين، التي هي في الأصل منفعة عامة. فالطفل الذي لا يتلقى تطعيماته، على سبيل المثال، لا يُشكِّل خطرًا على نفسه فحسب، وإنما على غيره من الأطفال ممَّن لم يتلقَّوا تطعيماتهم بعد. وعندما تجتمع النزعة الفردية المتنامية، مع احتياج الأفراد المنطقي إلى مَن يستمع إلى آرائهم، ويأخذها مأخذ الجدّ، فإن المحصِّلة هي تهيئة بيئة خصبة لفَقْد الثقة في اللقاحات. فيما مضى، كان التردّدُ فيما يتعلق بالحصول على اللقاحات شأنًا خاصًّا بالآباء، يناقشونه في عيادات الأطباء. أما الآن، فقد أصبح الأمر حديث النشطاء، واكتسبت النقاشات حوله زخماً شديدًا على مواقع التواصل الاجتماعي.

وتنبِّه المؤلفة إلى أن الحفاظ على المكاسب المجتمعية المرتبطة باللقاحات يستلزم مراعاة هذا المزاج العام الجديد، وترى أننا "نواجه اليوم موقفًا متناقضًا، يتمثل في أن لدينا لقاحات عالية الكفاءة من جهة، وجمهورًا متشككًا من جهةٍ أخرى". ولا يكفي -في هذا الصدد- إطلاع الرأي العام على مدى جدوى اللقاحات في مقاومة أمراض، فتلك الجدوى بالنسبة إلى بعض البلدان الأكثر حظًّا لا تعدو كونها افتراضاتٍ نظرية، لم تتحقق على أرض الواقع إلا منذ زمن بعيد، أو في أماكن بعيدة. وعوضًا عن ذلك، يجب على الباحثين والمتخصصين في مجال الصحة العامة التركيز على دراسة تجربة تلقِّي اللقاحات بالكامل؛ بدءًا من عملية الإنجاب، ومناقشة مسألة اللقاحات مع العائلة وداخل الدوائر الاجتماعية، واتخاذ قرار بشأن تطعيم الطفل، أو حتى حصول الفرد نفسه على لقاحات في وقت لاحق من حياته.

شائعات ومعلومات خاطئة

تدرس لارسون الشائعات المنتشرة حول اللقاحات، استنادًا إلى وقائع تاريخية بعينها، من أماكن مختلفة حول العالم (من الاحتجاجات المناهِضة للتحصين ضد مرض الجدري في القرن التاسع عشر، إلى مقاطعة حملات التحصين ضد مرض شلل الأطفال في نيجيريا في القرن الواحد والعشرين)، كاشفةً بذلك عن وجود منظومة مجتمعية، قِوامُها الخوف، والشك، والجنوح الدائم إلى تقييم المخاطر، لديها قدرة على التأثير في سلوك الأفراد. وحسبما تكتب لارسون: "لا شك أن الإعلام الرقمي قد أسهم في تضخيم مخاطر التحصين في نظر المجتمع، لكن لا يمكن إلقاء اللوم على طرف واحد في ظهور هذه الموجة مِن رفْض تلقِّي اللقاحات".

لقد أجريتُ أبحاثًا تؤيد هذا الطرح، وتُظهِر السرعة العالية التي تستطيع بها المعلومات الخاطئة تغيير سلوكيات الأفراد. ففي ظل جائحة "كوفيد-19"، ارتفع الطلب على عقار "هيدروكسي-كلوروكوين" hydroxychloroquine، المستخدَم في علاج الملاريا، عقب ادعاءاتٍ، لا أساس لها من الصحة، أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، زَعَم فيها أن بإمكان العقار علاج الإصابة بفيروس كورونا. وفي الوقت الذي سيكون فيه الطلب على لقاح "كوفيد-19" هائلًا، سيُقابَل بالرفض من البعض، ما يمثّل خطرًا على آخرين لن يستطيعوا تلقِّي اللقاح، نظرًا إلى موانع صحية أخرى.

وتوضّح المؤلفة كذلك أن أجسامنا تستجيب للمعلومات عن اللقاحات بطرق لا علاقة لها -في الغالب- بخصائص اللقاح نفسه؛ إذ تتنوع الاستجابات نفسيّة المنشأ ما بين فقدان الوعي، والتشنجات، حتى صعوبة التنفس. كما تختلف استجابة الجسم من حالة إلى أخرى، ولكنْ بمجرد أن تحظى استجابة معينة بدرجة من الانتشار، يصبح من الوارد عندها تكرار الحالة نفسها في أماكن أخرى. ومثال ذلك، ما حدث عند انتشار مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، تَظهَر فيها فتيات مصابات بالتشنج، وزُعم في تلك المقاطع أن هذه الحالة قد حدثت إثر تلقيهن لقاحًا ضد فيروس الورم الحليمي البشري (HPV). وبعد هذه الواقعة، شهدت بلدة صغيرة في كولومبيا موجة من تدفق الحالات إلى المستشفيات، بزعم أنها ترتبط بتلقِّي اللقاح المذكور. وانتهى التحقيق في الواقعة إلى أن هذه الأعراض الجسدية لم تنجم عن تلقِّي اللقاح، وإنما كان مردُّها إلى الخوف والقلق. وعندما أعلن الرئيس الكولومبي نتائج التحقيق، زاد ذلك من تشكُّك أهل البلدة الغاضبين في اللقاح، بخلاف ما كان متوقَّعًا.

وجدير بالذكر أنّ العدوى النفسية أيضًا قد تنعكس على سلوك الأفراد؛ فهُم يتداولون الشائعات حول أضرار مزعومة للقاحات، بدافع القلق، أو الغضب من اتهامات التربّح، أو الهيمنة السياسية على المواطنين. وهذا التخوّف الأخير -على سبيل المثال- هو الذي أفسد الحملة العالمية للقضاء على مرض شلل الأطفال، وهو جزء من الخطاب الأمريكي أيضًا.

كالنَّار في الهشيم

لا يمكن لأي كتاب يتناول التاريخ المعاصر للقاحات أن يتجاهل التأثير المروّع على الصحة العامة، الذي تَسبَّب فيه الادعاء الكاذب بأن لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية (MMR) يسبب التوحُّد. كان أندرو وايكفيلد قد نشر في عام 1998 دراسة، زعم فيها وجود علاقة بين هذا اللقاح، واضطراب التوحّد، غير أنها قد ثَبَتَ زيفها فيما بعد، وشُطب اسمه من سجل الممارسة الطبية على أثر ذلك. وتوضح لارسون كيف أن ظهور وايكفيلد قد ارتبط بظهور أدوات جديدة للبحث عن المعلومات، مشيرة إلى جانب لا يحظى بالدراسة الكافية في مناهج الصحة المعاصرة، وهو ما يتعلق بالاستخدام المتنامي للإنترنت، وكيف أنه مكّن الأفراد من مشاركة التجارب التي يمرون بها، وإنْ تباعَدَتْ بينهم المسافات. فقد انتشر ادّعاء وايكفيلد انتشارًا هائلًا، وكان -حسب وصف لارسون- "تأكيدًا بسيطًا ومتكررًا لقلق يعتمل في نفوس الناس"، وسَرَى بينهم كالنار في الهشيم في جَنَبات الفضاء الرقمي؛ ما تسبَّب في عودة ثلاثة من أمراض الخطيرة إلى الظهور. 

وللتغلّب على وباء المعلومات الخاطئة، تدعو لارسون العلماء إلى إشراك المجتمع بشكلٍ فعَّال في القضايا ذات الصلة باللقاحات؛ بحيث توضع آراء الأفراد في الاعتبار لدى وضع الخطة البحثية، على أن يستمر ذلك من خلال حوار مفتوح، كلما طرأَتْ أي مخاوف جديدة. فالتواصل العلمي، وفقًا لما ذكرته المؤلفة، يُختَزل -في كثير من الأحيان- داخل صورة التسويق ورفع الشعارات، بدلًا من الاستماع للناس، وإدماج النقاشات العامة ضمن هذه العملية. إن التردُّد بشأن تلقِّي اللقاحات هو مشكلة تتعلق باحترام الأشخاص بقدر ما تتعلق بكثرة الأكاذيب؛ إذ يتطلَّع الناس إلى أن تُحترم خياراتهم، وسط شعورهم المتزايد بغياب الثقة في المسؤولين.

تخلُص لارسون إلى أن رفع مستوى تقبُّل الأفراد للّقاحات مرهون بإحياء رغبتهم في حماية بعضهم بعضًا؛ إذ تصف التحصين بأنه يمثل "أحد أكبر التجارب على مستوى العالم في العصر الحديث التي يتجلَّى فيها مبدأ الجماعية والتعاون". تساعدنا محاولة لارسون هذه على استيعاب أن الحقائق ليست سوى قطعة واحدة من قِطَع هذه الأحجية، خاصة في عصر "كوفيد-19". ولا يمكن لشركات التواصل الاجتماعي أن تستمر في غض الطرف عن الدور الذي تؤديه تقنياتها في إحداث حالة من الشقاق تضرُّ بالصالح العام.

يبدو واضحًا، سواء من كتاب لارسون، أَم من أبحاثي، أن مواجهة حالة التردد بشأن التحصين تستدعي تشكيل ائتلاف واسع من العاملين في المجال الطبي، والصحافيين، ومنظمات المجتمع المدني، والتقنيين، يشتركون فيه معًا في وضع خطة لدحض المعلومات الخاطئة. فإذا لم نُجْر بحثًا لمعرفة كيف تتصدّر المعلومات الخاطئة محركات البحث، وكيف يجري تداولها عبر شبكة الإنترنت، وإذا لم نضع استراتيجية لاحتواء هذه العدوى المعلوماتية، فسوف تبقى اللقاحات مدعاةً إلى فُرقة المجتمع، بدلًا من توحيده أمام خطر مشترك، في وقتٍ نحن فيه أحوج ما نكون إلى تلك اللقاحات.

جوان دونوفان مديرة البحوث في مركز شورنستين للإعلام والشؤون السياسية والسياسات العامة، التابع لكلية كينيدي بجامعة هارفارد في مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس.

البريد الإلكتروني:  manipulation@hks.harvard.edu