أخبار

قِطَع أثرية بكهف تشعل جدلًا حول توقيت وصول البشر إلى الأمريكتين

أشارت قطع أثرية حجرية إلى وجود للبشر في الأمريكتين قبل أكثر من 30 ألف سنة، لكن لا يوجد إجماع على ذلك.

كولِن باراس
  • Published online:
أعمال التنقيب في كهف "تشيكيويتي" بالمكسيك.

أعمال التنقيب في كهف "تشيكيويتي" بالمكسيك.

Credit: Mads Thomsen

اكتشف علماء آثار كانوا يُجْرُون أعمال تنقيب في أحد كهوف جبال وسط المكسيك أدلة على أن هذه المنطقة كانت مأهولة بالبشر قبل أكثر من 30 ألف سنة، وهو ما يشير إلى وفود الإنسان إلى أمريكا الشمالية قبل التاريخ الذي افتُرض سابقًا لوصوله إليها بـ15 ألف سنة على الأقل.

وهذا الاكتشاف -الذي ضم من بين ما أسفر النقاب عنه مئات الأدوات الحجرية الأثرية- يعززه تحليل إحصائي شمل بيانات من مواقع أثرية أخرى، غير أن ما خلص إليه أثار جدلًا في أوساط بعض الباحثين.

قدِم أوائل البشر الوافدين إلى الأمريكتين من منطقة شرق آسيا، لكن توقيت بدء وصولهم إلى هناك يشعل جدلًا ساخنًا. إذ يرجح بعض الباحثين أن هؤلاء الوافدين وصلوا إلى القارتين في وقت مبكر يرجع إلى 130 ألف سنة، رغم أن معظم الأدلة الأثرية التي تؤيد هذه النظرية متنازع على صحتها. فعلى سبيل المثال، اتسمت قِطَع أثرية حجرية داعمة لهذه الفكرة ببساطتها الشديدة إلى حد أن المشككين في النظرية زعموا أنها نتاج عمليات جيولوجية طبيعية، وليست من صنع الإنسان. والرأي السائد في هذا السياق هو أن إعمار الأمريكتين بالبشر بدأ قبل حوالي 15 ألف أو 16 ألف سنة، وهذا بناءً على أدلة جينية، وقِطَع أثرية عُثر عليها في مواقع عدة، من بينها الموقع الأثري "مونتي فيردي II" Monte Verde II، الموجود في تشيلي، ويعود تاريخه إلى 14 ألف سنة.

 وجدير بالذكر أن الاكتشافات الأخيرة (C.F. Ardelean et al. Nature http://doi.org/d4wz; 2020) أدت إلى إثارة شكوك في هذا الرأي الأخير الذي تَوافق عليه الباحثون، إذ عثر فريق تَرَأّسه سيبريان أرديليان من جامعة زاكاتيكاس المستقلة في المكسيك –وهو فريق يجرى عمليات تنقيب منذ عام 2012 في كهف "تشيكيويتي" Chiquihuite"، المرتفع فوق مستوى سطح البحر بمقدار 2,740 مترًا في جبال أستيليرو في البلاد– على حوالي ألفي أداة حجرية، من بينها 239 أداة مدفونة في طبقات من الحصى، حدد التأريخ بالكربون عمرها بأنه يعود إلى ما بين 25 ألف و32 ألف سنة.

ويعتقد أرديليان أن الموقع ربما كان ملاذًا أوى إليه البشر في مواسم الشتاء القارس. ففي ذروة العصر الجليدي الأخير، الذي ساد قبل 26 ألف سنة، يُحتمل أن أمريكا الشمالية كانت بقعة محفوفة بالمخاطر. ويعلق أرديليان على ذلك قائلًا: "لا شك أن هذه البقعة اختبرت ظروف طقس مريعة، من عواصف، وبَرَد، وثلوج". وربما احتمى بالكهف مَن كان شاهدًا على هذه العواصف الثلجية الشديدة في هذه المنطقة.

ويقول فرانسوا لانوي -وهو عالِم آثار وأنثروبولوجيا من جامعة أريزونا في مدينة توسان- إن الفريق يؤكد بأدلة جيدة على أن بشرًا سكنوا الكهف؛ لكنه يضيف مستدركًا أنّ تفسير البيانات المستخلصة من الكهوف "من المعروف أنه شاق"، فمن المحتمل أن تكون هذه الأدوات الحجرية قد انتقلت إلى طبقات أعمق من الأرض، نتيجةً لنشاط جيولوجي، أو بيولوجي، ربما بفعل حيوانات تحفر جحورًا؛ وهو ما يجعلها تبدو أقدم من عمرها الحقيقي.

وهذا بافتراض أنها فعلًا أدوات حجرية. ففي ذلك الصدد، يقول كيرت ريدميكر، عالِم الآثار بجامعة ولاية ميشيجان في مدينة إيست لانسِنج: "عندما تكون قطعة أثرية ما أداة حجرية من صنع الإنسان، ستجد أن حوافها نُحتت كثيرًا". وهو لا يرى أي دليل واضح على ذلك في صور الورقة البحثية الخاصة بالفريق.

ويقر أرديليان بأن بعض هذه الأدوات يُحتمل أنه تحرك إلى طبقات أدنى من الأرض، رغم أنه يقول إن الأدوات الأقدم من بينها -البالغ عددها 239 أداة- كانت تقع تحت طبقة مصمتة من الطين تَشَكَّلت في العصر الجليدي الأخير، وهو ما يؤكد أن تاريخها يرجع -بلا شك- إلى ذلك العهد على أقل تقدير. ويصر أرديليان على أنها أدوات، بل يعتقد فعليًّا أن بعضها يشي بأنها من صنع مبتدئين كانوا يتعلمون هذه الصنعة على أيدي خبراء مهرة.

وباستثناء الأدوات الحجرية، عثر الفريق على أدلة قليلة نسبيًّا تنم عن أن بَشَرًا وُجدوا في الموقع. فقد بحث اختصاصيو علم الوراثة -بقيادة إيسكي ويلرسليف من جامعة كوبنهاجن- عن آثار لحمض نووي بشري قديم في أتربة الكهف، لكنْ لم يحالفهم الحظ.

 المستوطنون الأوائل

في دراسة ثانية (L.Becerra-Valdivia and T. Higham Nature http://doi.org/gg5s5f; 2020)، قام اثنان من المؤلفين المشاركين في دراسة أرديليان –وهما عالما الآثار توماس هايام، ولورينا بيسيرا فالديفيا، من جامعة أكسفورد في المملكة المتحدة – بالتوفيق بين الأدلة سالفة الذكر التي عُثر عليها في كهف "تشيكيويتي"، والبيانات المستخلصة من 41 موقعًا آخر في أمريكا الشمالية، وفي منطقة بيرينجيا في شرق سيبيريا وغرب ألاسكا. وأعدَّا نموذجًا إحصائيًّا لحركة استيطان البشر المبكرة لهذه المناطق. وخلصا منه إلى أن البشر وُجدوا في ربوع شتى من أمريكا الشمالية قبل التاريخ الذي حظي بإجماع العلماء بوقت كبير، والذي يقع في فترة تتراوح ما بين 15 ألف و16 ألف سنة مضت.

ويعتقد بعض علماء الآثار أن الوقت قد حان لتناول هذه الأفكار تناولًا جادًّا. وعلى سبيل المثال، يقول جون هوفكِر، عالِم الآثار بجامعة كولورادو بولدر: "إن مجموعة الأدلة المتنامية التي تشير إلى وجود البشر في منطقة بيرينجيا قبل 15 ألف سنة تقلل دهشتنا من ظهورهم في بقاع معينة، مثل المكسيك، في فترة ترجع إلى 20 ألف سنة، أو30  ألف سنة.

 يعارض آخرون هذا الطرح؛ ومنهم كولينز، الذي يرى أن بيسيرا فالديفيا، وهايام يفترضان أن المواقع الأثرية الأولى -مثل كهف "تشيكيويتي"- تقدم أدلة لا تدع مجالًا للشك على أنها شهدت نشاطًا بشريًّا قديمًا فيها، لكنه يقول: "هذا ليس صحيحًا بالمرة".

وتقر بيسيرا فالديفيا بأن الأدلة المستخرَجة من معظم المواقع -باستثناء الموقع الأثري "مونتي فيردي II"- هي موضع خلاف، لكنها تحاجج بأن دراستها تجاهلت عن قصد المعلومات المستقاة من أكثر المواقع إثارة للجدل، كي تعزز طرحها.

وإذا كان البشر قد وُجدوا في أمريكا الشمالية في تلك الحقبة المبكرة، فليس واضحًا ما حدث لهم. يقول ديفيد رايش، اختصاصي علم الوراثة بكلية هارفارد الطبية في بوسطن في ولاية ماساتشوستس: "لا زلنا نفتقر إلى الأدلة الجينية المقنعة على وجود البشر في الأمريكتين قبل 15 ألف سنة".

في حين يقول أرديليان إن هناك تفسيرًا بسيطًا لما تشير إليه الدراسات الجينية من أن انتشار البشر على مستوى الأمريكتين لم يبدأ إلا مؤخرًا نسبيًّا، وهو أن الجماعات البشرية الأولى -مثل تلك التي يعتقد أنها وُجدت في كهف "تشيكيويتي"- عجزت عن البقاء على قيد الحياة، كي تسهم في مخزون البيانات الجينية المعاصر. ويعقب أرديليان على ذلك قائلًا: "أنا قطعًا مؤيد لفكرة اندثار مجموعات بشرية".