كتب وفنون

معرض المحتالين

حوافز عصرنا الحاضر تُهدِّد الممارسات العلمية الجيدة. فهل كان الوضع يومًا ما أفضل؟

فيونا فيدلر

  • Published online:
تَعَرَّض عالِم الفيزياء البيولوجية هُو جانكواي للانتقادات، بعد تعديله لجينومات طفلتين توأمتين.

تَعَرَّض عالِم الفيزياء البيولوجية هُو جانكواي للانتقادات، بعد تعديله لجينومات طفلتين توأمتين.

Credit: Mark Schiefelbein/AP/Shutterstock

"خيالات علمية: كيف تُقوِّض ممارسات الاحتيال، والتحيز، والإهمال، والدعاية الصاخبة عملية البحث عن الحقيقة" 

ستيوارت ريتشي

دار نشر "متروبوليتان" Metropolitan (عام 2020)

في كتاب "خيالات علمية" Science Fictions، كَتَب عالِم النفس ستيوارت ريتشي يقول: "إنْ كنتَ قد سمعت بفكرة، مفادها أنَّك إذا أخذت صحنًا أكبر إلى بوفيه الطعام، فستأكل أكثر مما تستطيع لو لم تفعل ذلك، ستكون قد سمعت بشكلٍ غير مباشر عن البروفيسور برايان وانسينك". ووانسينك متخصصٌ في علم نفس التغذية، وقد شغل لعامين منصب مدير مركز إرشادات سياسات التغذية والترويج لها، التابع لوزارة الزراعة الأمريكية، كما نشر عديدًا من المقالات التي شكَّلت قاعدة الأدلة التي استندت إليها حركة "سمارتر لانش رومز" Smarter Lunchrooms في المدارس الأمريكية، والتي تشجع الطلاب على اختيار الأطعمة الصحية المحتوية على قدرٍ أكبر من العناصر المُغذية. لكن منذ ذلك الحين، أُثيرت شكوك حول مدى صحة أبحاث وانسينك، فيما تُعَد الآن واحدةً من أشهر القضايا من هذا النوع في مجال أبحاث التغذية. وقد سُحِبَت 18 ورقة بحثية من أبحاثه على الأقل، منها ستُ ورقاتٍ بحثية في يومٍ واحد.

تُشكِّل قضايا الاحتيال، والتحيُّز، والإهمال، والدعاية الصاخبة في مجال العلوم الموضوعات الأساسية التي يتناولها كتاب ريتشي. وبعض الحالات التي يُقدمِّها، مثل حالة وانسينك، تجتمع فيها هذه القضايا الأربع كلها على نحو مثير للفضول والانزعاج. والأمثلة التي يسوقها لنتائج الأبحاث المشكوك في صحتها تتنوع ما بين نتائج أبحاث حول القدرات الروحانية على التنبؤ، وأسلوب التهيئة النفسية، وفوائد اتخاذ "وضعية موحية بالقوة"، وعمليات زرع القصبة الهوائية، وميكروبيوم الأمعاء، والسمات الشبيهة بسمات التوحُّد لدى الفئران، والكائنات الحية المعتمِدة على الزرنيخ. ويتضمن الكتاب جميع ما سمعناه حتى الآن من قصص الفشل في تكرار نتائج التجارب، والممارسات العلمية السيئة، إلى جانب قصصٍ أخرى لم نسمع بها من قبل. وهذه القصص معًا تزيد من صعوبة تحقيق التوازُن بين النقد العلمي المسؤول، والمحافظة على الثقة في العلم.

يبدأ ريتشي كتابه بافتتاحيةٍ مُطمئِنة، يقول فيها إنَّه قد أتى لكي "يثني على العِلْم، لا لكي يطمسه". ومن عدة نواحٍ، يدافع الكتاب عن القيم والمُثُل العليا، التي يعتقد المؤلف أنَّنا قد انجرفنا بعيدًا عنها، وأهمها "معايير" العِلم التي وضعها عالِم الاجتماع روبرت ميرتون في عام 1942: العالمية، والحيادية، والمشاركة، والتشكيك المنهجي. ومع ذلك، لا يقر ريتشي بأنَّه حتى في بعض الحالات التي قد نعتبرها إنجازاتٍ نموذجية، لم يتَّبِع العلماء -في الغالب- هذه المعايير. وقد يؤدي هذا الطرح غير النقدي إلى إرباك المهتمين بالفلسفة الحديثة للعِلم.

ويستهل ريتشي عرضه لممارسات الاحتيال في العلوم بطرح بعض العناصر الأساسية، منها بِنْية المقالات المنشورة في الدوريات العلمية، ومصطلحاتٌ معينة، مثل الرفض المبدئي للأوراق البحثية، ومراجعة الأقران. وإذا وُضِعت هذه المقدمة جنبًا إلى جنب مع الملخَّص الذي يقدمه عن أزمة تكرار نتائج التجارب، ستكون مفيدةً للطلاب الجامعيين، أو القراء غير المتخصصين.

أمَّا الخبراء المُطَّلعون، فيمكنهم أن ينغمسوا مباشرةً في القسم المحوري من الكتاب. فهذه المجموعة الشاملة من الحوادث المؤسفة، والأخطاء، والقصص التحذيرية هي أبرز نقاط القوة في طرح ريتشي، إذ يتناول كتابه أمثلةً من مجالات التغذية، وعلم النفس الاجتماعي بالطبع، إلى جانب الكيمياء غير العضوية، والبيولوجيا التطورية، وعلم الجينات، وبيولوجيا السرطان، والاقتصاد، والصحة العامة، والتعليم، ليستعرض اتساع نطاق مشكلة قابلية نتائج الأبحاث للتكرار على صعيد التخصصات العلمية. وهذا سيساعد في بناء جسور، ليصل مَن يأملون في التصدي لأسباب تلك المشكلة من المتخصصين في دراسة منهجية البحث العلمي إلى حلول.

مقاييس معيبة

تُقسِّم الموضوعات الرئيسة الأربعة لريتشي القضايا المُعقَّدة المتداخلة التي يتناولها تقسيمًا بديهيًّا، وهو ما يسمح للحالات التي يُقدِّمها أن تتضح بجلاء، لكنني كنتُ أحيانًا أشعر ببعض الإحباط، لأنَّ الثمن كان فصل قضايا، كان من الأمثل تقديمها معًا، فتُشرح مثلًا مسائل بعينها، مثل القيم الاحتمالية، والقوة الإحصائية في فصولٍ مختلفة، وتُناقش مسألة التحيز في النشر في موضعٍ منفصل بدورها. ومع ذلك، في نهاية المطاف، كان هذا الثمن جديرًا بأن يُبذل.

ويختتم ريتشي كتابه بتناول المشكلات التي تعاني منها منظومات التحفيز في الثقافة العلمية، وكذلك مبادرات العلوم المفتوحة التي تهدف إلى إصلاح تلك المنظومات، فيشرح بوضوحٍ وفعاليةٍ قضايا معينة، مثل المقاييس المعيبة التي نستخدمها لتقييم جودة البحوث، بدايةً من مؤشرات "هيرش"، حتى معاملات التأثير، وكذلك ثقافة "النشر، أو الفشل" السائدة في المجال، التي يتعرض الباحثون فيها لضغوط من أجل نشر الأوراق البحثية، كي ينجحوا في وظائفهم الأكاديمية. ويقترح الكاتب حلولًا ممكنة لهذه المشكلات، مثل التسجيل المُسبَق لآليات إجراء الدراسة، وزيادة الشفافية. ويُنهِي كتابه بمناشدة الباحثين قائلًا: "اجعلوا العِلْم مُمِلًّا من جديد"؛ وهي عبارة مضحكة، على الرغم من عدم دقتها من الناحية التاريخية.

ويحاول الكاتب أن يُقِرّ بأن العِلْم مشروع اجتماعي وإنساني، مشيرًا في ذلك إلى أفكار الفيلسوفة هيلين لونجينو، بل يذهب إلى التصريح بأنّ "العلم تبنيه المجتمعات". ولذا، شعرتُ بالحيرة، لأنَّه بعد أن قدَّم ما تسوقه الفيلسوفة كورديليا فاين من حُجَجٍ داعمةٍ لإدراج وجهات النظر النسوية في مجال العلوم، لم يربط بين تلك الحجج، ومفهوم لونجينو للموضوعية الجماعية، بل رَفَض -عوضًا عن ذلك- أفكار فاين.

ويتلخص جوهر فكرة لونجينو في أنَّ الموضوعية في العِلْم هي مشروعٌ جماعي، وليست موقفًا فرديًّا. وللحفاظ عليها، لا بد أن يتميز المجتمع العلمي بالتنوع، وذلك للمساعدة في نقض أثر التحيز الفردي. ووجهات النظر النسوية هي مثالٌ على التنوع الذي تقصده لونجينو، الذي يُعَد مهمًّا لموازنة تأثير التحيز الخفي في الأوضاع الراهنة. وعلى ما يبدو.. فإنَّ ريتشي يرى أنَّ الحجج التي تسوقها فاين غير متوافقة مع الاستراتيجيات الأخرى الهادفة إلى الحد من التحيُّز، مثل التسجيل المُسبَق لآليات إجراء الدراسات والتجارب المُعَمَّاة. وأنا أختلفُ مع ذلك.. فكل هذه الاستراتيجيات هي أدوات تنتمي إلى مجموعةٍ واحدة.

لا وجود لعصر ذهبي للعلوم

أتفقُ مع ما يطرحه ريتشي بأنّ الباحثين قد تأقلموا مع الحوافز وممارسات النشر الفاسدة، والمقاييس غير الملائمة، وذلك من خلال ممارساتٍ معينة، مثل التلاعب بالقيم الاحتمالية، وفرط التوفيق بين التحليلات والبيانات، وغيرها من الممارسات الإشكالية، مثل رفض النقد، والتقاعُس عن رصد الأخطاء، وممارسة الاحتيال، لكنَّ ريتشي -في بعض الأحيان- يستند بدرجة كبيرة إلى فكرة وجود عصورٍ ذهبية في الماضي، كان العِلْم فيها مشروعًا يسعى فقط إلى البحث عن الحقيقة. فعلى سبيل المثال، يتحسَّر الكاتب على أنَّنا تركنا العِلْم "ليصبح مُدنَّسًا إلى هذه الدرجة، وليتعطّل تقدُّمه إلى هذا الحد المؤسف".

ويضيف ريتشي أنّ المشكلة قد بدأت "في لحظةٍ ما في رحلة العِلْم، حلَّت ما بين حقبتَي بويل، وأكاديميّي العصر الحديث"، قاصدًا العالِم والفيلسوف روبرت بويل. وربما تكون هذه مجرد عباراتٍ بلاغية جمالية، وقد يكون من المجحف للكاتب أن نستنتج منها إحالة تاريخية بعينها، بيد أنِّي أتساءل حقًّا عمَّا إذا كان ريتشي يعني بذلك أنَّه مَرّ على العلماء وقتٌ كانوا يتمسكون فيه بالمعايير التي اقترحها ميرتون. وإذا كان يقصد ذلك بالفعل، فإنَّني أظنُّ أنَّ معظم مؤرخي العلوم سيعارضون هذا الرأي بكل احترام.

وقرب نهاية الكتاب، بينما يتوسل إلينا ريتشي -مُحقًّا- أن نتحمل المسؤولية عن هذه الفوضى، يشير إلى لحظةٍ "مَنَح فيها المجتمعُ العلمي موافقته الجماعية لهذه الدراسات المحدودة من ناحية حجم عيّناتها"، لكنَّ ذلك النوع من الدراسات يسود المجال منذ أن أصبح معمولًا باختبارات الدلالة الإحصائية في مجالات العلوم الاجتماعية وعلوم الحياة بعد الحرب العالمية الثانية. وقد صاحبتنا ممارسات الاحتيال، والتحيز، والإهمال (والدعاية الصاخبة أيضًا، لكن ربما بدرجةٍ أقل) طوال الوقت. وهذا الميل إلى تفسير الوضع بسرديةٍ غير قابلة للإثبات لا يقوض كتاب "خيالات علمية"، لكنَّه يعوقه عن طرح رؤًى أعمق حولالكيفية التي وصلنا بها إلى ما نحن عليه الآن، وحول ما إذا كانت مجموعة الحلول المقترحة في الفصل الأخير من الكتاب كافية حقًّا لإخراجنا من هذا المأزق، أم لا.

فيونا فيدلر أستاذة جامعية، وزميلة باحثة في برنامج المنح المستقبلية التابع لمجلس البحوث الأسترالي، وتعمل بكل من كلية العلوم البيولوجية، وكلية الدراسات التاريخية والفلسفية في جامعة ملبورن الأسترالية.

البريد الإلكتروني: fidlerfm@unimelb.edu.au