تحقيق إخباري

ثلاث رحلاتٍ جريئة تنطلق نحو الكوكب الأحمر

الولايات المتحدة، والصين، والإمارات العربية المتحدة يطلقون رحلات استكشافية رائدة إلى كوكب المريخ، المعروف بخطورته على البعثات الفضائية.

ألكساندرا ويتزي، وسمريتي مالاباتي، وإليزابيث جيبني

  • Published online:
المركبة الجوالة الأمريكية "بيرسيفيرانس" سوف تهبط في "فوّهة جيزيرو" على كوكب المريخ (محددة بدائرة صفراء).

المركبة الجوالة الأمريكية "بيرسيفيرانس" سوف تهبط في "فوّهة جيزيرو" على كوكب المريخ (محددة بدائرة صفراء).

 Emily Lakdawalla/ISRO/ISSDC

شهد العالم خلال شهر يوليو الماضي انطلاق ثلاث مركبات فضائية صاروخية صوبَ المريخ. إذ أرسلت ثلاث دول -هي الولايات المتحدة، والصين، والإمارات العربية المتحدة- بعثاتٍ روبوتية إلى الكوكب الأحمر؛ بُغية كتابة فصولٍ جديدة من جهود الاستكشاف هناك.

وتُعَدّ البعثات الثلاث -في حد ذاتها- بعثات رائدة. فالولايات المتحدة بصدد إرسال مركبتها الجوَّالة الخامسة، الأعلى كفاءة في تاريخ وكالة ناسا الفضائية، أملًا في العثور على دلائل على وجود حياة سابقة على سطح المريخ، وجمْع مجموعة من الصخور، سوف تكون -في يومٍ ما- أولى العينات التي ستطير بها بعثة فضائية أخرى عائدةً إلى الأرض. وبدورها، تهدف الصين إلى البناء على نجاحاتها في استكشاف القمر، عن طريق الهبوط بإحدى مركباتها الجوالة على المريخ للمرة الأولى. أما دولة الإمارات، فتعتزم إطلاق مسبار فضائي –في أول بعثة فضائية بين الكواكب تطْلِقها دولة عربية– على سبيل اختبار وكالتها الفضائية الناشئة والطموحة.

غير أنَّ نجاح البعثات الثلاث ليس بالأمر المحقَّق؛ فقد اشتهر المريخ بأنه مقبرة للمركبات الفضائية التي مُنيت بالفشل في رحلاتها إليه، لكنْ إذا كُللت البعثات الثلاث بالنجاح، فسوف تُعِيد تشكيل معارفنا العلمية عن الكوكب؛ إذ سوف تتَّجه المركبتان الجوالتان إلى مجاهل لم يسبق استكشافها به، في حين أن المسبار الإماراتي سوف يرصد غلافه الجوي المتغيِّر.

كبر الصورة

Landing sites, compiled by E. Lakdawalla/Planetary Society; Mars base map, US Geological Survey.

ومما تجدر الإشارة إليه أن الفِرَق التي تقف وراء هذه البعثات قد تمكَّنت من استكمال العمل على مشروعاتها، حسبما هو مقرَّر، على الرغم من جائحة كورونا التي حادت بالكثير من الخطط الأخرى عن مسارها، بما في ذلك بعثة المريخ الأوروبية الروسية المشتركة، التي تَقرَّر إرجاؤها لمدة عامين. وعندما تنطلق المركبات الثلاث خلال الأسابيع القليلة المقبلة، سوف تمنح سكان المعمورة فرصةً –ولو وجيزة– للتطلُّع إلى السماء، وتجاوُز مشكلات الأرض.

"ناسا" تهفو إلى صخور المريخ

تعقد "ناسا" الآمال على أن تكون مركبتها الجوالة سداسية العجلات، البالغ طولها ثلاثة أمتار، وتحمل اسم "بيرسيفيرانس" Perseverance؛ هي خطوة للبدء في رحلة أكبر بكثير. وإذا جَرَت الأمور وفق المخطَّط لها، فسوف تستخلص مركبة "بيرسيفيرانس" عيناتٍ من صخور المرِّيخ، ومن ثم تخزِّنها في انتظار بعثة مستقبلية، من المزمع أن تلتقط هذه الصخور يومًا ما، وتعيدها إلى الأرض، ربما بحلول عام 2031، لتشكل هذه الصخور أول عيِّنة على الإطلاق تعود بها بعثة فضائية من كوكب المريخ.

كبر الصورة

NASA/JPL-Caltech

وهذا يدل على أن ثمَّة رهاناتٍ كبيرة على بعثة "بيرسيفيرانس"؛ فالمركبات الجوالة الأربع التي سبق أن أطلقتها ناسا صوب المرِّيخ –وهي "سوجورنر" Sojourner التي انطلقت في عام 1997، و"سبيريت" Spirit و”أبورتيونيتي" Opportunity اللتان انطلقتا في عام 2004، و"كيوريوسيتي" Curiosity التي انطلقت في عام 2012– كانت جميعها بغرض الاستكشاف. ومن ثم، أتيح لفِرَق التحكم في تلك البعثات أن تستغرق ما يكفيها من الوقت لقيادة المركبات صعودًا إلى الصخور التي بدت مثيرة للاهتمام، أو لتطوف بها عبر السهول الشاسعة. أما مركبة "بيرسيفيرانس"، فسوف تُقلِع إلى المريخ بمهمة محددة، وهي التعرُّف على طائفة واسعة من الصخور، تمثل التاريخ الجيولوجي للمنطقة المستخرَجة منها، وجمعها. ويُفترض أن تنجز مهمتها هذه في غضون سنة مرِّيخية واحدة، أي ما يعادل حوالي سنتين أرضيتين. وأيًّا ما كانت العيِّنات الصخرية التي ستجمعها المركبة، فإنها ستساعد على رسم مسار علوم المرِّيخ لعقودٍ قادمة.

والأهمُّ من ذلك، أن بعثة "بيرسيفيرانس" تُعَد بمثابة أفضل فرصة للعلماء لمعرفة ما إذا كانت هناك حياة سابقة على الكوكب الأحمر، أم لا، فإذا نجحَتْ المركبة في جمع أنواع الصخور الصحيحة، فقد يتمكن العلماء في مختبراتهم على كوكب الأرض من استخلاص أدلة على وجودة حياة على المريخ.

وفي تعليق حول هذا الشأن، قالت اختصاصية علم الأحياء الفلكي شيري كادي: "تمنحنا هذه البعثة أوَّل فرصة من نوعها لإحراز تقدُّم في الإجابة عن الأسئلة الأساسية المتعلقة بما إذا كانت هناك حياة على كوكب المريخ، أم لا". وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن كادي لم تشارك في البعثة مشاركة مباشرة، وهي تعمل في مختبر باسيفيك نورثويست الوطني في مدينة سيكيم بولاية واشنطن.

كبر الصورة

وسوف تضطلع مركبة "بيرسيفيرانس" بهذه المهمة، مدعومةً بمجموعة من الأدوات العلمية، من أجل تقصي سطح المريخ، وغلافه الجوي، وفحصهما. والجدير بالذكر أن لهذه المركبة شكلًا مألوفًا؛ إذ إنها -بالدرجة الأولى- نسخة من مركبة "كيوريوسيتي"، التي بدأت في استكشاف "فوَّهة جيل" Gale Crater على سطح المريخ منذ ثماني سنوات. فقد قصدت وكالة ناسا ترشيد نفقاتها عن طريق استخدام التصميم نفسه، مع إدخال بعض التعديلات عليه، مثل إضافة نظام لتخزين العينات، وتطوير منظومة عجلات المركبة. ومع ذلك، فقد بلغَتْ تكلفة البعثة 2.7 مليار دولار أمريكي، بزيادةٍ مقدارها حوالي 360 مليون دولار عن الميزانية المقرَّرة، نظرًا إلى المشكلات التي واجهَتْ تطوير بعض الأجهزة.

وتحمل مركبة "بيرسيفيرانس" إصداراتٍ متقدمة من بعض مستشعرات "كيوريوسيتي"، من بينها جهاز تحليل كيميائي قادر على نسف الصخور باستخدام تقنية الليزر، من أجل تحديد الذرات والجزيئات التي تتكوَّن منها هذه الصخور، ونظام كاميرات ذو قدرات إبصار عالية، يمكنه تقريب الصورة على المناطق المثيرة للاهتمام من الكوكب، والتقاط صور مجسَّمة وثلاثية الأبعاد له. وتحمل المركبة على متنها أيضًا أدوات لإجراء تجربة تهدف إلى محاولة توليد الأكسجين من غلاف المريخ الجوي الغنيِّ بثاني أكسيد الكربون، من أجل اختبار سُبُل دعم بعثات الاستكشاف المأهولة مستقبلًا. كما ستكون المركبة مجهزة بمطيافٍ يعمل بالأشعة السينية، وآخر يعمل بالأشعة فوق البنفسجية، من أجل تحليل التركيب المعدني للكوكب تحليلًا مفصَّلًا. وللمرة الأولى، ستحمل المركبة على متنها مكبرات صوت للاستماع إلى أصوات المريخ، بالإضافة إلى طائرة هليكوبتر مُصغرة تعمل بالطاقة الشمسية.

أما عن نظام جمع العينات بالمركبة، فقد صممه المهندسون من الصفر؛ إذ تحمل "بيرسيفيرانس" في داخلها 43 أنبوبًا. وعندما تصادف المركبة صخرة يرغب العلماء المشرفون على البعثة في الحصول على عينة منها، ستمدُّ المركبة ذراعها الروبوتية، البالغ طولها 2.1 متر، وتأخذ في الحفر؛ لاستخراج عينة في حجم قلم ضوئي يبلغ طوله 60 مليمترًا، وعرضه 13 مليمترًا، ثم تتجه العينة إلى أحد الأنابيب المذكورة. وعلى أثر ذلك، يُغلَق الأنبوب بإحكام. وعند امتلاء ما لا يقلُّ عن 20 أنبوبًا من هذه الأنابيب، سوف تُخزِّنها المركبة في مكان آمن على سطح المريخ، حتى يحين وقت قدوم روبوت مستقبليّ -لم تبدأ عملية تمويله بعد- من أجل التقاط تلك الأنابيب وإعادتها إلى الأرض. وتخطط وكالة ناسا حاليًّا للتعاون مع وكالة الفضاء الأوروبية؛ من أجل إطلاق بعثة في عام 2026، سوف تكون مهمتها إعادة الصخور إلى كوكب الأرض بحلول عام 2031.

كبر الصورة

ومن المقرر أن تهبط مركبة "بيرسيفيرانس" على سطح المريخ في "فوَّهة جيزيرو" Jezero Crater، التي يبلغ عرضها 45 كيلومترًا، إلى الشمال من خط الاستواء المريخي، وعلى مسافة قصيرة منه، في بقعة ضمّت يومًا ما بحيرةً ودلتا نهر. ومن شأن هذه الدلتا القديمة أن تتيح للعلماء استكشاف طائفةٍ متنوعة وثريَّة من المعالم الجيولوجية؛ حيث يمكن للمركبة أن تجمع الكثير من العينات التي ربما تحمل إشاراتٍ على وجود حياة في الماضي على الكوكب، وفقًا لما أفادت به كيندا لينش، عالمة الكواكب بمعهد القمر والكواكب في هيوستن بولاية تكساس، التي درست موقع الهبوط في "فوَّهة جيزيرو". ويُذكر أن مهندسي مختبر الدفع النفاث في باسادينا بولاية كاليفورنيا، الذي تولَّى تصميم المركبة الفضائية، قد رسموا عدَّة مسارات يمكن أن تسلُكها المركبة في تجوالها بأنحاء الدلتا، بحيث تغطي مسافة قدرها 15 كيلومترًا تقريبًا. وتقول كادي إن المركبة سوف يتسنَّى لها تحقيق أفضل النتائج، إذا عادت لجمع العينات بعد أن تطوف أولًا بأنحاء المنطقة، لمسح المشهد الطبيعي هناك.

سوف تستكشف مركبة "بيرسيفيرانس" دلتا نهر قديم، حيث تدفَّق الماء فيما مضى على سطح المريخ.

سوف تستكشف مركبة "بيرسيفيرانس" دلتا نهر قديم، حيث تدفَّق الماء فيما مضى على سطح المريخ.

NASA/JPL/JHUAPL/MSSS/Brown University

وقد انطلقت مركبة "بيرسيفيرانس" من "قاعدة كيب كانافيرال للقوات الجوية"، بولاية فلوريدا، يوم الثلاثين من يوليو الماضي، لتهبط على سطح المريخ في الثامن عشر من شهر فبراير العام المقبل.

فجر الرحلات الصينية إلى المريخ

تملك الصين خططًا طموحة لأولى عملياتها الاستكشافية لكوكب المريخ. وقد أطلقت مركبتها لاستكشاف الكوكب –التي تتألف من مركبة مدارية، ومركبة إنزال، ومركبة جوالة، وتحمل على متنها 13 جهازًا علميًّا- من جزيرة تقع جنوب الصين في أواخر شهر يوليو الماضي. وهذه البعثة -التي تحمل اسم "تيانوين-1" Tianwen-1، ومعناه "البحث عن الحقيقة السماوية"- تُعَد أكثر رحلة استكشافية تطْلِقها الصين توغلًا في الفضاء. وعندما تصل إلى الكوكب الأحمر، بحلول شهر فبراير المقبل، سوف تعمل على إنجاز أهدافها، المتمثلة في إجراء مسح شامل للغلاف الجوي للكوكب، وتكوينه الباطني، وبيئته السطحية، بما في ذلك البحث عن علامات تدل على وجود ماء وحياة به.

كانت الصين قد حاولَتْ آنفًا إرسال مركبة مدارية إلى المريخ، على متن مركبة فضائية روسية، في عام 2011، إلا أن تلك البعثة انتهَتْ بفُقدان المسابير الخاصة بها، غير أنَّ تلك الخسارة أعقبَتْها سلسلة كبيرة من الانتصارات الصينية في مجال استكشاف الفضاء. ففي عام 2013، أصبحت الصين ثالث بلد يهبط بمركبة فضائية على سطح القمر. وفي العام الماضي، هبطت مركبة إنزال صينية على الجانب البعيد من القمر، لتغدو الصين بذلك أول بلد يحرِز هذا السبق العلمي. وفي شهر مايو الماضي، أجْرَى البلد إطلاقًا تجريبيًّا ناجحًا لمركبة فضائية، تُقِلّ طاقمها إلى محطتها الفضائية الجديدة، المُزمَع الانتهاء منها في عام 2022.

كبر الصورة

بيد أنَّ مشروع المريخ يتفوَّق على البعثات الفضائية الصينية السابقة تفوُّقًا كبيرًا، حسب ما ذكره باحثون بالأكاديمية الصينية لتكنولوجيا الفضاء في ورقة بحثية منشورة في عام 2017 (P. J. Ye et al. Sci. China Technol. Sci. 60, 649–657; 2017)، فالرحلة إلى المريخ أطول من نظيرتها إلى القمر بـألف مرَّة، كما أن الكوكب يتمتع بضِعْف الجاذبية السطحية التي تميز القمر، ويتسم بغلاف جوي، فضلًا عن أنه مُترع بالصخور الكثيفة؛ مما يجعل جهود استكشافه أشدَّ خطورة.

وقد تكتَّمت الحكومة الصينية على أخبار البعثة؛ إذ وَرَدَتْ غالبية المعلومات العامة عنها من المقالات المنشورة، والتقارير الصادرة عن وسائل الإعلام الحكومية، التي تحذف التفاصيل الأساسية عن ميزانية البعثة، والموعد المحدَّد لانطلاقها، وموقع هبوط مسبارها على الكوكب. كما رفض العلماء المشاركون في البعثة طلبات إجراء مقابلات شخصية معهم إلى حين موعد الإطلاق، لكن وانج تشي -عالِم فيزياء الفضاء، والمدير العام للمركز الوطني لعلوم الفضاء في بكين- صرح في رسالة إلكترونية بأن البعثة تَمضي قُدمًا وفقًا للخطة الموضوعة لها. وأضاف قائلًا: "يعمل فريقنا في الوقت الحالي في مركز وينشانج للإطلاق الفضائي، وجميع الأمور تسير على ما يُرام"، في إشارة إلى المنشأة الواقعة في جزيرة هاينان. وجدير بالذكر أن وانج هو المسؤول عن الحمولات الخاصة بالأغراض العلمية في هذه البعثة، التي تقودها إدارة الفضاء الوطنية الصينية.

وإذا جَرَت الأمور كما هو مخطط لها، فسوف تكون "تيانوين-1" البعثة الأولى التي تنجح في دراسة الكوكب الأحمر باستخدام مركبة مُجمَّعة، تتألَّف من ثلاث مَركبات: مركبة مدارية، ومركبة إنزال، ومركبة جوالة. وبمجرد وصول هذه المركبة المجمَّعة إلى المريخ، سوف تطلِق مركبتها المدارية سداسية الشكل مركبةَ الإنزال والمركبة الجوالة –محميتين بهيكل مخروطي كروي– إلى الغلاف الجوي للكوكب. وقد حدد الفريق الصيني منطقتي إنزال ممكنتين، تقعان شمال خط الاستواء المريخي، في منطقة منبسطة تُعرف بسهول "يوتوبيا بلانيتيا" Utopia Planitia، وذلك حسب عرض تقديمي أعدَّه واي يان، من المراصد الفلكية الوطنية في بكين، الذي ألقى كلمة في مؤتمر علوم الكواكب الأوروبي، الذي انعقد في مدينة جينيف السويسرية في شهر سبتمبر الماضي.

بعد ذلك، سوف يستخدم مسبار المركبة الاستكشافية مظلة، ويحلق هبوطًا، ليستقر على الأرجل الأربع لمركبة الإنزال المستديرة. وعندئذٍ، ستمدد المركبة الجوالة -التي تزن حوالي 200 كيلوجرام- ألواحها الشمسية، وتهبط على سطحٍ منحدر، ثم تشرع تلقائيًّا في استكشاف البيئة المحيطة على مدار المدة المتبقية من عمرها، البالغ حوالي 90 يومًا مريخيًّا، يتكوَّن كلٌّ منها من 24 ساعة و37 دقيقة. وأثناء أداء المركبة الجوالة لمهمَّتها، ستقوم المركبة المدارية بدور حلقة الاتصال بينها وبين الأرض، وبعد ذلك ستنتقل إلى مدار أقرب للكوكب، من أجل مسحه على مدار سنة مريخية كاملة.

زوَّد الفريق الصيني المركبة المدارية بسبعة أجهزة، والمركبة الجوالة بستة. فالمركبة المدارية مجهَّزة برادار لاستكشاف الطبقة الواقعة أسفل سطح الكوكب، ويصل مداه إلى عمق 100 متر، بهدف رسم خرائط للتكوينات الجيولوجية، والبحث عن الماء والثلج. وباستخدام كاميرات ذات دقة متوسطة وعالية، سوف تلتقط المركبة صورًا للمعالم التضاريسية للكوكب، مثل الكثبان الرملية، والأنهار الجليدية، والبراكين، مما سيساعد على توفير أدلة تشير إلى كيفية تكوُّن هذه التضاريس. كما ستحمل المركبتان المدارية والجوالة كلتاهما أجهزة قياس طيفي لدراسة تركيب التربة والصخور، والبحث -بصفةٍ خاصة- عن أدلةٍ تُبيِّن كيفية تغيير الماء لسمات الكوكب الجيولوجية. وإضافةً إلى ذلك، يعتزم الفريق جمع بيانات عن الغلاف الجوي للمريخ -تشمل درجة الحرارة، والضغط الجوي، وسرعة الرياح، واتجاهها- فضلًا عن دراسة المجالات المغناطيسية وحقول الجاذبية على الكوكب.

كبر الصورة

وفي ذلك الصدد، يقول رايموند أرفيدسون -اختصاصي جيولوجيا الكواكب في جامعة واشنطن في سانت لويس بولاية ميسوري- إن البعثات السابقة إلى المريخ حملت أجهزة مشابهة؛ غير أنَّ المريخ كوكب كبير، ويتسم بتاريخ جيولوجي معقد. ولذا، فإن البيانات التي ستحصل عليها بعثة "تيانوين-1" قد تسهم في جعل الباحثين أكثر إلمامًا بالمواقع غير المشمولة في عمليات الرصد القائمة. ويضيف أرفيدسون قائلًا: "إذا نجحَتْ الأجهزة الصينية في أداء مهمتها، وفي جمع البيانات اللازمة، وأتيحت تلك البيانات بطريقة مشابهة للطريقة التي نتَّبعها، فعندها لن تكون كلُّ هذه الجهود قد ضاعت هباءً"، لافتًا إلى وجود أرشيف مجاني متاحٍ للجميع، تتولَّى إدارتَه الجامعةُ التي يعمل بها بالتعاون مع وكالة ناسا، وهو أرشيف يجمع بيانات العلوم الجيولوجية التي أمكن الحصول عليها من العديد من بعثات استكشاف الكواكب السابقة.

ويرى ديميتري تيتوف، المدير العلمي لبعثة المركبة المدارية "مارز إكسبريس" Mars Express، التي أطلقتها وكالة الفضاء الأوروبية في عام 2003، أن المركبة المدارية الصينية يمكن أن تستمر في أداء مهامِّها بعد بعض المركبات القديمة التي شارفَتْ على الخروج من الخدمة، ومنها مركبة "مارز إكسبريس"، ومركبتا ناسا المداريتان؛ "مستكشف المريخ المداري" Mars Reconnaissance Orbiter، والمركبة التابعة لبعثة "الغلاف الجوي والتطور المتقلب للمريخ"، المعروفة اختصارًا بـ"مافن" MAVEN. ويقول تيتوف إن بعثات الرصد المستمر ستعود بالنفع على أوساط مستكشفي الفضاء، في الوقت الذي تكون فيه وكالاتُ فضاءٍ أخرى كثيرة منكبّة على إعداد بعثات فضائية تهدف إلى العودة بالعينات التي أمكن جمْعها. والحقُّ أن الصين لديها خططها الخاصة لجمع العيِّنات من المريخ واسترجاعها بحلول عام 2030.

"الأمل" الإماراتي يبلغ عنان السماء

راوَدَ دولة الإمارات العربية المتحدة حُلمٌ كبير حينما عقدَتْ العزم على أن تحلِّق بمسبارها إلى المريخ، في أوَّل بعثةٍ استكشافية فضائية إماراتية تغادر المدار الأرضي. ومن هنا، وقع اختيارها على "الأمل" Hope ليكون اسمًا للمسبار المزمع أن تطْلِقه من مركز تانيجاشيما الفضائي بمقاطعة كاجوشيما اليابانية، في غضون ثلاثة أسابيع، اعتبارًا من يوم الخامس عشر من يوليو الجاري.

وإذا كُتب النجاح لمشروع الإمارات لاستكشاف المريخ (EMM)، فلن يقتصر أثره على أن تكون الإمارات أوَّل بلدٍ عربي يُقْدِم على مغامرة فضائية بين الكواكب، وإنما ستكون البعثة كذلك أول بعثة فضائية على الصعيد العالمي تُنتِج خريطةً لطقس المريخ، إذ كانت مسابير سابقة قد أسهمَتْ في رسم صورة تراكمية عن الغلاف الجوي للكوكب من مداراتٍ أتاحَتْ رصد كل جزء من أجزائه في أوقات محدودة من اليوم. أمَّا "مسبار الأمل"، فسوف يدُور في مدار بيضاوي ضخم، سوف يتيح له مراقبة قطاعاتٍ كبيرة من الكوكب في كلٍّ من الظروف النهارية والليلية، بحيث يغطي الكوكب كله تقريبًا في كل دورة مدارية تستغرق 55 ساعة. وفي تصريحٍ أدلَتْ به سارة الأميري، قائدة الفريق العلمي للمشروع ووزيرة الدولة للعلوم المتقدمة، قالت: "سيكون في مقدورنا رصد كوكب المريخ بأسره، في جميع أوقات اليوم، على مدار سنة مريخية كاملة". ويُذكر أن المسبار مزوَّد بكاميرا تعمل بالضوء المرئي، ومطياف للأشعة تحت الحمراء، من أجل دراسة سُحُب المريخ وعواصفه الترابية في طبقات الغلاف الجوي السفلى. أما مطياف الأشعة فوق البنفسجية الخاص بالمسبار، فسوف يراقب الغازات في طبقات الغلاف الجوي العليا. وتقول حصة المطروشي، عضوة الفريق العلمي للمشروع: "سوف تكون هذه أول بعثة تقدِّم صورة شاملة عن ديناميَّات الغلاف الجوي لكوكب المريخ".

كبر الصورة

Adapted from ESA/https://go.nature.com/2zdwjka

وعلى مدار البعثة، التي سوف تستمر لمدة عامين، سيرصد "مسبار الأمل" التغيرات اليومية في حالة الطقس، وتعاقُب الفصول. وبالإضافة إلى الإسهام في الإعداد لانطلاق بعثاتٍ مأهولة في المستقبل، يُفترض أن يكشف المسبار عن كيفية تسبُّب الظروف الجوية في هروب الهيدروجين والأكسجين إلى الفضاء. وهذا من شأنه أن يساعد العلماء على فهْم مناخ كوكب المريخ، وكيف انخفضت كثافة غلافه الجوي الذي كان كثيفًا فيما مضى. وتقول الأميري إن الفريق تعاوَن مع شركاء دوليين، كي يخلص إلى أهدافه العلمية، وإن البيانات سوف تكون متاحةً للمجتمع الدولي، دون فرض أي حظر عليها. وفي معرض التعليق على ذلك، قال ريتشارد زوريك، كبير العلماء في مكتب برنامج المريخ في "مختبر الدفع النفَّاث"، التابع لوكالة ناسا: "لقد أظهَرَ الإماراتيون حرصًا شديدًا على ألا تكون هذه البعثة مجرد نموذج تجريبي، وإنما تُضيف إلى رصيد المعرفة العلمية بكوكب المريخ".

إنّ إقدام دولة الإمارات على إطلاق مركبة فضائية في رحلة بين الكواكب يُعَدّ بمثابة قفزة هائلة في قدرات ذلك البلد، الذي استعان بخبرات مهندسين محنَّكين شاركوا في بعثات وكالة ناسا السابقة، لا سيما من جامعة كولورادو بولدر. وقد رُصد لهذه الشراكةهدف واضح، يتمثَّل في نقل الخبرة الفنية إلى الفريق الذي يعمل في "مركز محمد بن راشد للفضاء"، والذي تربطه بالمهندسين علاقة تعاون امتدَّت إلى كافة جوانب البعثة. وحول ذلك، يقول أحمد بالهول، وزير الدولة لشؤون التعليم العالي والمهارات المتقدمة، ورئيس مجلس إدارة وكالة الإمارات للفضاء: "حقيقة الأمر أننا بلد صاعد، وما كان لنا أن نُنجز ما أنجزنا دون شركائنا، وجهود التعاون الدولي".

وخلافًا لما جرَتْ عليه العادة لدى تنفيذ مشروع فضائي يتضمَّن رحلةً بين الكواكب، لم تكن هذه البعثة وليدة أفكار العلماء، وإنما كانت بمبادرة من الحكومة نفسها، التي حدَّدت لاكتمال تنفيذ المشروع موعدًا نهائيًّا غير قابل للنقاش، هو الثاني من ديسمبر لعام 2021، الذي يوافق الذكرى الخمسين لتأسيس الإمارات العربية المتحدة. وعلى حد قول عمران شرف، مدير مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ، لم يكن المقصد من الإقدام على هذه الخطوة الجسورة إلهام شباب المنطقة فحسب، وإنما كان أيضًا إطلاق إشارة البدء لتحوُّل دولة الإمارات إلى اقتصاد قائم على المعرفة.

والحقُّ أن البعثة قد بدأت تُؤتي ثمارها بالفعل؛ فقد رأينا كيف أنَّ الجامعات تتجه إلى إتاحة خمسة مقررات دراسية جديدة في العلوم البحتة لطلاب المرحلة الجامعية، وكيف أنَّ حماس أطفال الإمارات للفضاء يتزايد يومًا بعد يوم.

وحتى إذا انفجر "مسبار الأمل" على قاعدة الإطلاق، فقد نجحَتْ البعثة في تحقيق أهدافها على أكثر من صعيد، على حد ما قالته الأميري، التي سرعان ما استدركَتْ قائلة: "لقد أصابني هلع شديد لمجرد التفكير في هذا الاحتمال".

ألكساندرا ويتزي تكتب لدورية Nature من بولدر في كولورادو.

سمريتي مالاباتي مراسلة أولى، مقيمة في سيدني بأستراليا.

إليزابيث جيبني مراسلة أولي، مقيمة في لندن بالمملكة المتحدة.