موجزات مهنية

البحث عن خطةٍ للانسحاب من المجال الأكاديمي

تدفع جائحة كورونا بعض الباحثين ممن هم في مقتبل مسيراتهم المهنية إلى إعادة النظر في طموحاتهم بشغل المناصب الجامعية

كريس وولستون

  • Published online:

Credit: Adapted from Getty

قد لا تتضح التداعيات الكاملة لجائحة "كوفيد-19" على المهن العلمية إلَّا بعد سنوات، لكنَّ الثقة في المجال الأكاديمي كخيارٍ مهني تزعزعت بالفعل بسبب تعليق التوظيف بالجامعات، وغير ذلك من علامات الاضطراب الذي تشهده هذه المؤسسات. ففي الوقت الذي تحاول فيه الجامعات التأقلُم مع عالَم الجائحة، والصمود وسط ظروفه، تتجه أنظارُ عددٍ متزايد من طلاب درجة الدكتوراة، وغيرهم من الباحثين ممن هم في مستهل حياتهم المهنية، نحو وظائف الصناعة، والحكومة، والقطاعات الأخرى.

ولا نعلم عدد الباحثين الذين سيهجرون الوسط الأكاديمي في نهاية المطاف، سواء باختيارهم، أم بدافع الضرورة، لكن يتوقَّع مراقبو الوضع أن تشهد المهن العلمية تغيراتٍ ذات تبعات هائلة.

تقول ترايسي بوسولي، الاستشارية المهنية، ومدربة التنمية المقيمة في لندن، التي تتعاون مع جامعات في المملكة المتحدة وبقية أوروبا: "يرغب عددٌ متزايد من الأشخاص الذين يلجأون إليّ في ترك الوظائف الأكاديمية". وتضيف قائلة: "هم يفكرون في خطةٍ للانسحاب من المجال، لكنْ لا يعلمون كيف يحققون ذلك".

وأيًّا كان عدد الباحثين النازحين من الوسط الأكاديمي، سيكون عليهم أن يعدُّوا أنفسهم للتعامل مع طبيعة المشهد المهني الجديد الذي سيواجهونه، فمَن سيقررون منهم البحث عن وظائف في القطاع الصناعي ينبغي أن يتوقعوا مواجهة منافسةٍ شرسة، لكن باستطاعتهم اتخاذ خطواتٍ، كي يتميزوا عن جموع منافسيهم.

شواغل عالمية

انتشر التخوُّف من شغل الوظائف الأكاديمية حول العالم. ففي المملكة المتحدة، يمكن أن يفقد حوالي 30 ألف شخص وظائفهم في القطاع الجامعي، وفقًا لتقريرٍ أصدرته المؤسسة الاستشارية "لندن إيكونومكس" London Economics في شهر إبريل الماضي.

كما توقَّع تقريرٌ صدر في شهر مايو الماضي عن منظمة "يونيفرسيتيز أستراليا" Universities Australia أنَّ أكثر من 20 ألف شخصٍ سيخسرون وظائفهم الجامعية في النصف الثاني من العام الحالي. وعن ذلك، تقول إنجر ميوبِرن -مديرة التدريب البحثي في الجامعة الوطنية الأسترالية بمدينة كانبرا، ومؤلفة المدونة الشهيرة "ثيسيز ويسبرر" Thesis Whisperer- إن كثيرًا من الباحثين ممن هم في مقتبل مسيراتهم المهنية في أستراليا "يعيشون حالة من الفزع". وتضيف قائلة: "سيضطر أناس إلى خوض كثيرٍ من المحادثات الصعبة، واتخاذ كثير من القرارات العصيبة". ويواجه الباحثون الذين يعملون في الوظائف الأكاديمية بموجب عقودٍ قصيرة الأجل ضغوطًا أشد وطأة في هذا السياق. ومن هنا، تقول ميوبِرن: "إذا عملتُ باحثةً في مرحلة ما بعد الدكتوراة، فسأنسحب من الوسط الأكاديمي في أسرع وقتٍ ممكن".

أما في ألمانيا، حيث يُعدُّ تباطؤ حركة التعيينات الجامعية -أو تعليقها تمامًا- أقل شيوعًا، كانت الأشهر القليلة الماضية بمثابة وقت للتدبر وإعادة النظر. وعلى سبيل المثال، خلال أشهر فَرْض إجراءات الإغلاق وتقييد الحركة في البلاد، عكفت سيسيل بيتي -عالمة البيولوجيا الجزيئية، وممثلة باحثي دراسات ما بعد الدكتوراة في مختبر البيولوجيا الجزيئية الأوروبي (EMBL) في مدينة هامبورج- على التواصل مع زملائها من باحثي ما بعد الدكتوراة، لتذكيرهم بأنَّ لديهم خياراتٍ أخرى متاحة غير الوظائف الأكاديمية. وتقول في ذلك الصدد: "في الواقع، ربما ستساعدهم الجائحة"، مُضيفةً أنَّهم إذا قرروا الآن التوجه إلى قطاع الصناعة، فلن يضطروا إلى قضاء عشر سنوات في إجراء دراسات ما بعد الدكتوراة، ليكتشفوا في نهاية المطاف أنَّه لا توجد وظائف أكاديمية ثابتة تلوح في الأفق.

وتقول بيتي -التي شارفت على الوصول إلى العام الأخير في تعاقدها كباحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراة- إنَّها أدركت أنَّ المجال الأكاديمي لا يناسبها، حتى قبل أن تُنهِي دراسة الدكتوراة في عام 2018 بجامعة توليدو في ولاية أوهايو الأمريكية. وتضيف أنّ الإحصاءات في هذا السياق ثبَّطت من عزيمتها، فعددٌ كبير للغاية من باحثي ما بعد الدكتوراة كانوا يتنافسون على عددٍ محدود للغاية من الوظائف المُؤهِّلة للمناصب الأكاديمية الدائمة بالجامعات، وهو ما كان يؤدي بالكثيرين إلى أن يَعْلَقوا لسنواتٍ طويلة في وظائف لا مستقبَل لها. وما كان من الجائحة التي ضربت العالم، والركود الاقتصادي الناجم عنها، إلا أنْ عزَّزا اقتناعها هذا. ولا تعتقد بيتي أنها الوحيدة التي تتبنى هذا الفكر، حيث تقول: "يُدرِك طلاب الدكتوراة وباحثو ما بعد الدكتوراة أن فرصهم منعدمة" في المجال الأكاديمي، وتضيف قائلة: "وبالأخص في الوقت الحالي".

وتشير التجارب السابقة إلى أنَّ النقص في المناصب الجامعية الدائمة والوظائف المُؤهِّلة لها سيتفاقم للأسف في السنوات المقبلة. ولعل الركود الحاد الذي شهده العالَم في الفترة من عام 2007 إلى عام 2009 يوفر لنا درسًا قويًّا في هذا الصدد. فعلى سبيل المثال.. تزامن هذا الكسادُ في الولايات المتحدة مع تحولٍ كبير نحو الوظائف المؤقتة. ووفقًا لتقريرٍ صادر عن مكتب محاسبة الحكومة الأمريكية، ففي الفترة من عام 2007، حتى عام 2011، تراجَع قليلًا عدد وظائف الدوام الكامل المؤهِّلة للمناصب الأكاديمية الدائمة في كل مؤسسة تعليم عالٍ. وزاد عدد وظائف الدوام الكامل المشروطة أو غير المُؤهِّلة للمناصب الأكاديمية الدائمة على مدار الفترة الزمنية نفسها بنسبة 20% تقريبًا، كما ارتفع عدد وظائف الدوام الجزئي بنسبة 14%.

وحتى إنْ وصلت معدلات النزوح من المجال الأكاديمي إلى مستوياتٍ غير مسبوقة، سيظل بإمكان الباحثين عن الوظائف التميُّز، حسبما يرى كريستوفر كاترين، خبير استراتيجيات التواصل، المُقيم في مدينة نيو أورليانز بولاية لويزيانا، ومؤلف الكتاب الذي سيصدر قريبًا تحت عنوان "الرحيل عن الوسط الأكاديمي" Leaving Academia. فأولًا، على النازحين من الوسط الأكاديمي أن يتعلموا كيفية تسليط الضوء على المهارات التي اكتسبوها خلال شغل وظائفهم الجامعية. ويضيف كاترين -في هذا الصدد- قائلًا: "بدلًا من إخبار الناس بما تفعله، أَطْلِعهم على كيفية قيامك به". فعندما يصف الأكاديميون أعمالهم، ينبغي لهم أن يركزوا على العمليات والنتائج المهمة لصاحب العمل. ويوضح كاترين كلامه قائلًا: "إذا كنتُ أتواصل مع شخصٍ من عالَم الأعمال، فلا أخبره بأنِّي كنتُ أُدرِّس لثلاثة صفوفٍ في الفصل الدراسي الواحد، لأنَّ هذه المعلومة لا تعني له شيئًا، بل أخبره بأنَّني جمعتُ للقسم 500 ألف دولار سنويًّا من عائدات التدريس".

تكوين العلاقات

تنشد بيتي إيجاد وظيفةٍ في القطاع الصناعي في أوروبا، وتحاول بالفعل تكوين شبكةٍ من العلاقات مع من يمكنهم مساعدتها. ومن بين جملة أنشطةٍ أخرى، تبحث عن وظائف شاغرة على شبكة "لينكد إن" LinkedIn الإلكترونية المهنية، لكن حاليًّا ينصَبّ تركيزها على العثور على موظفين بالشركات التي تثير اهتمامها، ممن قد يمكنها التحدُّث معهم، كي تتعلم المزيد عن العمل بتلك الشركات. كما تعتزم التواصل مع الأعضاء السابقين بفريق مختبر البيولوجيا الجزيئية الأوروبي، الذين انتقلوا إلى العمل بالقطاع الصناعي. وتقول عن خطواتها هذه: "سبيل الحصول على وظيفة هو تكوين العلاقات. ولا ينبغي لك أن تؤخر البدء في ذلك حتى تحتاج إلى وظيفة".

أمَّا ميوبِرن، فترى أنَّ الباحثين الذين يواجهون صعوباتٍ في إيجاد وظائف خارج المجال الأكاديمي ربما يحتاجون إلى توسيع نطاق بحثهم. وقد عكفت هي وزملاؤها على استخدام تقنيات تعلُّم الآلة، لتحديد الوظائف الشاغرة التي قد تناسب مهارات شخصٍ يحمل درجة الدكتوراة. وتقول إنَّ حوالي 80% من الوظائف التي عثروا عليها حتى الآن لا تستهدف تحديدًا حملة الدكتوراة، وهو ما يعني أنَّ الباحثين عن الوظائف ستفوتهم تلك الفرص إذا كانوا يبحثون عن كلمة "دكتوراة" في قائمة متطلبات الوظائف. وتخطط ميوبِرن في شهر أكتوبر المقبل لإطلاق خدمةٍ بِرُسُوم، تسمح للباحثين المشتركين فيها حول العالم بتصفح الوظائف الشاغرة التي تُحدِّدها الخدمة على أنَّها مناسِبةٌ لحملة الدكتوراة.

ومن ناحيةٍ أخرى، تقول بوسولي إنَّ حمَلة الدكتوراة لديهم سببٌ يدعوهم للتفاؤل، رغم المناخ الاقتصادي الحالي، وتوضح ذلك قائلة: "حملة الدكتوراة يملكون من المهارات ما يجعل أرباب العمل يرغبون بشدة في توظيفهم. ولأن قطاع الصناعة سوف ينطوي دائمًا على عمليات بحث وتطوير، ما عليهم سوى إقناع الآخرين بمهاراتهم، وخبراتهم". وتُذكِّر بوسولي كثيرًا الباحثين بأنَّهم يستطيعون التقدُّم إلى الوظائف، حتى إذا لم يستوفوا جميع متطلباتها. وتقول عن ذلك: "تبحث الشركات عن الإمكانات، والقدرة على التعلم بسرعةٍ كبيرة. والباحثون ممن هم في مقتبل مسيراتهم المهنية لديهم قَدْرٌ كبير من هذه المهارات".

وتشير بوسولي في النهاية إلى أنَّها ما زالت تُصادف الكثير من العلماء المبتدئين الذين ما زالوا مهتمين بشَغْل وظيفةٍ في المجال الأكاديمي. وتقول عن ذلك: "ثمة اختلافٌ كبير بين الواقع، وطموحات الناس. وأريد لهم أن يتحلُّوا بالمرونة، والانفتاح. وإنني أؤمن إيمانًا شديدًا بإمكانات حملة الدكتوراة، وأثق في قدراتهم على تجاوز هذه الأزمة".
كريس وولستون كاتب حر، يقيم في مدينة بيلينجز بولاية مونتانا الأمريكية.