كتب وفنون

رحلاتُنا إلى الكوكب الأحمر

مع انطلاق ثلاث مَركَباتٍ فضائية نحو المريخ، تستعرض اختصاصية في علم الكواكب تاريخ البعثات السابقة في كتابٍ جديد.

ألكسندرا ويتزي

  • Published online:
تُنقِّب مؤلفة الكتاب سارة ستيوارت جونسون عن البقايا الميكروبية على الأرض، التي يمكن الاسترشاد بها في بحثنا عن دلائل الحياة على الكواكب الأخرى.

تُنقِّب مؤلفة الكتاب سارة ستيوارت جونسون عن البقايا الميكروبية على الأرض، التي يمكن الاسترشاد بها في بحثنا عن دلائل الحياة على الكواكب الأخرى.

Credit: David Goerlitz

فتنة المريخ: البحث عن الحياة في عالَمٍ آخر

سارة ستيوارت جونسون

دار نشر (كراون)  2020

في ظاهرةٍ لا تحدث إلَّا مرةً كل 26 شهرًا، تصطف مدارات الكواكب بطريقةٍ مواتية لإطلاق المَركَبات الفضائية من الأرض إلى المريخ. وفي شهري يوليو وأغسطس من العام الجاري، تنوي ثلاث دول الاستفادة من هذه الفرصة السانحة. فإذا جَرَتْ الأمور على ما يرام، ستُطْلِق كلٌّ من الولايات المتحدة والصين مَركَبةً جوَّالة صوبَ المريخ، كما ستُرسل دولة الإمارات العربية المتحدة مَركَبةً مدارية.

تُمثِّل هذه المَركَبات مستقبل استكشاف المريخ، فماذا عن ماضيه؟ تُقدِّم عالمة الكواكب سارة ستيوارت جونسون عرضًا شائقًا لهذا الماضي في كتابها "فتنة المريخ" The Sirens of Mars. فمِن خلال المزج بين المذكرات الشخصية والمعلومات العلمية التمهيدية، تُسلِّط جونسون الضوء على تاريخ علماء الفلك والمستكشفين الذين افتُتنوا بهذا الكوكب الجار، الذي لم يكن بالنسبة إلى القدماء أكثر من نقطةٍ حمراء تلمعُ في ظُلمة الليل.

تأتي جونسون في كتابها على جميع المَشاهد المُعتادة التي تُبرِز وَلَع البشر بالكوكب الأحمر على مرِّ العصور؛ فتمرُّ -على سبيل المثال- على الفلكي والمؤرخ جيوفاني سكياباريلي في القرن التاسع عشر، حين رصد خطوطًا مظلمة في الكوكب، سمَّاها بالإيطالية "canali"، أي جداول الماء الطبيعية، إلا أنها فُهِمَتْ خطأً على أنها قنوات مائية اصطناعية ترتبط بحضارةٍ قامت على سطح المريخ، ثم تمضي عقود، ونصل مع الكاتبة إلى الفلكي الأمريكي بيرسيفال لويل، الذي اعتمد على ثروة عائلته في بناء مرصدٍ في ولاية أريزونا، ورسْم خريطةٍ لكوكب المريخ من خلال التليسكوب ليلةً تلو الأخرى، على أمل الكشف عن عالَمٍ يعج بكائناتٍ حية عاقلة. ومرةً أخرى، تأخذنا الكاتبة إلى عالِم البيولوجيا الفلكية كارل ساجان، وأحلامه عن مخلوقات المريخ الشبيهة بالسلاحف، وعمله مع برنامج ناسا لمَركَبات الإنزال المعروف باسم "فايكنج" في سبعينيات القرن الماضي، لمعرفة ما إذا كانت تلك المركبات قادرةً على رصد دليلٍ حاسم على وجود حياة على سطح الكوكب، أم لا، (وقد باءت تلك المحاولات بالفشل).

تكمن قوة سردية جونسون في مزجها بين هذه القصص المألوفة، وخلفيتها كعالمة متخصصة في جيولوجيا الكواكب. فعلى سبيل المثال، عندما تصف تحليق بعثة "مارينر 4" Mariner 4 -التابعة لوكالة ناسا- على مقربة من كوكب المريخ في عام 1965، والتقاطها أوَّل صور فوتوغرافية لكوكبٍ آخر من الفضاء، فإنَّها تتناول هذه الواقعة من منظور أبيها، الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 18 عامًا، وكان يتابع البعثة بشغف من خلال ما تنشره الصحف من منزله في جبال كنتاكي. وتَعقِد مقارنةً بين التقرير المثير الذي نُشر في عام 1996 عن احتمالية العثور على ميكروباتٍ أحفورية في نيزكٍ مريخي (تبيَّن زيفه فيما بعد)، وبَحْث عائلتها عن الحفريات في مرتفعات الأبلاش. وعندما تستعرض الكاتبة عواصف الغبار المريخية الهائلة، وكيف أنَّها تَجلو سطح الكوكب، تصطحبنا إلى نفقٍ هوائي تستخدم فيه غبارًا مريخيًّا مُصطنعًا، لدراسة الكيفية التي تُرفَع بها الجسيمات، وتنتشر في تلك الدوامات الهوائية الكوكبية.

صواريخ ومَركَبات جوَّالة

في كتابها، تضع جونسون تصوُّرًا شاملًا لجهود استكشاف المريخ، مع التركيز على عصر الفضاء. وتشير في هذا الصدد إلى الأسماء البارزة من علماء المريخ الأمريكيين المُحدَثين. ومن بين هؤلاء، ريموند أرفيدسون، الذي يعكف على رصد المريخ عند أطوالٍ موجية مختلفة للضوء، لاستنباط المحتوى المعدني لصخور الكوكب الأحمر. وهناك أيضًا ماريا زوبر، التي رسمت خرائط لجاذبية الكوكب بواسطة مَركَبةٍ فضائية مدارية، وستيف سكوايرز، وجهوده في الإعداد لإرسال بعثتين إلى المريخ، وعلى متنهما مركبتان جوَّالتان، في الوقت ذاته. هذا.. ولكنْ لا تتوقع أن تقرأ في هذا الكتاب كثيرًا عن عمليات الاستكشاف الأوروبية أو الهندية للمريخ، لأنَّه يتناول الكوكب من منظور أمريكي خالص.

ومع ذلك، لعلَّك لا تجدُ خيرًا من هذا الكتاب دليلًا إلى مُكتشَفات بعثات وكالة ناسا المتعاقبة إلى المريخ، بدءًا ببيئاته الطبيعية المتنوعة تنوُّعًا مدهشًا، التي استكشفتها مَركَبة "سوجورنر" Sojourner الجوَّالة في عام 1997، وانتهاءً بالتكوينات الصخرية الغريبة التي تتخذ شكل "ثمار التوت الأزرق"، وهي تكويناتٌ دائرية من المعادن تشكَّلت في الرواسب الرطبة، وعُثِرَ عليها في موقع هبوط المَركَبة "أوبورتيونيتي" Opportunity في عام 2004. إنَّ هذه المعلومات ترسم -في مجموعها- صورةً لكوكبٍ كان نشطًا فيما مضى، وعجَّ سطحُه بالكثبان المُتحرِّكة، والأنهار الجارية، والرياح العاصفة.

في مكانٍ هذه هي معالمه، لا عجب أن يتوقع المرء وجود شكلٍ من أشكال الحياة. لذا، تُفتِّش جونسون في بيئات كوكبنا الأرضي، كلما أمكنها ذلك، بحثًا عن مؤشرات حول الكيفية التي يُمكن بها للحياة أن تنشأ على كوكب المريخ. ففي بركان "ماونا كيا" الخامد في هاواي، تعثر جونسون على نبتة سرخس صغيرة، تنبض بالحياة تحت شظايا من الحمم البركانية. وفي سهل نولاربور بأستراليا، تملأ بعض القوارير بالمياه الحمضية المُسبِّبة للتآكل من بِرَكٍ قديمة، غير أنها مُترعة بالميكروبات. كل هذه إشاراتٌ على أنَّ الحياة يمكن أن تنشأ حتى في أبعد الأماكن عن مخيلاتنا، رغم كل ما قد يعترضها من صعاب. وهكذا، فلا يبعُد أن تزدهر الحياة كذلك على هذا الكوكب المُجاور.

وهناك سؤال مُلِحّ الآن، هو: هل وُجِدت حياة على كوكب المريخ في أي وقتٍ مضى؟ تمثل الإجابة عن هذا السؤال أحد الأهداف المرصودة لإحدى البعثات المُنطلقة إلى الكوكب الأحمر هذا العام؛ إذ سوف تبحث مَركَبة "بيرسيفيرانس" Perseverance الجوَّالة -التابعة لوكالة ناسا- عن أشكال الحياة في فوهة "جيزيرو". ومن المعلوم أن نهرًا قديمًا كان يصب رواسبه في ذلك الموقع، وبالتالي، فسوف تُنقِّب المركبة في تلك الرواسب؛ بحثًا عن أية دلائل على وجود كائناتٍ مريخية، حاليًّا، أو في ​​الماضي. وإذا حالفها الحظ، فسوف تعثر على بقايا أغشيةٍ حيوية قديمة، أو بصماتٍ كيميائية لعناصر خضعَتْ للمعالجة من خلال أجسام كائناتٍ حية فضائية.

وقد تكون الحياة على كوكب المريخ مختلفةً عن نظيرتها على الأرض، ولكنْ إذا ما وُجدت حياة مريخية بالفعل، فسوف تكون قريبةً منها إلى الحد الذي يتيح لعلماء مثل جونسون التعرُّف عليها، بفضل دراستهم للحياة تحت ظروف قاسية على كوكبنا. لقد خطَّت المؤلفة بكتابها هذا رسالة حب صادقة لعلم الجيولوجيا في عالمنا، وفي عوالم أخرى أيضًا.

وإذا كان كوكب الزهرة هو توأم كوكبنا الأرضي من حيث الحجم والكتلة، فإنَّ المريخ هو موطن الخيال والدهشة. إنَّه الكوكب الذي طالما راود أحلامنا، ورأينا أنفُسنا نجُوب سهوله، وجباله، ووديانه الخالية من الهواء. وقد تشكَّلت معرفتنا بهذا الكوكب بالتدريج، اعتمادًا على ما يصلُ إلينا من صورةٍ فلكية هنا، أو أخرى مُلتقَطة من مَركَبة فضائية هناك، لتُشكِّل معًا تصوُّرنا عن الكوكب الأحمر، الذي يتكشَّف لنا رويدًا رويدًا. وها نحن في انتظار ما سوف يُفصِح عنه مبعوثو البشرية الثلاثة إلى ذلك العالَم الجار.

ألكسندرا ويتزي مراسلة دورية Nature، وتقيم في مدينة بولدر بولاية كولورادو الأمريكية.