أنباء وآراء

سباق لتحديد العوامل المؤثرة في تَأَجُّج حدة مرض "كوفيد-19"

تتواصل جهود العلماء من أجل التعرُّف على العوامل البشرية أو الفيروسية التي تعزز احتمالية ظهور أعراضٍ حادة على المصابين بمرض "كوفيد-19". وتُوفِّر هذه الأدلة الإكلينيكية -المرتبطة بسلالتين من سلالات فيروس "سارس-كوف-2"- معلوماتٍ تساعد على حلِّ هذا اللغز.

ماريوس كوتساكوس، وكاثرين كيدزيرسكا
  • Published online:
شكل 1| تقييم العلاقة بين سلالات فيروس كورونا، وحدة مرض "كوفيد-19". درست تشانج وزملاؤها1أشخاصًا من بلدية شنجهاي الصينية، أُصيبوا بفيروس كورونا "سارس-كوف-2" في أوائل عام 2020. أ: كما أوضحت الأبحاث السابقة3 تبيَّن أنَّ التسلسلات الجينومية للفيروس التي كشفها الباحثون تنتمي إلى سلالتين، يُطلق عليهما الفرع الحيوي الأول والثاني. تختلف هاتان السلالتان عن بعضهما بعضًا في نيوكليوتيدين فقط، وقد تطورا -على الأرجح- بصورةٍ منفصلة من سلفٍ مشترك. وتبيَّن أنَّ الفرع الحيوي الأول أصاب بعضًا من الحالات المرتبطة بسوق هوانان لبيع المأكولات البحرية بالجملة في مدينة ووهان الصينية، وهو المكان الذي كان يُعتَقد في البداية بأنَّه مصدر تفشِّي المرض، في حين اكتشف الباحثون إصاباتٍ بسلالة الفرع الحيوي الثاني، لا تربطها أيّ صلة بالسوق. وربما تكون كلتا السلالتين قد انتشرتا على نحوٍ منفصل في الوقت نفسه. ب: صنَّفت تشانج وزملاؤها المرضى إلى أربع مجموعات، تبعًا لحدة المرض. تراوحت تلك المجموعات بين أولئك الذين لم تظهر عليهم أية أعراض للمرض (المجموعة عديمة الأعراض)، والمجموعة الحرجة (التي احتاجت إلى أجهزة التنفس الصناعي؛ لمساعدتها في التنفس). وكلا الفرعين الحيويين يتمتع بالقدرة نفسها على إحداث المرض بدرجاته المختلفة. وتبيَّن أنَّه مع زيادة حدة المرض يحدث استنزافٌ للخلايا المناعية المعروفة بالخلايا التائية من النوع +CD3، وزيادةٌ في بروتينات السيتوكينات المُعزِّزة للالتهابات (من النوعين IL-6، وIL-8). وقد يتسبَّب ارتفاع مستويات السيتوكينات في إطلاق استجابة مناعية حادة تُعرَف بعاصفة السيتوكينات.

شكل 1| تقييم العلاقة بين سلالات فيروس كورونا، وحدة مرض "كوفيد-19". درست تشانج وزملاؤها1أشخاصًا من بلدية شنجهاي الصينية، أُصيبوا بفيروس كورونا "سارس-كوف-2" في أوائل عام 2020. أ: كما أوضحت الأبحاث السابقة3 تبيَّن أنَّ التسلسلات الجينومية للفيروس التي كشفها الباحثون تنتمي إلى سلالتين، يُطلق عليهما الفرع الحيوي الأول والثاني. تختلف هاتان السلالتان عن بعضهما بعضًا في نيوكليوتيدين فقط، وقد تطورا -على الأرجح- بصورةٍ منفصلة من سلفٍ مشترك. وتبيَّن أنَّ الفرع الحيوي الأول أصاب بعضًا من الحالات المرتبطة بسوق هوانان لبيع المأكولات البحرية بالجملة في مدينة ووهان الصينية، وهو المكان الذي كان يُعتَقد في البداية بأنَّه مصدر تفشِّي المرض، في حين اكتشف الباحثون إصاباتٍ بسلالة الفرع الحيوي الثاني، لا تربطها أيّ صلة بالسوق. وربما تكون كلتا السلالتين قد انتشرتا على نحوٍ منفصل في الوقت نفسه. ب: صنَّفت تشانج وزملاؤها المرضى إلى أربع مجموعات، تبعًا لحدة المرض. تراوحت تلك المجموعات بين أولئك الذين لم تظهر عليهم أية أعراض للمرض (المجموعة عديمة الأعراض)، والمجموعة الحرجة (التي احتاجت إلى أجهزة التنفس الصناعي؛ لمساعدتها في التنفس). وكلا الفرعين الحيويين يتمتع بالقدرة نفسها على إحداث المرض بدرجاته المختلفة. وتبيَّن أنَّه مع زيادة حدة المرض يحدث استنزافٌ للخلايا المناعية المعروفة بالخلايا التائية من النوع +CD3، وزيادةٌ في بروتينات السيتوكينات المُعزِّزة للالتهابات (من النوعين IL-6، وIL-8). وقد يتسبَّب ارتفاع مستويات السيتوكينات في إطلاق استجابة مناعية حادة تُعرَف بعاصفة السيتوكينات.

كبر الصورة

ظهر فيروس كورونا، المُسبِّب للمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة من النوع الثاني، والمعروف اختصارًا بفيروس "سارس-كوف-2" SARS-CoV-2، في أواخر عام 2019. ومنذ ذلك الحين، ما زالت جوانب من مرض "كوفيد-19"، الناتج عن الإصابة بالفيروس، تُحيِّر الأطباء والباحثين. وتشير التقديرات إلى أنَّ عدد المصابين بالفيروس حول العالم، حتى يوم السادس والعشرين من أغسطس الحالي، تخطَّى 23 مليون شخص، كما حصدَتْ الجائحة أرواح أكثر من 819 ألف شخصٍ، فضلًا عن أنها أصابَتْ الاقتصاد العالمي بالشلل. وفي بحثٍ نُشر مؤخرًا في دورية Nature، قدَّمت الباحثة شياونان تشانج وزملاؤها1 بياناتٍ خاصة بتطور اثنتين من السلالات الرئيسة للفيروس، ومعلوماتٍ عن العوامل الموجودة بالجسم البشري الحامل للفيروس، التي تؤثر في مستوى حدة المرض الناجم عن الإصابة به. وسعيًا إلى هذه الغاية، أقدَمَ الفريق على تحليل بياناتٍ تخص 326 شخصًا ممن أصيبوا بالفيروس في مدينة شنجهاي الصينية.

شاعَ في البداية اعتقادٌ بأنَّ هذا الفيروس، الذي أخذ العالَمَ على حين غِرَّة، قد "قفز" إلى البشر من عائلٍ حيوانيٍّ في سوق هوانان لبيع المأكولات البحرية بالجملة، الواقع في مدينة ووهان الصينية. وفي نهاية شهر ديسمبر عام 2019، حين جرى التعرُّف على أولى حالات الإصابة بهذا المرض، الذي لم يكن معروفًا من قبل، ووُصِفَ في البداية بأنه "التهاب رئوي حاد غير معروف السبب"، تبيَّن أن غالبية حالات الإصابة قد وقعت في ذلك السوق. واستُنتج من ذلك أنَّ فيروس كورونا الجديد عَبَرَ الحاجز بين الأنواع في السوق، منتقلًا إلى البشر من أحد الحيوانات الحية المعروضة للبيع، والمُصابة بالعدوى. وفجأةً، وُجِّهَت أصابع الاتهام إلى حيوان "البانجولين" pangolin الماليزي، وهو آكلُ نملٍ حرشفي، الذي طالما أحاط به قَدْرٌ لا بأس به من الغموض؛ إلا أنَّنا لا نعلم على وجه التحقيق ما إذا كان ذلك الحيوان البرِّي معروضًا للبيع في السوق آنذاك، أم لا (انظر: Nature http://doi.org/ggpxhb; 2020). وتجدُر الإشارة -رُغم ذلك- إلى أنَّ بعض حالات الإصابة بالمرض التي اكتُشفت في أوائل شهر ديسمبر عام 2019 في ووهان لم تكن بينها وبين ذلك السوق صلةٌ واضحة2.

تمكَّن الفريق من تحليل 94 تسلسلًا جينوميًّا كاملًا للفيروس، في عيناتٍ مأخوذة من أشخاصٍ يعيشون في شنجهاي، ممَّن زاروا عياداتٍ طبية خلال شهر يناير أو فبراير من العام الجاري. وقارن الباحثون هذه البيانات ببيانات 221 تسلسلًا آخر للفيروس. وتؤيِّد النتائج التي توصلوا إليها الملاحظات السابقة3 التي تفيد بانتشار سلالتين رئيستين من السلالات التطورية للفيروس (فروعه الحيوية) خلال المرحلة المبكرة من تفشِّي المرض في الصين. تمتاز السلالتان عن بعضهما البعض بوجود اختلافين ملحوظيْن فيما بينهما في النيوكليوتيدات؛ وهو ما يشير إلى تعدُّد مصادر العدوى البشرية في شنجهاي (التي تقع على بُعد حوالي 800 كيلومتر برًّا من ووهان).

يُطلَق على هاتين السلالتين مسمى الفرعين الحيويين الأول والثاني (الشكل 1). ومن المُرجَّح أن يكونا قد تطوَّرا بصورةٍ منفصلة من سَلَفٍ مشترك، لكنَّ أصلهما مُبهَمٌ من ناحية علاقة كل منهما بالآخر، لأنهما لا يختلفان عن بعضهما إلَّا في موقعيْن جينوميين فقط. يتعلَّق الاختلاف الأول بينهما بنيوكليوتيد مُعيَّن في التسلسل الذي يُرمِّز بقايا الحمض الأميني رقم 84 في البروتين الفيروسي ORF8، فإذا كان النيوكليوتيد يحتوي على قاعدة الثايمين (كما في سلالة الفرع الحيوي الأول)، يُرمِّز التسلسل حمض الليوسين الأميني. أمَّا في حالة احتواء النيوكليوتيد على قاعدة السايتوسين (كما في سلالة الفرع الحيوي الثاني)، فإنَّه يُرمِّز حمض السيرين. أما الاختلاف الثاني بين السلالتين، فيوجد في نيوكليوتيدٍ آخر بالجين المُسمَّى ORF1ab، الذي يحتوي إمَّا على قاعدة السايتوسين (الفرع الحيوي الأول)، أو الثايمين (الفرع الحيوي الثاني)؛ وكلا التسلسلين النيوكليوتيدين الناتجين عن هذا الاختلاف يُرمِّزان حمض السيرين.

ومن خلال دراسة الجينومات الفيروسية، إلى جانب الأدلة الوبائية حول الكيفية المحتملة لإصابة الأشخاص بالعدوي، توضح تشانج وزملاؤها أنَّ الجينومات الفيروسية التي درسوها في عينات ستة أشخاصٍ تربطهم صلاتٌ قوية بسوق ووهان تقع قريبًا من بعضها البعض على الفرع الحيوي الأول في شجرة تطوُّر عائلة الفيروس. أما الجينومات الفيروسية الخاصة بثلاث حالاتٍ أخرى، من الحالات التي لا توجد صلاتٌ معروفة تربطها بالسوق، فتقع قريبًا من بعضها البعض على الفرع الحيوي الثاني. تدعم هذه البيانات فكرة أنَّ السوق ربما لم يكن منشأ الوباء. وتطرح -بدلًا من ذلك- فرضيةً أخرى، هي أنَّ كلا الفرعين الحيويين الأول والثاني يعود أصلهما إلى سلفٍ فيروسي مشترك، وانتشرا بصورةٍ منفصلة في الوقت نفسه؛ بحيث انتشر الفرع الحيوي الأول من خلال السوق، وانتشر الثاني خارجه. وعليه، فربما يكون الفيروس قد انتقل من الحيوانات إلى الإنسان في مكانٍ آخر، مُسبِّبًا سلسلةً من انتقال العدوى، وجدت طريقها إلى السوق، حيث تسبَّبت الكثافة العالية من الأكشاك والبشر المُعرَّضين للعدوى في تسهيل انتشار الفيروس على نحوٍ يصعب احتواؤه، ومن ثم انتقل إلى خارجه.

وقد كان انتشار "أنواعٍ" مختلفة من الفيروس مسألةً محل خلاف؛ وهو خلافٌ نابع من ملاحظة وجود سلالاتٍ تطورية مختلفة، لكنَّ هذا الاختلاف الجيني أمرٌ وارد في عالَم الفيروسات، خاصةً في ظل وجود عائلٍ بشري ذي "مناعةٍ غير خبيرة" immunologically naive، أي لم يسبق لها التعرُّض للفيروس من قبل. ويمكن تفسير ذلك الاختلاف في السلالات من خلال ما يُعرَف بظاهرة "تأثير المؤسِّس" founder effect، التي تَشيع في التفشِّي الفيروسي. تقضي تلك الظاهرة بأنَّه إذا وصل عددٌ محدود من الأنواع الفيروسية المختلفة عشوائيًّا إلى منطقةٍ جغرافية جديدة توجد بها مجموعةٌ سكانية مُعرَّضة للعدوى، فإنَّ انتشار تلك الأنواع هناك لاحقًا يُسهِّل هيمنتها على المنطقة.

ومع ذلك، فإنَّ الاختلاف بين معدل انتشار تلك الأنواع الفيروسية وسط مجموعة سكانية بعينها، وبين معدل انتشارها وسط المجموعات السكانية المصابة بالعدوى في المناطق الأخرى، لا يعني بالضرورة أنَّها تتمتع بقدرةٍ أكبر على التناسُخ والانتشار4. ومما يؤيد هذه الفكرة أنَّ تشانج وزملاءها لم يعثروا على أي دليل على وجود ارتباطٍ بين أيٍ من الفرعين الحيويين، ولم يرصدوا كذلك أي علاقة بين طفرات الفروع الحيوية الثانوية، والمؤشرات الإكلينيكية التي درسوها لتصنيف مدى حدّة مرض "كوفيد-19". والحقُّ أنَّ هذه النتيجة ليست مفاجئةً؛ بالنظر إلى أن الفرعين الحيويين لا يختلفان عن بعضهما سوى في اثنين فقط من النيوكليوتيدات، من أصل حوالي 30 ألف نيوكليوتيد يحتوي عليها الجينوم الخاص بالفيروس، ومع ذلك.. فإنَّها تسلط الضوء على حقيقةٍ مُؤدَّاها أنَّ وجود سلالاتٍ تطورية مختلفة منه لا يعني بالضرورة وجود سلالاتٍ فيروسية مختلفة لها آثارٌ مرضية مُتبايِنة.

وحيث لم يقف الباحثون على أي اختلافات في النتائج الإكلينيكية بين عدوى كلتا السلالتين، فقد أقدموا على تحليل مؤشراتٍ متنوعة تتعلق بوظيفة الجهاز المناعي لدى حاملي الفيروس من البشر، من أجل تحديد العوامل التي تُسهم في حدة المرض.

ركَّز الباحثون على أربع درجاتٍ من المرض، لكل منها تعريفاتٌ واضحة للنتائج الإكلينيكية المصاحِبة لها. أولى تلك الدرجات تشير إلى الحالات الأقل تأثرًا بالمرض، وهي التي لم تظهر عليها أية أعراض، ولم تعانِ من الحمي، أو مشكلات التنفس، ولم تظهر في صور الأشعة السينية التي أُجريَتْ عليها علاماتٌ على حدوث تلفٍ في الرئة. أمَّا ثاني درجة، فهي الإصابات الخفيفة، التي عانى أصحابها من الحمى، وظهرَتْ في صور أشعتها السينية علاماتٌ تشير إلي حدوث التهابٍ رئوي. والدرجة الثالثة تشير إلى الإصابات الحادة بالمرض، ويعاني أصحابها صعوباتٍ في التنفس، كما أظهرَتْ صور أشعّتهم السينية العلامة التي تُوصَف بأنها تشبه "عتمة الزجاج المُصَنفَر"، والتي تُعد سمةً مُميِّزة لتلف الرئة. أما الدرجة الرابعة، فهي الحالات الحرجة، التي يعاني أصحابها من متلازمة تنفسية حادة، ويحتاجون إلى أجهزة تنفُّس صناعي لمساعدتهم على التنفس. وقد خلُص الفريق إلى أنَّ العوامل الأساسية المرتبطة بزيادة حدَّة الإصابة بالمرض تشمل فئاتٍ بعينها، هي فئة كبار السن، والأشخاص الذين يعانون أمراضًا سابقة على الإصابة بالفيروس (ما يُعرف بالأمراض المتزامنة)، والذكور؛ وهو ما يتفق مع نتائج الأبحاث السابقة5.

ومن خلال تحليل عينات الدم، يوفِّر الباحثون أدلةً على التغيرات التي تميز حالات الإصابة الحادة، والحالات الحرجة من مرض "كوفيد-19". وقد حدَّدوا من بين سمات هذه الحالات سِمَتين أساسيتين، أولاهما نقص الخلايا الليمفاوية، الذي يشير إلى حدوث انخفاضٍ غير طبيعي في عدد الخلايا الليمفاوية (نوع من خلايا الدم البيضاء يسهِم في الاستجابات المناعية). ويُعزى هذا النقص –حسب ما ذكرته تشانج وفريقها- إلى استنزاف نوع معين من الخلايا الليمفاوية التائية، يُطلق عليها خلايا +CD3؛ وهو ما يرجِّح انتقال هذه الخلايا التائية من الدم إلى مواقع العدوى في الأنسجة.

أمَّا السمة الثانية، فتتمثل في الارتفاع غير الطبيعي لمستويات نوعين من السيتوكينات (IL-6 وIL-8)، وهما من البروتينات الصغيرة التي تُفاقِم الالتهاب. تؤدي هذه المستويات العالية من السيتوكينات المُعزِّزة للالتهابات إلى تحفيز استجابةٍ مناعية حادة، يُشار إليها عادةً بعاصفة السيتوكينات. وتستطيع خلايا الجهاز المناعي الموجودة في الرئة، والمُسمَّاة بالخلايا البلعمية الكبيرة، أن تُنتِج السيتوكينات من نوعي IL-6، وIL-8، وكثيرًا ما تكون هذه الخلايا المُسبِّب الخلوي الأوَّلِي لعواصف السيتوكينات في أمراض الجهاز التنفسي المُعدِيَة الأخرى، لكنْ ما زالت هناك حاجة إلى وضع توصيفٍ دقيق لمجموعات الخلايا التي تسهِم في حدوث عاصفة السيتوكينات المُطوَّلة التي يشهدها بعض حالات "كوفيد-19".

هذا الارتباط العكسي بين المستويات العالية من بروتينات IL-6، أو IL-8، وانخفاض أعداد الخلايا الليمفاوية، يُلمِح إلى احتمالية وجود آلياتٍ أساسية تربط بين هذه السمات المُميِّزة لحالات الإصابة الحادة بالمرض. كما أنَّ احتمالية تَسبُّب ارتفاع مستويات السيتوكينات في خفض أعداد الخلايا الليمفاوية تنسجم مع ما لوحظ من أنَّ مرضى "كوفيد-19" الذين عولجوا بعقار "توسيليزوماب" tocilizumab، الذي يمنع عمليات التأشير الناتجة عن بروتين IL-6، عادت لديهم مستويات الخلايا الليمفاوية في الدم إلى طبيعتها تقريبًا6، لكن ما زالت هناك حاجة إلى مزيدٍ من الدراسات التجريبية ودراسات الآليات، لتحديد ما إذا كانت هناك علاقة سببية يقوم عليها هذا الارتباط بين مستويات السيتوكينات المرتفعة، ونقص الخلايا الليمفاوية، أم لا. وجديرٌ بالذكر أنَّ التغيُّرات في هذين المؤشرين لا تحدث بشكلٍ متزامن؛ إذ يُلاحظ استنزاف الخلايا التائية بدايةً من الأسبوع الأول من ظهور أعراض المرض، أما عاصفة السيتوكينات، فتنشأ لاحقًا، حين يشتد مرض "كوفيد-19".

يُضاف إلى ذلك أنَّ مرض "كوفيد-19" ليس الوحيد الذي يشهد هذا النقص في الخلايا الليمفاوية، أو عاصفة السيتوكينات، فالظاهرتان تُعَدّان من السمات المُميِّزة لعدة أنواع من أمراض الجهاز التنفسي الحادة المُعدية، بما في ذلك العدوى البشرية بفيروسات إنفلونزا الطيور، والمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (سارس)، التي يسببها فردٌ آخر من أفراد عائلة فيروسات كورونا. وهكذا، فإن تحديد البصمات المناعية لمرض "كوفيد-19" يستلزم مزيدًا من التحليلات الخلوية والجزيئية.

إنَّ تتبُّع تطوُّر فيروس "سارس-كوف-2" يُعدّ ضرورة مُلحَّة لتوجيه سياسات الصحة العامة اللازمة للحدّ من انتشار المرض. وفيما يتعلق بتصميم استراتيجيات العلاج وتطوير اللقاحات الفعالة، يَلزَم تحليل الأسباب والآليات الأساسية لاختلال الدفاعات المناعية، مثل استنزاف الخلايا التائية من النوع +CD3، وزيادة حدة الاستجابات المناعية المُعزِّزة للالتهابات. ومن الضروري أيضًا تحديد السمات الإكلينيكية والجزيئية الأساسية المُميِّزة لـمرض "كوفيد-19". وفي هذا الصدد، تضع تشانج وزملاؤها بعضًا من الأسس اللازمة للمساعدة على النهوض بهذه المهام الشاقة. ويثير عملهم أسئلةً مهمة، سنحتاج إلى الإجابة عنها، إذا أردنا وضع حدّ لهذه الجائحة، ومحاولة منع الجوائح المستقبلية.

References

  1. Zhang, X. et al. Nature 583, 437–440 (2020). | article
  2. Li, Q. et al. N. Engl. J. Med. 382,1199–1207 (2020). | article
  3. Tang, X. et al. Natl Sci. Rev. 7, 1012–1023 (2020). | article
  4. McLean, O. A. et al. Virus Evol. 6, veaa034 (2020). | article
  5. Huang, C. et al. Lancet 395, 497–506 (2020). | article
  6. Giamarellos-Bourboulis, E. J. et al. Cell Host Microbe 27, 992–1000.e3 (2020). | article

ماريوس كوتساكوس، وكاثرين كيدزيرسكا يعملان في قسم علم البيولوجيا الدقيقة والمناعة بمعهد بيتر دوهرتي للعدوى والمناعة في جامعة

ملبورن، باركفيل، فيكتوريا 3010، أستراليا.

البريد الإلكتروني: kkedz@unimelb.edu.au