افتتاحيات

روزاليند فرانكلين.. الاحتفاء بإرثٍ مُلهِم

في مئوية ميلاد روزاليند فرانكلين، من الإجحاف أن تظل ذكراها مرتبطة -في المقام الأول- بأنها "البطلة المغبونة" لقصة اكتشاف الحمض النووي.

  • Published online:

على قبر روزاليند فرانكلين، الواقع في مدافن الطائفة اليهودية بمنطقة ويلزدِن في لندن، نُقشت كلمة "عالِمة"، متبوعةً بهذه العبارة: "أبحاثها واكتشافاتها في مجال الفيروسات أسْدَتْ إلى البشرية خدمةً لن تبلَى، مهما طال الزمن".

قدَّمت فرانكلين، المعدودة من بين أبرز علماء القرن العشرين، إسهامات علمية عادت بالنفع على البشرية برُمَّتها. وتستدعي مئوية ميلادها، في شهر يوليو من العام الجاري، إفساح مساحات واسعة للتأمل في حياتها المهنية، وإسهاماتها البحثية، لا سيما دورها في التعجيل بالكشف عن بِنْية الحمض النووي.

وأكثر ما اشتُهرت به فرانكلين هي صورة حيود الأشعة السينية التي نشرتها بالمشاركة مع ريموند جوسلنج، الذي كان آنذاك طالب دراسات عليا يعمل تحت إشرافها، وذلك في عام 1953 (المرجع 1). وقد كان لهذه الصورة دور محوريٌّ في التعرُّف على بِنْية اللولب المزدوج للحمض النووي.

غير أنَّ إسهام فرانكلين البارز في أبحاث الحمض النووي ليس إلا جزءًا بسيطًا مما خلّفته وراءها من مُنجزاتٍ بحثية، وإرث علمي. فقد كانت تبحث في أسرار الطبيعة بعزيمةٍ لا تفتُر، كما تشعَّبت اهتماماتها العلمية، فتوزَّعَتْ بين مجالات الأحياء، والكيمياء، والفيزياء، واضعةً نُصب عينيها إعداد الأبحاث التي تفيد المجتمع. وإضافةً إلى ذلك، أحرزت تقدمًا لافتًا في عِلْم الكربون والفحم، وأصبحت خبيرة في مجال الفيروسات التي تتسبب في إصابة النباتات والبشر بالأمراض. والحقُّ أن الفضل يرجع إلى فرانكلين -والباحثين المتعاونين معها، ومن تبعوا خطاها- في قدرة الباحثين اليوم على استخدام أدوات مثل تحديد تسلسل الحمض النووي، ودراسة البلورات بالأشعة السينية، لإجراء أبحاث حول الفيروسات، ومنها فيروس "سارس-كوف-2" SARS-CoV-2.

بدأت فرانكلين مسيرتها المهنية البحثية في مجال العلوم الفيزيائية. وفي بعضٍ من أبحاثها المبكرة، في أربعينيات القرن العشرين، بما في ذلك أطروحتها التي تقدَّمت بها لنيل درجة الدكتوراة، ساعدت فرانكلين على تحديد كثافة الفحم، وبِنيته، وتركيبه؛ ومن المعلوم أن الفحم هو الوقود الحفري الذي شاع استخدامه في الماضي لتدفئة المنازل، وتوفير الطاقة لقطاع الصناعة. وقد سَعَتْ إلى فهم مسامِّية الفحم، قاصدةً من وراء ذلك، بالدرجة الأولى، التوصُّل إلى طرق أكثر فعالية لحرقه. ولكن، حسبما تشير باتريشيا فارا، مؤرخة العلوم في جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة، فإن مسامية الفحم كانت عاملًا أساسيًّا كذلك في فعالية أقنعة الغاز، التي استخدمها الجنود في الحرب العالمية الثانية، واشتملت على فلاتر من الفحم النباتي المُنشط. وبذا، ساعدت فرانكلين -على نحو غير مباشر- في تصميم معدات الحماية الشخصية الأهمّ في زمانها.

رسّخت الأبحاث التي أجْرَتْها فرانكلين حول الفحم سمعتها العلمية؛ إذ تناولَتْ أولى أوراقها البحثية -المنشورة في دورية Nature في يناير عام 1950- كيف يمكن لبعض إلكترونات الفحم أن تؤثر على طريقة تشتيت الفحم للأشعة السينية2. وفي العام التالي، قدمت إسهامها الأهمّ في علوم الفحم: اكتشاف أن الكربون الذي يتشكل أثناء احتراق الفحم على نوعين: إما كربون قابل للتحول إلى جرافيت (مُجَرْفَت)، أو غير قابل للتحول إلى جرافيت (غير مجرفت)، وأن لكل نوع منهما تركيبًا جزيئيًّا مميزًا3. وقد كشف هذا العمل عن الاختلاف الرئيس بين فحم الكوك، والفحم النباتي، وكلاهما من منتوجات احتراق الفحم؛ إذ يمكن تحويل فحم الكوك إلى جرافيت بلوري عند تعريضه لدرجات حرارة مرتفعة، وليس الأمر كذلك في حالة الفحم النباتي. وإضافةً إلى ذلك، أسهَم عمل فرانكلين في شرح السبب وراء احتراق فحم الكوك بكفاءة عالية، إذ يصل إلى درجة سخونة عالية، ولا ينتُج عن احتراقه سوى القليل من الدخان، ما يجعله مفيدًا في العمليات الصناعية، التي تحتاج إلى توليد كميات كبيرة من الحرارة، مثل عملية الصهر في مصانع الصلب.

انتقلت فرانكلين من دراسة الفحم إلى دراسة الفيروسات، التي ستُفتتن بها فيما تبقي من حياتها. وفي خمسينيات القرن العشرين، قضت فرانكلين خمس سنوات مثمرة في كلية بيركبيك في لندن، حيث وظَّفت مهاراتها في مجال الأشعة السينية؛ لتحديد بِنْية الحمض النووي الريبي في فيروس تبرقش التبغ (TMV)، الذي يهاجم النباتات، ويدمر محاصيل التبغ. اكتُشف الفيروس في تسعينيات القرن التاسع عشر، عندما كان الباحثون يحاولون عزل المُمْرض الذي كان يهاجم النباتات، ووجدوا أنه أصغر كثيرًا من أن ينطبق عليه وصف البكتيريا.

التقطت فرانكلين صورًا مفصّلة بتقنية حيود الأشعة السينية، لتصبح هذه الصور فيما بعد ذلك إنجازها المميز. وفي مرحلة ما، صححت فرانكلين تفسير جيمس واطسون للبِنْية الحلزونية لفيروس تبرقش التبغ. وكانت معرفتها ببِنْية الفيروس سبيلًا مكّن علماء آخرين من المضي قدمًا في هذا الاتجاه، بالتزامن مع بدايات مجال البيولوجيا الجزيئية، مُتخذين من فيروس تبرقش التبغ نموذجًا للمساعدة على فك الشفرة الجينية.

وبعدما تمكنت فرانكلين من تحديد بِنْية فيروس تبرقش التبغ، شرعت في دراسة فيروسات أخرى تصيب النباتات، وتتلف محاصيل زراعية مهمة، مثل البطاطس، واللفت، والطماطم، والبازلاء، ثم حوّلت مسارها مرة أخرى في عام 1957، وبدأت في دراسة الفيروس المسبب لمرض شلل الأطفال، الذي يشبه من الناحية البنيوية فيروس التبرقش الأصفر الذي يصيب اللفت. كان شلل الأطفال في ذلك الوقت مرضًا معديًا، مثيرًا للرعب. ومنذ ذلك الحين، أمكن القضاء على المرض في أغلب الأماكن، رغم استمرار ظهور بعض الحالات في باكستان، وأفغانستان.

همزة وصل عالمية

لم يُمهل العُمرُ فرانكلين؛ ففي عام 1956، شُخصت إصابتها بسرطان المبيض. وبعد سنتين، وافتها المنيَّة وهي في السابعة والثلاثين من عمرها. وفي العام التالي، نشر أرون كلوج، وجون فينش، وهما العالمان اللذان كانا يشاركانها أبحاثها، بِنْية فيروس شلل الأطفال، وأهديا الورقة البحثية إلى ذكراها4. وقد نال كلوج جائزة نوبل في الكيمياء في عام 1982، تقديرًا لجهوده في التوصُّل إلى بِنْية الفيروسات.

شاركت فرانكلين بفاعلية في دوائر المؤتمرات العلمية الدولية، وأبدَتْ حرصًا على التعاون مع شركاء من بلدان مختلفة. وقد فازت -بالمشاركة مع كلوج- بمنحة نادرة من معاهد الصحة الوطنية في الولايات المتحدة. ولعبت دور همزة وصل عالمية مع بدايات ازدهار مجال الأبحاث التي تتناول بِنْية الفيروسات؛ إذ كانت خبيرة ذائعة الصيت على المستوى الدولي في مجال الفيروسات المُمْرضة، وأوْلَتْ عناية بالغة لمسألة وضع أبحاثها موضع التطبيق.

إنَّ ذِكرى فرانكلين ترتبط -في أغلب الأحيان، وبكل أسف- بشعور بالأسى لعدم تَلَقِّيها ما تستحق من تقدير على إسهاماتها في اكتشاف بِنْية الحمض النووي. صحيحٌ أن هذا جزء من قصة حياتها لا ينبغي إغفاله، ولكن مكانتها تتجاوز بكثير دور "البطلة المغبونة"5. وقد حان وقت النظر إليها بعين التقدير، من زاوية اتساع نطاق إسهامها البحثي، وعمقه.

References

  1. Franklin, R. E. & Gosling, R. G. Nature 171, 740–741 (1953). | article
  2. Franklin, R. E. Nature 165, 71–72 (1950). | article
  3. Franklin, R. E. Proc. R. Soc. A 209, 196–218 (1951). 
  4. Finch, J. T. & Klug, A. Nature 183, 1709–1714 (1959). | article
  5. Maddox, B. Nature 421, 407–408 (2003). | article