افتتاحيات

انتصار جديد لأبحاث العلوم الأساسية

ظهور أداة يمكنها تحرير الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا بدقة، في إطار الجهود المبذولة للإجابة على تساؤلات مختلفة.

  • Published online:

دفعَتْ أسباب كثيرة جوزيف موجوس، عالِم الأحياء الدقيقة، لدراسة الحروب المجهرية، حيث إنّ فهم الصراعات التي بين البكتيريا وبعضها، على سبيل المثال، يمكن أن يساعد الباحثين على معرفة الأسباب التي تجعل بعض الميكروبات قادرة على إصابة الحيوانات والبشر بالأمراض. ومثلما يحدث، في كثير من الأحيان، في عالم البحث العلمي، فإن محاولاته لفهم مجموعة معينة من المشكلات قادته إلى أداة تُستخدم في مساحات مختلفة.

وصف موجوس، الذي يعمل في جامعة واشنطن في مدينة سياتل، وزملاؤه كيف مكَّنهم إنزيم فريد من تعديل جينومات الميتوكوندريا، وهي البِنى الأساسية المولِّدة للطاقة في العديد من الخلايا، (B. Y. Mok et al Nature http://doi.org/d3gd (2020).

ويُعَد هذا إنجازًا كبيرًا، خاصة أن الفريق لم يضع خططًا كهذه عندما بدأ العمل. وفي الوقت الذي تجبر فيه جائحة "كوفيد-19" COVID-19 هيئات التمويل على إعادة تقييم أولوياتها، يأتي ذلك الإنجاز كإشارة إلى قيمة الأبحاث الاستكشافية.

تنبع أهمية هذا الاكتشاف من حقيقة أن الطفرات التي تحدث في الحمض النووي للميتوكوندريا يمكن أن تؤدي إلى اضطرابات مدمرة، مثل "اعتلال لِيبر العصبي الوراثي البصري" Leber’s hereditary optic neuropathy، الذي يتسبب في فقدان البصر، وقد يؤدي إلى ضعف العضلات، وحدوث اضطرابات في عمل القلب. ويمكن معالجة هذه المشكلات، من خلال تحرير الجينومات، وإنْ كانت الطرق الحالية (ومنها تقنية "كريسبر- كاس9" CRISPR-Cas9) غير قادرة على إجراء تعديلات دقيقة على جينومات الميتوكوندريا، لأن المكونات الأساسية لذلك لا يمكنها النفاذ عبر الغشاء المحيط بالميتوكوندريا.

استهدف موجوس وفريقه -في الأساس- فهم الكيفية التي تستخدم بها البكتيريا السموم في محاربة بعضها بعضًا، والتأثير المُحتمل لذلك على النظم الإيكولوجية البكتيرية. ومن ثم، احتاج أعضاء الفريق في هذا السياق إلى الكشف عن مادة سامة يمكنها أن تترك أثرًا، ولذلك، قرروا البحث عن مادة سُمِّية يمكنها تغيير خصائص الحمض النووي للكائنات الحية التي تهاجمها.

وعليه، اختار الباحثون تتبع إنزيم يُسمى DddA. فهذا الإنزيم، عند مهاجمته للخلية، يعمل على تغيير قاعدة الحمض النووي السيتوزين (C)  إلي اليوراسيل (U)، الذي تقرأه آلية تضاعف الحمض النووي الخاصة بالخلية على أنها الثايمين (T). ولذا.. اقترح موجوس أن يُجْرِي فريقه بحثًا في ساحات المعارك البكتيرية، للكشف تحديدًا عما يدل على هذا التغيّر من السيتوزين إلى الثايمين، مفترضًا أن ذلك سيكون دليلًا على أن المادة السامة قد شكّلت النظام الإيكولوجي البكتيري.

وتوصّل الباحثون إلى أن إنزيم DddA يتسم بسلوك فريد، إذ إنه يُغيّر الحمض النووي مزدوج الشريط، في حين أن معظم الإنزيمات من نوعه لا يغيِّر سوى الحمض النووي أحادي الشريط. واكتشف الفريق أنه مع إدخال قليل من التعديلات على هذا الإنزيم، يمكن استخدامه في تحرير جينوم الميتوكوندريا مزدوج الشريط.  

يفتح هذا الاكتشاف بابًا، من شأنه أن يتيح معالجة اضطرابات الميتوكوندريا عند البشر، لكن ما تزال هذه التقنية بحاجة إلى المزيد من الاختبارات والتحسينات، إضافة إلى إجراء مشاورات واسعة النطاق ودراسة متأنية للجوانب الأخلاقية لها، لا سيما فيما يتعلق بالتطبيقات التي ستنشأ عنها تعديلات جينية قابلة للتوريث. كما أن من شأن هذه التقنية أن تولِّد زخمًا جديدًا فيما يخص جهود البحث عن مضادات حيوية؛ إذ يُستمد الكثير من هذه المضادات من ميكروبات التربة، وقد تَنْتُج عن تحرير جينات هذه الميكروبات مواد كيميائية جديدة مفيدة. وفضلًا عن ذلك، يمكن استخدام التقنية في تحرير جينات الميتوكوندريا عند الحيوانات، من أجل تطوير نماذج يمكن من خلالها دراسة الأمراض، التي يمكن استخدامها -بدورها- في البحث عن علاجات. وإضافة إلى ذلك، فهناك تطبيقات محتملة للتقنية في المجالين البيئي والصناعي. فقد أظهر الباحثون أن الإنزيمات الميكروبية -على سبيل المثال- تعمل على تحليل مادة البولي إيثيلين تيرفثالات (PET) المستخدَمة في صناعة البلاستيك على نطاق واسع، التي تُعَد من أسباب التلوث البلاستيكي، وتحولها إلى وحدات بنائها الكيميائية الأساسية. وقد يؤدي التحرير الجيني إلى زيادة فعالية هذه الإنزيمات. وكل ذلك يُعَد انطلاقًا من مجرد اكتشافٍ لم تكن له في بداياته علاقة تُذكر بأي من هذه التطبيقات.

ولن تُعد هذه الواقعة الأولى من هذا النوع، فعلى سبيل المثال، كانت تقنية "كريسبر - كاس9" -وهي جزء من نظام مناعي ميكروبي بدائي- قد اكتشفت هي أيضًا من خلال أبحاثٍ دافِعها الفضول العلمي، إذ اهتم العلماء بالتسلسلات المتكررة الغامضة في الحمض النووي لبعض الميكروبات، ولم يدركوا إلا فيما بعد أنه بالإمكان تسخير هذه التقنية في إجراء تعديلات موجَّهة على بعض الجينومات، بل -في الواقع- في أي جينوم تقريبًا خضعت فيه التقنية للاختبار. 

إنّ اكتشافات كهذه تقدِّم لممولي الأبحاث رسالة تذكيرية تأتي في وقتها المناسب. ففي الوقت الذي تتسبب فيه جائحة "كوفيد -19" في إلحاق الدمار بالأنظمة الاقتصادية، وبالمجتمعات، وتتسبب أيضًا في قِلة التمويلات، يتطلع الكثيرون -بطبيعة الحال- إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق لديهم. فهم مُثْقَلون بمهمة لا يُحسَدون عليها، تتمثل في تحقيق التوازن بين الاستثمار في الأبحاث الأساسية، والأبحاث التطبيقية. وكلا نوعي الأبحاث على الدرجة نفسها من الأهمية. وتبرِز جهود الخروج بعلاجات لـ"كوفيد-19"، ولقاحات له، أهمية الأبحاث التطبيقية والإكلينيكية، لكنْ ما على المرء إلا أن ينظر إلى سعي الباحثين المحموم لدراسة فيروس "سارس-كوف-2" SARS-COV-2، حتى يدرك كذلك أهمية الأبحاث الأساسية.