أنباء وآراء

رصْد دقيق للقوى الذرية باستخدام أشعة الليزر

القوى التي تربط بين الإلكترونات والأنوية في المواد الصلبة يصعب تصويرها مباشرةً. وتشير إحدى الدراسات إلى أنه يمكن -عوضًا عن هذا- تصوير هذه القوى تصويرًا غير مباشر باستخدام الضوء الذي ينبعث عندما تتعرض الإلكترونات لمجال ليزري قوي.

مايكل إيه. سِينتف
  • Published online:

يُعَد التوصل إلى فهم دقيق للَبِنات بناء الطبيعة الأساسية، والقوى المتبادلة بينها من بين الأهداف الرئيسة لعلم الفيزياء. وفي المواد، تتمثل لَبِنات البناء هذه في الأنوية الذرية والإلكترونات التي تتحرك بسرعة كبيرة بينها، عبر قوى تعمل في نطاق أطوال ذرية. ومن المعروف أن التصوير المباشر لهذه القوى باستخدام الضوء صعب، ويتطلب عادةً موجات في نطاق الطول الموجي للأشعة السينية، بيْد أن لاكهوتيا وزملاءه1 يوضحون أن بالإمكان تصوير هذه القوى تصويرًا غير مباشر باستخدام الضوء المرئي، حتى لو كانت الأطوال الموجية لهذا الضوء أكبر من نطاقات الطول الذرية بحوالي 10 آلاف ضعف.

وقد استطاع الباحثون تحقيق هذا الإنجاز باستخدام طريقة تُعرف باسم التوليد عالي التوافق، وفيها يعمل مجال ليزري قوي على تزويد الإلكترونات بطاقة تزيد على احتياجاتها، بما يسمح لهذه الإلكترونات بالتغلب على القوى التي تجذبها ناحية الأنوية. بعد ذلك.. تُطلِق هذه الإلكترونات المهتزة ضوءًا عند مضاعفات التردد الليزري الذي تتعرض له، وهي ظاهرة يُطلق عليها التوافقيات العالية. وينشأ هذا الانبعاث نتيجة لعدم خطّية "مشهد" الطاقة الذي تتعرض له الإلكترونات عند حثها بمجال ليزري مكثّف داخل الشبكة الدورية التي تشكلها الأنوية.

ولفهم هذا التأثير، افترِضْ أنك تعزف نغمة موسيقية باستخدام بوق. إذا نفخت في هذه الآلة الموسيقية بقوة عادية، فسيمكنك سماع نغمة نقية بالتردد الذي ترغب فيه، لكنْ إذا نفخت في البوق بقوة، فستَصْدُر عنه نغمات توافقية أعلى مصاحِبة للنغمة الأصلية، لأن مدى استثارة الآلة الموسيقية كبير بما يكفي للدخول في نسق نغمات غير خطي.

إنّ الإلكترونات في المواد الصلبة هي أجسام ميكانيكية كمّية، تُوصف بدالة موجية تحدد احتمالية العثور عليها في موضع بعينه، وبزخم حركة، أو بسرعة متجهة معينة. وبالنسبة إلى الجسيمات الحرة، فإن زخم الحركة هو حاصل ضرب الكتلة في السرعة المتجهة، لكن الإلكترونات لا تكون حرّة عند وجودها في الأجسام الصلبة، بل تتأثر بطاقة الوضع التي تتولد عن الشبكة الذرية المنتظمة التي توجد بداخلها. والقوى الكهربية التي تؤثر بها الأنوية على الإلكترونات تنتج عن انحدار مشهد طاقة الوضع عند كل موضع للإلكترون (شكل 1أ)، وهذه القوى مناظِرة لقوى الجاذبية التي تَشدُّ متسلقي الجبال إلى أسفل، لكنْ كيف يمكن رصد خريطة هذه القوى عن طريق تحفيز اهتزاز الإلكترونات باستخدام أشعة الليزر؟

يمكن فهم الإجابة عن هذا السؤال على أفضل نحو من خلال الأخذ في الاعتبار الكيفية التي تعتمد بها طاقة الإلكترون على زخم حركته (شكل 1ب)، إذ تزداد طاقة الحركة عند الإلكترون الحر تزايدًا تربيعيًّا مع زيادة سرعته المتجهة، أو زخم حركته، وينشأ عن هذا منحنى يُعرف باسم القطع المكافئ. وفيما يخص الإلكترونات الموجودة في الأجسام الصلبة، يُحدِث مشهد طاقة الوضع تغييرًا في منحنى القطع المكافئ هذا، مُحوِّلًا إياه إلى نطاق طاقة يكون شبيهًا بالقطع المكافئ في حالات زخم الحركة الضئيل، وإنْ كان هذا النطاق يتخذ هيئة مسطحة عندما تبلغ الدالة الموجية للإلكترون زخم حركة مكافئًا لمعكوس المسافة بين الذرات في الشبكة. ويرتبط تسطُّح منحنى "الطاقة وزخم الحركة" هذا بانعدام الخطية الذي يجعل البوق يعزف نغمات توافقية مصاحِبة للنغمة الأساسية.

يتطلب الوصول إلى هذا النسق غير الخطي تسليط مجال ليزري قوي يعمل على تسريع الإلكترونات، بحيث تصل إلى زخم حركة عالٍ بالقدر الكافي. وتجدر الإشارة إلى أنه في داخل جزء القطع المكافئ من نطاق الطاقة، يتبع مقدار التيار المتولد عن الإلكترونات تذبذبات الموجات الجيبية الموجودة في سعة المجال الليزري المُسلّط (انظر شكل 1ج)، بيد أنه بمجرد الوصول إلى حالة انعدام الخطية، ينحرف التيار عن اتباع سلوك الموجات الجيبية، وتبدأ النغمات التوافقية في الظهور.

شكل 1| التوليد عالي التوافق. أ. طاقة الوضع للإلكترون الحر تساوي صفرًا، لكنْ تتباين طاقة وضع الإلكترونات الموجودة في مادة صلبة، لأن هذه الجسيمات تنجذب نحو الأنوية الواقعة عند الحدود الدنيا لطاقة الوضع. والدالة الموجية لهذه الإلكترونات تتسم بطبيعة دورية تحددها مواضع الأنوية. ب. تتخذ العلاقة بين الطاقة وزخم الحركة شكل منحنى قطع مكافئ عندما يتعلق الأمر بالإلكترونات الحرة. أما بالنسبة إلى الإلكترونات الموجودة في مادة صلبة، فإن "مشهد" طاقة الوضع يُحدِث تغيرًا في هذا المنحنى، ليُحِيله إلى شكل يمكن وصفه بنطاق الطاقة. وعند تسليط مجال ليزري قوي على إلكترونات النطاق هذه، فإنها تتحرك نتيجة لهذا التحفيز إلى منطقة لا تنتمي إلى القطع المكافئ. ج. في مجال كهذا، يتسم تيار الإلكترونات الحرة بتذبذبات موجات جيبية، في حين أن تيار  إلكترونات النطاق يُظهِر انحرافاتٍ عن هذه التذبذبات. د. تنتِج الإلكترونات الحرة ضوءًا عند التردد الليزري (عند الذروة الوحيدة الموجودة). ويشير لاكهوتيا وزملاؤه1إلى أن إلكترونات النطاق تُطلِق هي الأخرى الضوء عند مضاعفات فردية (توافقية عالية) لهذا التردد.

شكل 1| التوليد عالي التوافق. أ. طاقة الوضع للإلكترون الحر تساوي صفرًا، لكنْ تتباين طاقة وضع الإلكترونات الموجودة في مادة صلبة، لأن هذه الجسيمات تنجذب نحو الأنوية الواقعة عند الحدود الدنيا لطاقة الوضع. والدالة الموجية لهذه الإلكترونات تتسم بطبيعة دورية تحددها مواضع الأنوية. ب. تتخذ العلاقة بين الطاقة وزخم الحركة شكل منحنى قطع مكافئ عندما يتعلق الأمر بالإلكترونات الحرة. أما بالنسبة إلى الإلكترونات الموجودة في مادة صلبة، فإن "مشهد" طاقة الوضع يُحدِث تغيرًا في هذا المنحنى، ليُحِيله إلى شكل يمكن وصفه بنطاق الطاقة. وعند تسليط مجال ليزري قوي على إلكترونات النطاق هذه، فإنها تتحرك نتيجة لهذا التحفيز إلى منطقة لا تنتمي إلى القطع المكافئ. ج. في مجال كهذا، يتسم تيار الإلكترونات الحرة بتذبذبات موجات جيبية، في حين أن تيار  إلكترونات النطاق يُظهِر انحرافاتٍ عن هذه التذبذبات. د. تنتِج الإلكترونات الحرة ضوءًا عند التردد الليزري (عند الذروة الوحيدة الموجودة). ويشير لاكهوتيا وزملاؤه1إلى أن إلكترونات النطاق تُطلِق هي الأخرى الضوء عند مضاعفات فردية (توافقية عالية) لهذا التردد.

كبر الصورة

وثمة طريقة بسيطة لفهم العلاقة بين الجزء الذي لا ينتمي إلى القطع المكافئ في نطاق الطاقة، وظهور النغمات التوافقية في التيار. وهذه الطريقة تتمثل في ملاحظة أن السرعة المتجهة للإلكترونات يمكن الحصول عليها من انحدار منحنى "الطاقة وزخم الحركة"، فعند تسريع الإلكترونات لتبلغ زخم حركة مرتفعًا، يتسطح النطاق، وتقل السرعة المتجهة إلى الإلكترونات، وينخفض مقدار التيار. ولأن هناك ارتباطًا مباشرًا بين تسطُّح النطاق، وطاقة الوضع التي تتولد عن القوى الموجودة بين الإلكترونات والأنوية، فإن الإنحرافات عن تيار الموجات الجيبية تعمل على تشفير المعلومات الخاصة بمشهد الطاقة نفسه.

يتمثل الإنجاز الرئيس الذي حققه لاكهوتيا وزملاؤه في تطوير قياس دقيق لهذه الانحرافات، ووضع نماذج لمشاهد طاقة الوضع الكامنة داخل المواد التي أجروا عليها الدراسة. ومن الناحية العملية، لم يتمكن الباحثون من تسجيل التيارات الإلكترونية مباشرةً، لكنهم أجروا قياساتٍ لأطياف الضوء الذي أطلقته الشحنات المتحركة (شكل 1د). وقد احتوت هذه الأطياف على ذروة واحدة عند التردد الليزري المستخدم، إضافة إلى ذُرى إضافية عند توافقيات فردية عالية (المضاعفات العالية للتردد الأساسي لعدد فردي من المرات). وقد أجرى الباحثون تحليلًا تفصيليًّا لارتفاعات هذه الذُّرى، وأطوار الضوء المنبعث؛ إذ يحدد طور الموجة الضوئية أيّ مرحلة من دورة التذبذب يمر بها المجال الكهربي للموجة.

وعندما أراد لاكهوتيا وزملاؤه وضع نماذج لمَشاهد الطاقة، كانوا بحاجة إلى افتراض أن القوى الذرية ضعيفة، مقارنةً بالقوى المحفِّزة التي يُوَلدها المجال الليزري الذي استخدموه2. ويبدو أن هذا الافتراض كان صائبًا فيما يتصل بالمواد التي درسوها، ويرجع ذلك -في جانبٍ منه- إلى أن القوى الذرية ليست على قدر هائل من الشدة. ونتيجة لذلك، فإن الاختلاف بين منحنى القطع الخاص بالإلكترون الحر والنطاق المُسطح، هو في النهاية اختلاف صغير نسبيًّا. وثمة سؤال محير مطروح للبحث، يتعلق بما إذا كانت الطريقة المعروفة باسم التحليل الطيفي عالي التوافق3 يمكن تعميمها؛ لكشف معلومات تفصيلية عن القوى الموجودة داخل الأجسام الصلبة عندما تتسم هذه القوى بشدة التأثير، أم لا.

تطلَّب الأمر من الباحثين كذلك افتراض صحة صورة الإلكترون المستقل، التي يمكن فيها تجاهل التنافر المتبادل بين الإلكترونات. فهذه الصورة لا تناسب بعض المواد الأكثر غرابة من تلك التي خضعت للدراسة الحالية. وعلى سبيل المثال، في حال المواد ذات الإلكترونات قوية الترابط، يمكن أن تؤدي تفاعلات الإلكترونات إلى تأثيرات مذهلة، تتراوح من التوصيل الفائق في درجات الحرارة المرتفعة، وصولًا إلى خاصية عزل مُوت4؛ وهي ظاهرة إلكترونية تشبه الاختناقات المرورية. وثمة مشكلة بحثية قائمة، هي تحديد الكيفية التي تعمل بها هذه التفاعلات القوية -وكذلك إضعافها من خلال التحفيز الليزري-5 على تعديل الأطياف عالية التوافق7،6. ويمكن النظر إلى دراسة لاكهوتيا وزملائه باعتبارها مُحفّزًا على البحث عن سبيلٍ لتصوير هذه التفاعلات القوية بين الإلكترونات.

وأخيرًا، ثمة اتجاه أساسي يمكن أن تسترشد به الجهود المستقبلية، يتعلق بالتصوير الديناميكي للتفاعل بين الإلكترونات المحفَّزة وغير ذلك من عمليات الاستثارة في المواد الكمّية التي يجري تحفيزها بقوة، لا سيما في حال الأطوال الموجية الليزرية الأطول، مقارنةً بتلك المستخدَمة في الدراسة الحالية. والخطوة الأولى نحو هذا الهدف، هي وضع نماذج لمَشاهد طاقة الوضع القائمة بين الذرات، الناتجة عن أنوية جرت إزاحتها بدرجة كبيرة.8 وسوف يكون من المثير استكشاف كيف أن الجمع بين أساليب تتناول نطاقات زمنية مختلفة سيعطينا لمحة عن التفاعل المعقد بين الكثير من المكونات التي تنشأ منها خواص مذهلة للمواد في حالتي التوازن، واختلال التوازن.9

References

  1. Lakhotia, H. et al. Nature 583, 55–59 (2020). | article
  2. Morales, F., Richter, M., Patchkovskii, S. & Smirnova, O. Proc. Natl Acad. Sci. USA 108, 16906–16911 (2011). | article
  3. Ghimire, S. & Reis, D. A. Nature Phys. 15, 10–16 (2019). | article
  4. Keimer, B., Kivelson, S. A., Norman, M. R., Uchida, S. & Zaanen, J. Nature 518, 179–186 (2015). | article
  5. Tancogne-Dejean, N., Sentef, M. A. & Rubio, A. Phys. Rev. Lett. 121, 097402 (2018). | article
  6. Silva, R. E. F., Blinov, I. V., Rubtsov, A. N., Smirnova, O. & Ivanov, M. Nature Photon. 12, 266–270 (2018). | article
  7. Murakami, Y., Eckstein, M. & Werner, P. Phys. Rev. Lett. 121, 057405 (2018). | article
  8. von Hoegen, A., Mankowsky, R., Fechner, M., Först, M. & Cavalleri, A. Nature 555, 79–82 (2018). | article
  9. Gerber, S. et al. Science 357, 71–75 (2017). | article

مايكل إيه. سِينتف باحثٌ من معهد ماكس بلانك لِبِنْية المادة وديناميكياتها، 22761، في مدينة هامبورج الألمانية، كما يعمل في معهد الفيزياء النظرية، التابع لجامعة بريمن في مدينة بريمن الألمانية.

البريد الإلكتروني: michael.sentef@mpsd.mpg.de