أخبار

جائحة كورونا تُعجِّل بتجربةٍ ضخمة لفكرة الدخل الأساسي المعمم

يُرحِّب خبراء الاقتصاد بالفرصة التي أتاحتها الجائحة، لمعرفة ما إذا كان من الممكن تحسين سُبل العيش عن طريق منْح الأفراد أموالًا دون أي قيود، أم لا.

كاري أرنولد
  • Published online:
مُتطوِّعون في مدينة برشلونة الإسبانية يُعِدّون حزمًا من المساعدات الغذائية للأشخاص المُعرَّضين لخطر الجائحة في البلاد.

مُتطوِّعون في مدينة برشلونة الإسبانية يُعِدّون حزمًا من المساعدات الغذائية للأشخاص المُعرَّضين لخطر الجائحة في البلاد.

XINHUA NEWS AGENCY/SHUTTERSTOCK

شرعت الحكومة الإسبانية في تنفيذ ما قد يعلق بالأذهان، بوصفه أكبر تجربةٍ اقتصادية في العالم. ففي الخامس عشر من يونيو الماضي، أطلقت الحكومة موقعًا إلكترونيًّا يُقدِّم إعاناتٍ شهرية تصل قيمتها إلى 1015 يورو (1145 دولارًا أمريكيًّا) للأُسَر الأفقر في البلاد. وقد دفعَتْها إلى ذلك أزمة جائحة فيروس كورونا وتداعياتها الاقتصادية.

وهذا البرنامج، المزمع أن يدعم 850 ألف أسرة، يُعَد أكبر تجربةٍ حتى الآن لفكرةٍ تُعرف باسم الدخل الأساسي المعمم (UBI)، وهي فكرة يحصل الناس بموجبها على مبلغٍ نقدي شهريًّا، لينفقوه كيفما أرادوا. وقد نوقِشِت تلك الفكرة كثيرًا، لكنَّها لم تُختبر قط على نحوٍ وافٍ. ويُراقِب الاقتصاديون حول العالم سير هذه الخطة عن كثب لمعرفة تأثيرها على سُبل العيش.

تأتي تلك الخطوة بالتزامن مع اضطرابٍ اقتصادي غير مسبوق، تسبَّبت فيه جائحة فيروس كورونا الجديد. ويذكر أن إسبانيا كانت إحدى أكثر دول العالم تضرُّرًا من الجائحة في الأيّام الأولى لتفشِّيها. ورغم أنَّ تدابير الإغلاق التي طُبِّقَت على مستوى البلاد حدَّت من انتشار الفيروس، كانت لها تداعياتٌ مالية مَهولة، إذ خسر ملايين الأشخاص وظائفهم مع التدهور الاقتصادي السريع، وهو ما هدد عددًا كبيرًا من المواطنين الأكثر عرضة للتضرر من الجائحة.

وفي ذلك الصدد، يقول دامون جونز، خبير الاقتصاد من جامعة شيكاجو في ولاية إلينوي: "إذا أمكن أن تسنح يومًا ما فرصةٌ لمحاولة الضغط من أجل تطبيق حدٍّ أدنى للدخول يحصل عليه الناس نقدًا، فموعدها اليوم".

وتجدر الإشارة إلى أنه قبل حتى أن تضرب جائحة فيروس كورونا إسبانيا، كانت حكومة البلد الائتلافية ذات التوجُّه اليساري قد اقترحت هذه الخطة، التي تمثل صورةً مختلفة من فكرة الدخل الأساسي المعمم، يُطلق عليها اسم "الحد الأدنى المضمون من الدخل"، لكنَّ حالة الطوارئ الاقتصادية التي تسببت فيها الجائحة عجَّلت بتطبيق الخطة. ومن شأن هذه المنظومة أن تُخصِّص مبلغًا شهريًّا ثابتًا لكل أسرةٍ مُستَحِقَّة، دون قيود. وحسبما يقول وزير التضامن الاجتماعي الإسباني خوسيه لويس إسكريفا، فإنَّ الهدف منها هو إمداد المستفيدين بما يكفي من المال، لتلبية احتياجاتهم الأساسية، دون الإيقاع بهم في براثن الفقر، كما تفعل برامج الرعاية الاجتماعية القائمة، التي تقصُر دعمها على مَن ليست لديهم وظائف أو مصادر دخل أخرى.

ويُقدِّر خوسيه أنّ هذه الخطة ستُكلِّف الحكومة ما لا يقل عن 3 مليارات يورو كل عام. وعلى حد قوله، فإن "هناك اهتمامًا شديدًا في إسبانيا بهذه الخطة"، لأنَّ الموقع الإلكتروني الذي يتسنَّى للمواطنين من خلاله التقدُّم للحصول على الإعانات انطلق في الخامس عشر من يونيو الماضي، وتلقَّى أكثر من 50 ألف طلبٍ خلال الساعات الأربع الأولى من تشغيله.

وجديرٌ بالذكر أنَّ بلدانًا أخرى عديدة جرَّبت فكرة الدخل الأساسي المعمم، لكن حتّى وقتنا هذا، اقتصرت معظم التجارب على بضع مئاتٍ أو آلاف من المواطنين. أمَّا خطة إسبانيا، التي أقرّها مجلس وزراء البلاد في التاسع والعشرين من مايو الماضي، فهي الخطة الأولى التي تُطبَّق على الصعيد الوطني. ويرى الباحثون أنها يمكن أن تتيح فرصةً حقيقية لدراسة آثار مثل هذه الخطط، دون القيود المصاحِبة للتجارب صغيرة النطاق. كما أنَّ دولًا أخرى -من بينها إسكتلندا، والمملكة المتحدة، وكندا- تناقش منذ فترة إمكانية تطبيق فكرة الدخل الأساسي المعمم كوسيلةٍ لدعم الأشخاص الأكثر تضررًا من الجائحة. 

تقول إيفيلين فورجيه، خبيرة الاقتصاد بجامعة مانيتوبا في مدينة وينيبيج الكندية: "يُدرك الكثيرون منَّا أوجه القصور في البرامج المُطبَّقة لدينا حاليًّا. ولا يدهشني على الإطلاق هذا الاهتمام المتزايد بفكرة الدخل الأساسي المعمم". وتضيف قائلة: "أعتقد أنَّ الناس بدأوا يدركون حاليًّا أنَّ سياساتنا القديمة كافة موضوعة للتعامل مع نوعٍ آخر من الركود، وأنَّها ليست كافيةً ببساطة لمواجهة هذا الوضع"

أموالٌ دون مقابل

إنَّ فكرة الدخل الأساسي المعمم ليست بالجديدة؛ إذ اقترح الفيلسوف الإنجليزي توماس مور مثل هذه الفكرة في عام 1516 في روايته "يوتوبيا" Utopia، وإنْ لم يبدأ علماء الاقتصاد في التفكير في كيفية تطبيقها بمزيد من الجدية إلا بحلول الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. وطرح أيضًا الاقتصادي الأمريكي ميلتون فريدمان في عام 1962 فكرةً قريبة منها، أُطلق عليها اسم ضريبة الدخل السلبية، حيث يتلقَّى بموجبها مَن يقل دَخْله عن مبلغٍ معيَّن تمويلًا إضافيًا من الحكومة، بدلًا من دفع الضرائب. وقد أجْرت الولايات المتحدة وكندا دراساتٍ استطلاعية في السبعينيات على عددٍ من البلدات والمدن، لدراسة فكرة ضريبة الدخل السلبية في حال الولايات المتحدة، وفكرة الدخل السنوي المضمون في حال كندا، لكنَّ التوجُّه المحافظ الذي اكتسح حكومتيّ البلدين في مُستهل الثمانينيات قضى على الاهتمام بتلك السياسات، مع وجود استثناءٍ وحيد. فمنذ عام 1982، تُوزِّع ولاية ألاسكا أرباح استخراج النفط من خليج برودو على جميع مواطني الولاية، بغض النظر عن أعمارهم، أو أوضاعهم الوظيفية، أو أية قيودٍ أخرى.

يمكن لسكان ولاية ألاسكا التقدُّم للحصول على إعاناتٍ من صندوق الولاية الدائم، بغض النظر عن أوضاعهم الوظيفية.

يمكن لسكان ولاية ألاسكا التقدُّم للحصول على إعاناتٍ من صندوق الولاية الدائم، بغض النظر عن أوضاعهم الوظيفية.

Loren Holmes/Adn/Alaska Dispatch News/ZUMA Wire/Alamy Live News

وفي الآونة الأخيرة، مع حلول عمليات التشغيل الآلي محل عديدٍ من الوظائف، تزايد استحسان فكرة الدخل الأساسي المعمم وشبيهاتها في أوساط الاقتصاديين، وأخذت تلك الأفكار تسود، بعد أن كانت أفكارًا اقتصادية مهمشة، حسبما أوضح جاي ستاندينج، خبير الاقتصاد في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، الذي شارك في تأسيس مجموعة "بايزيك إنكوم إيرث نيتوورك" Basic Income Earth Network، المُناصِرة لتطبيق فكرة الدخل الأساسي المعمم. وأيَّد أيضًا رواد أعمال في وادي السيليكون بحماسٍ فكرة الدخل الأساسي المعمم، لا سيَّما إيلون ماسك، ومارك زوكربرج. كما ترشَّح لانتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2020 أندرو يانج، بناءً على برنامج سياسي يرتكز على فكرة الدخل الأساسي المعمم.

وجدير بالذكر أن العقد الماضي شهد انطلاق عدد من التجارب، لاختبار فكرة الدخل الأساسي المعمم حول العالم. وقبل أن يبدأ تطبيقها في إسبانيا، كانت التجربة الأكبر للفكرة تتمثَّل في الخطة المُطبَّقة حاليًّا، التي تديرها مؤسسة "جيف دايركتلي" GiveDirectly الخيرية، والتي توزع إعاناتٍ بقيمة 2250 شلنًا كينيًّا (21 دولارًا أمريكيًّا) على 21 ألف شخصٍ بالغٍ في غرب كينيا. وجُرِّبت أيضًا أشكالٌ مختلفة من فكرة الدخل الأساسي المعمم في مشروعاتٍ صغيرة بدول الهند، وناميبيا، والبرازيل، وفنلندا، وولاية كاليفورنيا الأمريكية، ومناطق أخرى. وقد كان لتلك التجارب بعض النتائج الإيجابية، فعلى سبيل المثال، تمكَّن مشروعٌ كان يُوفِّر 100 دولار ناميبي شهريًّا (7 دولاراتٍ أمريكية) لحوالي ألف شخصٍ في قرية أوتجيفيرو بناميبيا من زيادة معدَّلات الحضور في المدارس بنسبة 92%، وخفَّض أيضًا معدَّلات سوء التغذية لدى الأطفال من 42% إلى 10%. وتتفق تلك النتائج مع ما توصَّلت إليه إيفيلين فورجيه حين حلَّلت بيانات دراسةٍ كندية أُجرِيَت في السبعينيات، عُرفت باسم "تجربة الدخل السنوي الأساسي" في مقاطعة مانيتوبا. فعندما تلقَّت العائلات منخفضة الدخل من مدينة دوفين في براري كندا مدفوعاتٍ شهرية تنفقها كيفما شاءت في تلك التجربة، تحسَّنت صحتها النفسية، وقضى مراهقوها عامًا إضافيًّا في المدرسة، وانخفضت معدَّلات دخول أفرادها للمستشفيات بنسبة 8.5%.

الفقر الناجم عن الجائحة

يأمل إسكريفا في أن يُسفِر مشروع الدخل السنوي المضمون في إسبانيا عن نتائج مماثلة. ولأنَّ ميزانيته لا تزيد على نسبة قوامها 0.2% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، يقول الوزير إنَّ الحكومة الإسبانية لن تستهدف سوى تلك الأُسَر ذات الدخول الأقل، التي يُقدَّر عددها بحوالي 850 ألف أسرة.

وستُوزَّع الأموال شهريًّا على هذه الأُسَر، بمبالغ تتراوح قيمتها بين 462 يورو للبالغين العُزّاب، و1015 يورو للعائلات الأكبر. وباب تقديم الطلبات مفتوح عبر الموقع الإلكتروني، رُغمَ أنَّ 8% من الأسر ذات الدخول الأقل تلقَّت إعاناتها الأولى بحلول أواخر يونيو الماضي، دون الحاجة إلى تقديم الطلبات.

ويقول ستاندينج إنَّه رغم أنَّ الضجَّة التي أثارها المقترح الإسباني تفيد مُناصِري فكرة الدخل الأساسي المعمم، فإنه "مُحبطٌ" من تفاصيل المقترح، إذ إن الإعانات لن تُصرَف لجميع الإسبانيين. ومن ثم، يمكن القول إنّ المقترح ليس معممًا تمامًا. ويضيف أنه إذا لم تُفلح تلك التجربة، ربما ينظر الناس إليها بمثابة فشلٍ لفكرة الدخل الأساسي المعمم بأسرها.

ويشير ستاندينج في هذا الصدد إلى إخفاق إحدى التجارب الفنلندية كبرهان. وقد دفع ذلك المشروع لمجموعةٍ من الفنلنديين العاطلين عن العمل مبلغ 560 يورو شهريًّا، واستمر لعامي 2017، و2018، ثم أُلغِيَ لأنَّ نتائجه أفادت بأنَّ احتمالية العثور على وظائف بين المشاركين فيه لم تختلف عنها في مجموعة المُقارَنة في التجربة، التي كانت تتلقَّى إعانة البطالة المعتادة من الحكومة، لكنَّ تلك التجربة اقتصرت على ألفي شخص فحسب، وتعيَّن فيها خفض الإعانات الحكومية الأخرى التي كان يحصل عليها المشاركون، وقد صعَّب هذان العامِلان قياس نتائج البرنامج.

وترى إيوانا مارينيسكو -وهي خبيرة اقتصاد بجامعة بنسلفانيا في مدينة فيلادلفيا الأمريكية- أنَّه قد يكون من الصعب تقييم الخطط المُستَلهَمة من فكرة الدخل الأساسي المعمم، التي تستهدف المواطنين على أساس دخولهم. وتوضح هذا قائلة: "إذا كان الأفراد لا يتأهلون لاستحقاق الإعانة، إلا عندما تكون دخولهم أقل من حدٍّ مُعيَّن، فهذا يُشكِّل عاملًا قويًّا للغاية يُثبّطهم عن كسب دخولٍ تتجاوز هذا الحد، لأنَّهم سيخسرون حينها المساعدات التي يحصلون عليها. وتصف مارينيسكو هذه المعضلة قائلة: "نُطلِق على هذا اسم فخ الفقر". وتضيف أنّ محاولة إسبانيا مساعدة جميع سكانها الأكثر فقرًا تُعَد علامةً جيدة، لكنّ هذا يُصعِّب على العلماء دراسة تأثير المبادرة، لأنَّ "التجربة لا تتضمن مجموعة مقارَنة". 

ويشير إسكريفا إلى أنَّ بلاده لا تُطبِّق هذه الخطة كتجربة أو دراسةٍ بحثية بالمعنى المعتاد للكلمة، رغم وجود خططٍ لتقييم البرنامج باستمرار، لمتابعة ما إذا كانت هذه الإعانات تقلل مستويات الفقر، وتُعزز معدَّلات التوظيف، وتُحسّن سُبُل العيش. ويقول أيضًا إنَّ الحكومة لا تُخطِّط لإيقاف المشروع حينما يصبح التهديد الاقتصادي الناجم عن جائحة فيروس كورونا أقل خطورة. 

وبينما تدرس دولٌ أخرى إطلاق برامجها الخاصَّة لتطبيق فكرة الدخل الأساسي المعمم، فإنَّها تُراقِب عن كثب تطبيق إسبانيا لفكرة الحد الأدنى المضمون من الدخل. وجديرٌ بالذكر أنَّه في الأسبوع الأوّل من انطلاق المشروع الإسباني، قدَّمت 344,585 أُسْرة طلباتٍ للحصول على الإعانات. وبحلول الأوّل من يوليو، كانت الحكومة الإسبانية قد وفرت مبالغ الإعانات لما يبلغ 74,119 أسرةً منها، لكنّ ستاندينج يرى أن الاختبار الحقيقي يتمثل فيما إذا كانت تلك الخطط ستستمر حتَّى بعد انقضاء الجائحة، أم لا.